في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عمّان- في زاوية صغيرة من منزله، حيث لم يكن المواطن الأردني محمد أمين يتوقع أن يعود يوما لاستخدام أدواتٍ ظن أنها أصبحت جزءا من الماضي، أخرج فانوس الغاز من مخزنه ونفض عنه الغبار ثم أعاد تشغيله، كما جهّز طباخا تقليديا وخزّن كمية من الوقود، استعدادا لأي طارئ قد تفرضه تطورات الحرب في المنطقة.
وهذا المشهد لم يعد حالة فردية، بل بات يعكس مزاجا عاما يتسم بالحذر في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل و إيران، والمخاوف من انعكاساتها على الأردن، خاصة فيما يتعلق بإمدادات الطاقة والبنية التحتية.
ورغم التطمينات الحكومية المتواصلة بتوفر السلع ومخزونات المحروقات، لم يُخفِ محمد مخاوفه وهو يتحدث للجزيرة نت من تأثر الأردن بهذه الظروف، مفضلا الاستعداد المبكر، في مشهد يعكس حالة الحذر التي تسود بين المواطنين.
هذا القلق انعكس بوضوح على الأسواق، حيث شهدت محلات صيانة الغاز وبيع نثرياته حركة غير مسبوقة، وأصبحت وجهة رئيسية للمواطنين الباحثين عن فوانيس الغاز والطباخات التقليدية.
وفي أحد هذه المحال بمنطقة المقابلين في العاصمة عمّان، حيث تجولت الجزيرة نت، وجد الشاب عبد الله العزازمة نفسه أمام ضغط كبير من الزبائن لم يعهده من قبل في متجره، حتى اضطر إلى تنظيم العمل عبر الحجوزات الهاتفية وترتيب الأدوار مسبقا، بعد أن تزايد الطلب على صيانة الأجهزة التي تراكم عليها الغبار بفعل الإهمال ووجود بدائل حديثة.
ورغم سعادته بانتعاش الحركة في محله الذي أصبح مقصدا رئيسيا للأردنيين، فإن عبد الله يختصر مشاعره بتمنٍ بسيط، أن تبقى هذه الاستعدادات بلا حاجة، وألا تحمل الأيام ما يُخشى وقوعه.
ودفع الطلب المتزايد الأسعار إلى الارتفاع بشكل ملحوظ، مع تحذيرات من استخدام المنتجات التجارية غير الأصلية نظرا لما قد تشكله من مخاطر، في ظل الاعتماد عليها كبدائل محتملة للطاقة.
من جهته، رأى خبير الطاقة والمحلل الاقتصادي الأردني، عامر الشوبكي، أن الأردن من بين الدول الأكثر تضررا بعد دول الخليج، في ظل اعتماده على استيراد معظم حاجته من الغاز وجميع احتياجاته من النفط منها.
يأتي ذلك إلى جانب تأثره بانقطاع الغاز من حقول شرق البحر الأبيض المتوسط، ما يدفعه لتحمل تكاليف إضافية نتيجة التحول إلى استخدام الديزل وزيت الوقود بدلا من الغاز لتوليد الكهرباء، الأمر الذي كبّد المملكة خسائر يومية قد تصل إلى 3 ملايين دينارأردني (الدينار = 1.41 دولار).
في المقابل، أوضح الشوبكي للجزيرة نت أن الأردن يمتلك مخزونات إستراتيجية تكفي ما بين 25 إلى 30 يوما، ما قد يجعله في وضع أفضل نسبيا مقارنة ببعض دول الجوار في حال الوصول إلى السيناريو الأخطر، إذ قد يضطر إلى اللجوء لانقطاعات مبرمجة بدلا من الكاملة مستفيدا من مزيج مصادر الطاقة، حيث يمكنه توليد نحو 15% من احتياجاته عبر الصخر الزيتي، فيما تغطي الطاقة الشمسية نحو 72% من الاستهلاك خلال ساعات النهار.
ورغم هذه الإجراءات الاحترازية، لفت الشوبكي إلى أن فاتورة الطاقة تشكل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن أي ارتفاع فيها سينعكس بشكل كبير على الاقتصاد، إلى جانب احتمال تأثر تحويلات المغتربين في دول الخليج، التي تُمثل نحو 7% من الناتج المحلي، في ظل تعرض مصادر الطاقة لمخاطر إقليمية.
وجاءت حالة القلق التي سادت بين المواطنين -وفقا له- نتيجة مخاوف من احتمال استهداف الأردن أو منشآت الكهرباء، ما أدى للتهافت على شراء المصابيح والشموع استعدادا لأي طارئ.
