آخر الأخبار

أيها النفاق الغربي ستكون لك وحشة

شارك

لا تخلو خطب السياسيين والدبلوماسيين وأدبيات العلاقات الدولية، شرقا وغربا، من التنويه أو الإشارة إلى قواعد النظام الدولي واستدعاء مبادئه الأصلية، باعتبارها معيارا للحكم على أدائه وعلى سلوك الدول ومقياسا لاستمراره، خاصة مبادئ السيادة والاستقلال والشرعية الدولية، وضبط النفس، وحل الصراعات دبلوماسيا، وحقوق الإنسان، وبناء الإجماع الدولي.

لكنها "قواعد" لا تستدعى غالبا إلا في سياق الصراع والنفي، حيث يشهرها أحد أطراف الصراع سيفا بوجه أطرافه الأخرى عندما تعزِز موقفه فقط، وهذا ما يسمى إعلاميا "ازدواجية المعايير".

والحقيقة أنه ليس ثمة معايير مزدوجة، بل هو معيار المصلحة الذاتية والأنانية الضيقة حيثما كانت، بصرف النظر عن الحق والباطل أو الحقيقة والزيف، وهذا تحديدا هو النفاق الأبدي الذي حكم سلوك الغرب منذ صعوده قبل خمسة قرون، ذاقت فيها البشرية الويلات؛ احتلالا واستيطانا واستغلالا وعنفا ونهبا ودمارا.

وفي سياق ما يتداول مؤخرا حول "موت" النظام الدولي الليبرالي القائم على القواعد والمبادئ، يجادل الكاتب والباحث الأيرلندي، شين فيتزجيرالد، بأن هذا النظام، كأساس أخلاقي سياسي لارتقاء البشرية، كان أعظم عرض مسرحي على وجه الأرض، وهو لم يمت، لأنه لم يعش قط! فما كان قائما هو نظام انتقائي منتزع من شريحة محددة من البشرية. لنحصل بالتالي على الرعب والفزع والغطرسة والنفاق، وكل شيء يمكن تبريره؛ لأنه لم يكن هناك إلا قاضٍ واحد مؤهل ليخبرنا من يقف على جانب الصواب، وعلى جانب الخطأ من التاريخ والإنسانية.

عندما بدت النوايا صادقة، اعتقد البعض أن قوة أعظم دولة في التاريخ، الولايات المتحدة، يمكن تسخيرها لإرساء عهد جديد من السلام والازدهار، والارتقاء بالإنسانية لآفاق لم تخطر على بال.

أما عندما كانت الغايات مشكوكا بها، فقد دخل المال والنفوذ في المعادلة. وعندما كانت المقاصد خبيثة، سيطرت نزعة قومية شوفينية متطرفة، متعطشة للسلطة، ومتعصبة حضاريا.

إعلان

إيجابيات النفاق الغربي!

من ناحية أخرى، بحث خبراء في كيفية التعامل مع نظام دولي جوهره وعموده الفقري نفاق الغرب والقوى الغربية، جماعيا وفرديا، بحيث يمكن إحراجها والضغط عليها لتتخذ سلوكا أفضل لصالح البشرية.

من هؤلاء الأكاديمي البرازيلي، ماتياس سبيكتور، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية بجامعة جيتوليو فارغاس، بسان باولو. فقد نشرت له "فورين أفيرز"، في يوليو/تموز 2023، مقالا بعنوان: "إيجابيات النفاق الغربي، وكيف يمكن لدول الجنوب العالمي أن تدفع أمريكا نحو الأفضل؟".

لكن سبيكتور عاد إلينا أواخر يناير/كانون الثاني 2026، بمقال في "فورين أفيرز" أيضا بعنوان: "سيفتقد العالم النفاق الغربي"، وحذر من أن نظاما دوليا قائما علنا على الصفقات والمصالح فقط ينذر بمشكلات واضطرابات للجميع.

لاحظ سبيكتور أن النظام العالمي يشهد تحولا خطيرا مع تخلي القوى الكبرى، وتحديدا الولايات المتحدة، عن التظاهر بالقيم الأخلاقية وقواعد القانون الدولي لصالح سياسات "نفعية" مكشوفة قائمة على الصفقات.

والمفارقة أن "النفاق" الذي شاب النظام القديم أتاح هوامش للمساءلة ومنح الدول الضعيفة أدوات ضغط، بينما يحذر من أن العالم الجديد الخالي من التظاهر بالأخلاق سيكون فوضويا أكثر، إذ يدفع غياب القواعد والمبادئ المشتركة الحلفاء والأعداء للبحث عن بدائل إستراتيجية بعيدا عن واشنطن.

يحذر سبيكتور أيضا من فهم "اختفاء" النفاق خطأ على أنه تقدم. قد يبدو وكأنه اتجاه نحو الصدق ونهاية ازدواجية المعايير، والتصنع، وخداع الذات. لكن النفاق لعب دورا هيكليا بنيويا في النظام الدولي الذي يتم تفكيكه الآن. فعبر ادعاء العمل باسم مبادئ مشتركة، جعلت الدول القوية نفسها عرضة للاعتراض والمساءلة.

يقول سبيكتور، لعب النفاق طويلا دورا مزدوجا في السياسة الدولية. فقد ولّد استياء وانعدام ثقة بين القوى الكبرى، لكنه قيّد القوة أيضا بمساءلة الدول أمام معايير أخلاقية زعمت التمسك بها.

وطوال الحرب الباردة، بررت الولايات المتحدة دورها القيادي في النظام الدولي باستخدام لغة الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى عندما قصرت أفعالها عن بلوغ تلك المُثل.

ولم يمر هذا النفاق دون اعتراض. فقد احتج الحلفاء والدول غير المنحازة مرارا وتكرارا بالخطاب الأخلاقي للولايات المتحدة لانتقاد السلوك الأمريكي والمطالبة باتساق أكثر بين مبادئ زعمت مناصرتها وبين ما كانت تفعله كممارسة عملية.

أدى هذا الضغط لنتائج ملموسة. فمثلا، دفع التدقيق المحلي والدولي لإجراء تحقيق بالكونغرس عام 1975 بواسطة "لجنة تشيرش" في سلوك الاستخبارات الأمريكية، بما في ذلك عملياتها السرية بالخارج. وأعادت نتائج اللجنة الرقابة على عمليات الاستخبارات، وجعلت حقوق الإنسان معيارا هاما بقرارات السياسة الخارجية.

استمر هذا الضغط بعد الحرب الباردة. عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، وبررت الحرب احتجاجا بالقانون الدولي وتهديد أسلحة دمار شامل بالعراق، لم تظهر أبدا.

كان رد الفعل الدولي العنيف تجاه الغزو شديدا، لأن واشنطن ادعت أنها تعمل ضمن نظام "قائم على القواعد". وعاد الأمر لاحقا بحملة القصف الأمريكية بالطائرات المسيرة بباكستان، واليمن، والصومال، وأفغانستان.

إعلان

ومع توسع الحملة تحت عدة إدارات، استدعى المحامون الدوليون والحلفاء والمجتمع المدني التزامات أمريكية بالإجراءات القانونية الواجبة وسيادة القانون لمساءلة واشنطن عن عمليات القتل الشائنة. في المقابل، طورت واشنطن مبررات قانونية، وضيقت معايير الاستهداف بالقتل، وقبلت تدقيقا سياسيا أكبر حول كيفية ومكان استخدام المسيرات للقتل.

كان التقييد الذي يتيحه النفاق قاصرا دائما. وظلت القوة الأمريكية سائدة. لكن الالتزام بالتبرير- استبقاء لمظهر العمل القائم على المبادئ- خلق احتكاكا. فقد منح الدول الضعيفة لغة تقاوم بها، وأخضع سلوك القوى العظمى للمساءلة، ولو جزئيا، إزاء شيء يتجاوز المصلحة المجردة.

الانفلات الملحمي

تراجعت تلك الدينامية جدا بالسنوات الأخيرة. واتسمت اللحظة الراهنة المميزة ليس فقط بانتهاك أمريكا مبادئ كانت تناصرها يوما، بل بالتخلي مطلقا وباطراد عن الحاجة لتبرير أفعالها بتلك المصطلحات.

وبينما كانت الإدارات السابقة تغلف القوة الأمريكية بلغة القانون أو الشرعية أو قيم الليبرالية العالمية، تدافع واشنطن الآن عن سياستها الخارجية بمصطلحات نفعية وصفقات فجة، أعادت العالم لزمن عبء الرجل الأبيض والحرب العادلة وحق القوة.

كان هذا التحول جليا تماما خلال ولاية ترمب الأولى. فعندما انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي الإيراني، المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، لم يجادل ترمب بأن إيران انتهكت أعرافا دولية أو أن الاتفاق يعرض الاستقرار الإقليمي للخطر؛ بل رفضه ببساطة باعتباره صفقة سيئة للولايات المتحدة.

وبالمثل، عندما وُوجِه بانتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان في بعض الدول، دافع ترمب عن استمرار علاقاته بها لا لضرورة إستراتيجية، بل لطبيعة المصالح والفوائد التي تجنيها الولايات المتحدة من هذه العلاقات. في الحالتين، لم تنكر واشنطن الحقائق الأساسية، بل أنكرت ضرورة التبرير الأخلاقي.

ويمضي سبيكتور قائلا، في ولايته الثانية، نحّى ترمب لغة التبرير تماما. عندما هدد الدانمارك وسبعة حلفاء أوروبيين آخرين بفرض رسوم جمركية لمعارضتهم محاولته الاستحواذ على غرينلاند، فلم يؤطر النزاع من حيث المصالح المشتركة أو التزامات التحالف، بل استخدمها صراحة كورقة ضغط وطلب "نفعي" لانتزاع تنازلات إقليمية وجيوسياسية.

وبالمثل، في فبراير/شباط 2025، أصدر ترمب أمرا تنفيذيا بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية ليس لأنه طعن في سلطتها القانونية أو قدم إطارا بديلا للمساءلة، بل لأن المحكمة ادعت بجرائم الحرب على حليفه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو.

ولعل الأمر الأوضح هو عندما سئل عما إذا كان الرئيس الصيني شي جين بينغ قد يتحرك ضد تايوان، أجاب ترمب بأنه رغم أن مثل هذا العدوان سيجعله "غير سعيد للغاية"، فإن القرار يعود إلى الرئيس شي. فهذا ليس انتهاكا لمبادئ معلنة، يحتكم لضرورة أو غاية أسمى. إنها تأكيدات عارية للمصلحة، بدون زخارف أو نفاق أو تظاهر بالمبادئ.

استحقاقات خاصة

إن رفض واشنطن الاستشهاد بالمبادئ في السياسة الخارجية يغير جذريا شروط الخلاف بالنسبة للدول الأضعف. يدين نقاد سياسات ترمب باعتبارها فجة وأنانية، لكنهم يجدون صعوبة في اتهامه بالنفاق.

لا توجد فجوة بين الفضيلة المعلنة والممارسة عندما يتم التخلي عن ادعاء الفضيلة. لم تعد القوة تحتكم لمبدأ عالمي؛ بل تؤكد استحقاقا خاصا. والنتيجة ليست مجرد أسلوب دبلوماسي أقسى، بل تحول الشروط الأساسية التي تعمل بموجبها القوة الأمريكية، والأهم من ذلك، كيفية مقاومتها.

مع سقوط القناع وظهور ‘الحقيقة" عارية لقوة غاشمة لا تخجل أو تخفي أنانيتها ولا تتجمل أو تتظاهر بالمبادئ، نكتشف أن العالم لا يواجه صراحة أخلاقية، بل توحشا صريحا وتغولا سافرا يرى في الالتزام بالقواعد ضعفا وفي القيم عبئا وعبثا.

إعلان

إن الشعور بـ"الافتقاد" الذي نجده تجاه ذلك النفاق القديم يصدر عن إدراك متأخر بأنه كان ضريبة تدفعها القوة الغاشمة للعدالة، وبغياب ذلك التلوّن، لم يبقَ لنا إلا عالم بارد موحِش تقاس فيه قيمة الشعوب بقدر تسخيرها وما يمكن انتزاعه منها، لا بما تملكه من حق أو كرامة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا