في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتحرك الساحة اللبنانية بين مسارين متوازيين؛ الأول عسكري في الجنوب مع استمرار المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، والثاني دبلوماسي تقوده الرئاسة اللبنانية والحكومة عبر مشاورات لتشكيل وفد تفاوضي مع إسرائيل برعاية دولية.
ويأتي هذا الحراك في ظل تصعيد ميداني متسارع على الحدود، حيث يواصل حزب الله عملياته ضد مواقع إسرائيلية، مقابل غارات إسرائيلية مكثفة وتحذيرات من احتمال تنفيذ عملية برية واسعة جنوب نهر الليطاني.
وفي خضم هذه التطورات، برزت مبادرة فرنسية جديدة، دعا فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إطلاق محادثات مباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، معربا عن استعداد باريس لتسهيل هذه المفاوضات واستضافتها.
وفي الداخل اللبناني، تتواصل المشاورات بين الرئاسات الثلاث لتشكيل وفد تفاوضي دبلوماسي يضم عددا من السفراء، على أن يجري التفاوض في إحدى العواصم الأوروبية أو في قبرص، وفق ما كشفه مدير مكتب الجزيرة في جنوب لبنان مازن إبراهيم. غير أن هذا المسار يواجه تعقيدات داخلية، في ظل تحفظات أعلنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وموقف متشدد من حزب الله الذي يربط أي مسار تفاوضي بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية أولا.
وبين ضغوط الميدان وحسابات السياسة، يطرح الحديث عن تشكيل وفد تفاوضي لبناني سلسلة من الأسئلة حول تفاصيل العرض اللبناني، وموقف إسرائيل المتوقع، والأوراق التي تملكها بيروت في أي مفاوضات محتملة، إضافة إلى دور الوسطاء الدوليين واحتمالات نجاح هذا المسار في ظل الانقسام الداخلي اللبناني والتصعيد العسكري المستمر.
تشير المعلومات المتداولة في الأوساط السياسية اللبنانية إلى أن الحكومة تعمل على تشكيل وفد تفاوضي دبلوماسي يضم نحو 6 أشخاص من مستوى السفراء، على أن يتولى مهمة إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية.
وبحسب ما نقله مازن إبراهيم فإن المشاورات الجارية بين الرئاسات الثلاث في البلاد (رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان) تهدف إلى تشكيل وفد رسمي يتم إرساله إلى قبرص لتكون وجهة أولى للمفاوضات، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام عواصم أخرى لاستضافة المحادثات.
يأتي الطرح اللبناني في سياق ضغوط عسكرية وسياسية متزايدة، إذ تتصاعد المواجهات على الحدود الجنوبية، وسط تقارير عن استعداد إسرائيل لعملية برية واسعة في جنوب لبنان.
وفي ظل هذا التصعيد، يبدو أن بعض الأطراف اللبنانية ترى في فتح قناة تفاوضية فرصة لوقف الانزلاق نحو حرب أوسع، خصوصا مع تصاعد الضغوط الدولية لمنع توسع الصراع في المنطقة.
كما أن الطرح يتقاطع مع مبادرات دولية، أبرزها الدعوة الفرنسية لإطلاق محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل.
حتى الآن لم يصدر موقف رسمي إسرائيلي بشأن العرض الجديد، لكن التجارب السابقة تشير إلى أن تل أبيب تربط أي مسار تفاوضي بشرط أساسي يتمثل في وقف هجمات حزب الله أولا.
وكانت إسرائيل قد رفضت في وقت سابق طرحا لبنانيا للحوار، معتبرة أن الأولوية هي وقف إطلاق الصواريخ والعمليات العسكرية من جنوب لبنان.
كما تشير تقديرات سياسية إلى أن إسرائيل قد تفضل تحقيق مكاسب ميدانية قبل الدخول في أي مفاوضات، وهو ما يفسر استمرار التصعيد العسكري في الجنوب.
تمتلك الحكومة اللبنانية عددا من الأوراق التي يمكن استخدامها في أي مسار تفاوضي، من أبرزها:
لكن في المقابل، تبقى قدرة الحكومة اللبنانية على فرض التزامات ميدانية مرتبطة بشكل كبير بموقف حزب الله الذي يشكل الطرف العسكري الرئيسي في المواجهة مع إسرائيل.
عادة ما تركز المطالب اللبنانية في أي مفاوضات مع إسرائيل على عدة نقاط أساسية، منها:
كما قد يطرح لبنان ملفات أخرى مرتبطة بترسيم الحدود البرية واستكمال ما بدأ في اتفاق ترسيم الحدود البحرية.
هناك عدة أطراف دولية مرشحة لأداء دور في هذا المسار، من بينها:
كما تشير تقارير إلى تكليف الإدارة الأميركية مبعوثين لتنسيق الاتصالات المرتبطة بالملف اللبناني.
يبدو موقف حزب الله متحفظا أو رافضا لفكرة التفاوض المباشر قبل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
فقد أكد الأمين العام للحزب نعيم قاسم أن الأولوية بالنسبة للحزب هي مواجهة إسرائيل ميدانيا، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإخراج القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
كما دعا الحزب الحكومة اللبنانية إلى عدم تقديم ما وصفه بـ"التنازلات المجانية"، في إشارة إلى رفض الدخول في مفاوضات قبل تحقيق شروط معينة على الأرض.
المشهد السياسي اللبناني يبدو منقسما حول فكرة التفاوض المباشر. ففي حين تميل رئاسة الجمهورية والحكومة إلى فتح المسار التفاوضي، يبدي رئيس مجلس النواب نبيه بري تحفظات على آلية تشكيل الوفد.
وبحسب المعطيات المتداولة، يرفض بري أن يضم الوفد أي ممثل عن الطائفة الشيعية أو عن الثنائي السياسي ( حركة أمل وحزب الله)، ويرى أن الأولوية يجب أن تكون لوقف إطلاق النار قبل أي مفاوضات.
نجاح هذا المسار يعتمد على عدة عوامل أساسية، أبرزها:
وفي ظل استمرار المواجهات، يرى مراقبون أن الكلمة قد تبقى للميدان في المرحلة الحالية، وأن أي مسار تفاوضي فعلي قد يتأخر إلى حين تغير موازين القوى أو ظهور ضغوط دولية أكبر لوقف الحرب.
يرى بعض المراقبين أن أي مفاوضات محتملة بين لبنان وإسرائيل قد لا تقتصر على وقف إطلاق النار أو الترتيبات الأمنية على الحدود، بل قد تفتح الباب أيضا أمام تسويات أوسع، شبيهة بالاتفاق الذي تم التوصل إليه عام 2022 بشأن ترسيم الحدود البحرية بوساطة أمريكية.
ففي ذلك الاتفاق نجح لبنان وإسرائيل في التوصل إلى تفاهم غير مباشر حول الحدود البحرية وحقوق استخراج الغاز، رغم غياب العلاقات الدبلوماسية بينهما. ويعتقد البعض أن النموذج نفسه قد يُستخدم مجددا، عبر مفاوضات غير مباشرة أو مباشرة بوساطة دولية، لمعالجة ملفات أخرى مثل الحدود البرية أو الترتيبات الأمنية جنوب نهر الليطاني.
لكن في المقابل، يرى آخرون أن الظروف الحالية أكثر تعقيدا بكثير، نظرا إلى الحرب الدائرة والتصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله، إضافة إلى الانقسام السياسي داخل لبنان حول مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل.
المصدر:
الجزيرة