وأشار إلى أن انقطاع الكهرباء الكامل لم يكن مألوفا في الأردن إلا في حالات نادرة ولفترات قصيرة، إلا أن هذه المخاوف دفعت المواطنين للاستعداد لأسوأ السيناريوهات، بما في ذلك احتمال انقطاع الوقود في حال استهداف منشآت الطاقة في الخليج، وهو ما انعكس في طوابير شهدتها محطات المحروقات.
في المقابل، قدّمت الحكومة الأردنية روايتها التي استندت فيها إلى الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، وفي جلسة مكاشفة عُقدت في رئاسة الوزراء حضرتها الجزيرة نت، استعرض وزير الصناعة والتجارة والتموين، يعرب القضاة، أداء القطاعات الاقتصادية، مشيرا إلى أن القطاعين الصناعي والتجاري يعملان بوتيرة طبيعية منذ بداية الأزمة.
وبلغت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي نحو 23%، وهي الأعلى خلال السنوات العشر الماضية، فيما ارتفعت الصادرات الوطنية بنسبة 9.9% خلال عام 2025، وقفزت بنسبة 90% مقارنة بعام 2020، لتصل إلى 9.6 مليارات دينار أردني مقابل 5 مليارات قبل 5 سنوات.
كما أظهرت البيانات تنوعا في الأسواق التصديرية، حيث ارتفعت الصادرات إلى الدول العربية بنسبة 10%، وإلى الدول الآسيوية غير العربية بنسبة 15%، وإلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 39%، ما يُعزز استدامة الصادرات ويحد من تأثير الأوضاع الإقليمية.
وفيما يتعلق بالإمدادات، بقي المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية ضمن مستويات آمنة ومستقرة، مع استمرار سلاسل التوريد والإمداد بوتيرة طبيعية، مدعومة بإجراءات حكومية سريعة شملت السماح بنقل الحاويات عبر المعابر البرية وإلغاء حصرية النقل من ميناء العقبة لمدة شهر، إضافة إلى إعفاءات على أجور الشحن البحري لستة أشهر.
من جانبه، أوضح وزير الطاقة والثروة المعدنية، صالح الخرابشة، أن هذا القطاع يعمل بكفاءة عالية رغم التحديات السابقة، مستفيدا من تنوع مصادر الطاقة وتطوير البنية التحتية. ويبلغ مخزون المشتقات النفطية مستوى يكفي ما بين 30 و60 يوما، مع استمرار وصول الشحنات دون انقطاع، وعدم المساس بالمخزون الإستراتيجي حتى الآن.
كما تتواصل المشاريع الوطنية الكبرى، وعلى رأسها مشروع خط غاز الريشة وربطه بخط الغاز العربي المتوقع إنجازه بحلول 2029.
وفي سياق الأسعار، تراقب الحكومة التغيّرات العالمية، مع توجه لتخفيف الأعباء عن المواطنين عبر عدم عكسِ كامل الارتفاعات على السوق المحلي.
بدوره، أشار وزير الدولة للشؤون الاقتصادية، مهند شحادة، إلى أن الأردن يمثل نموذجا للاستقرار مقارنة بمحيطه الإقليمي، في ظل صمود الاقتصاد الوطني أمام أزمات متلاحقة خلال السنوات الماضية.
وعلى صعيد السوق، دعا نقيب أصحاب محطات المحروقات، نهار سعيدات، إلى اعتماد آلية تدريجية في تسعير المحروقات بما يحافظ على استقرار الأسعار، مؤكدا للجزيرة نت أن مخزون الوقود مُطمْئن وأن منظومة أمن الطاقة تعمل بكفاءة عالية، مع توفر الإمدادات بشكل كافٍ، وعدم المساس بالمخزون الإستراتيجي حتى الآن.
في المقابل، حذّر المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات من تخزين الوقود داخل المنازل، مؤكدا أن هذه الممارسة تشكل خطرا مباشرا على الأرواح والممتلكات، نظرا لسرعة اشتعال المواد البترولية. كما دخلت تعليمات رسمية حيز التنفيذ تمنع بيع البنزين عبر "الجالونات"، في خطوة احترازية تهدف إلى الحد من التهافت غير المبرر وضمان السلامة العامة واستدامة التزويد.
وبين فوانيس تُضاء من جديد، وأرقام رسمية تعكس الاستقرار، يعيش الأردنيون حالة توازن دقيقة بين القلق والاطمئنان، في انتظار ما ستؤول إليه تطورات مشهد إقليمي لا يزال مفتوحا على كل الاحتمالات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة