في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
البقاع– على رصيف أحد الشوارع في مدينة زحلة شرقي لبنان، تجلس أم علي متكئة على الجدار، وكأنها تسند ظهرها بذكريات بيت تركته خلفها في بلدة دورس قرب بعلبك. لا تزال تفاصيل رحلة النزوح حاضرة في صوتها وهي تروي للجزيرة نت ما عاشته مع عائلتها: "بقينا يومين كاملين على الطريق، نفترش الأرض ونلتحف السماء، حتى وصلنا إلى هنا".
لكنّ الوصول إلى مركز الإيواء لم ينهِ معاناتها، بل فتح بابا لمرحلة جديدة من الانتظار والقلق. تقول إن العائلات النازحة جلست ساعات طويلة أمام بوابة المدرسة قبل أن يُسمح لهم بالدخول: "انتظرنا كثيرا إلى أن حضرت المديرة وفتحت لنا الأبواب".
داخل المدرسة التي تحولت إلى مركز إيواء، وجدت أم علي واقعا مختلفا عما كانت تتوقع، فالاكتظاظ كبير، والمياه تتسرب أحيانا من شبكات الصرف الصحي، والمساعدات الغذائية محدودة. تقول بحسرة "يعطوننا قطعة صغيرة من الطعام لعائلة كاملة… كيف يمكن أن تكفينا؟".
وبصوت يختصر معاناة كثير من العائلات النازحة، توجه أم علي نداءها للسلطات اللبنانية "أناشد الدولة أن تنظر إلينا.. كيف ننزح إلى الطرقات ومعنا أطفال؟ يجب أن تتحمل الدولة مسؤوليتها وتساعدنا".
ويأتي هذا النزوح بعد تصاعد القصف الإسرائيلي على مناطق في جنوب لبنان، والبقاع (شرقا)، والضاحية الجنوبية لبيروت ويشمل بلدات جنوب الليطاني، صور، بنت جبيل، ومحيط الخيام، مع إنذارات إسرائيلية بإخلاء أكثر من 50 قرية ومناطق عازلة محتملة، مما تسبب في حركة نزوح واسعة نحو مناطق أكثر أمنا.
من بلدة شمسطار في البقاع، اضطر علي العزاير إلى مغادرة منزله مع عائلته بعد اشتداد القصف في المنطقة. يروي للجزيرة نت أن القرار لم يكن سهلا، لكنه أصبح حتميا بعدما تضرر منزله جراء الانفجارات.
ويقول "اشتد القصف على البلدة، تحطم زجاج النوافذ وتكسرت الأبواب فوق رؤوسنا، ولم يعد البقاء ممكنا".
استقرت عائلة العزاير في متوسطة المعلقة للصبيان في زحلة، وهي إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز لإيواء النازحين. لكنّ الحياة داخل المركز ليست سهلة، كما يوضح: "الوضع صعب جدا… لا توجد مياه ساخنة، والاستحمام في هذا البرد مشكلة كبيرة".
ويضيف أن العائلة فقدت معظم ما تملك بعد مغادرة المنزل على عجل، وأن المساعدات العينية التي تصل إلى المركز لا تكفي لتلبية احتياجات العائلات الكبيرة.
أما هلا العوطة القادمة من بعلبك، فقد وجدت نفسها تواجه تجربة النزوح بمفردها. ورغم ذلك، تحاول التمسك بقدر من التفاؤل.
تقول للجزيرة نت وهي تجلس في أحد صفوف المدرسة التي تحولت إلى مأوى: "لجأت إلى هنا هربا من القصف، والحمد لله على كل حال".
تنظر حولها إلى الأغطية والمواد الغذائية التي وصلت إلى النازحين وتضيف "يوجد لدينا حرامات وهناك طعام يصلنا… الحمد لله".
في مراكز الإيواء المنتشرة في البقاع، تحاول جهات رسمية وأهلية التخفيف من معاناة النازحين عبر تقديم مساعدات غذائية وطبية، إضافة إلى متابعة احتياجات العائلات.
وقد وصلت فرق من منظمة "أنقذوا الأطفال" إلى بعض المراكز لتوزيع مساعدات أساسية للأطفال والعائلات، فيما أوفدت وزارة الشؤون الاجتماعية مشرفين ميدانيين لتقييم احتياجات النازحين ومتابعة أوضاعهم.
وتتنقل المشرفة في وزارة الشؤون الاجتماعية جنات رياشة بين الصفوف التي تحولت إلى غرف إقامة، لتسجيل الحالات الأكثر حاجة والاستماع إلى شكاوى العائلات.
وتقول رياشة للجزيرة نت إن الأسبوع الأول للنزوح كان فوضويا نتيجة التدفق المفاجئ لأعداد كبيرة من العائلات، مضيفة أن الاحتياجات الحالية تتجاوز الإمكانات المتاحة، خصوصا فيما يتعلق بالتدفئة وصيانة المدارس والحمامات.
كما تشير إلى الحاجة المتزايدة للدعم النفسي والاجتماعي، خاصة للأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة الذين تأثروا بشدة بتجربة النزوح.
من جهته، يقول مسؤول الطوارئ في كشافة التربية جوزاف مقدسي للجزيرة نت إن فرق المتطوعين تنتشر في مختلف المناطق اللبنانية لدعم النازحين.
ويضيف أن العديد من الشبان المتطوعين تركوا دراستهم مؤقتا للمشاركة في جهود الإغاثة، مؤكدا أن الهدف هو الوقوف إلى جانب العائلات المتضررة في هذه الظروف الصعبة.
كما شملت المبادرات الإغاثية تقديم فحوص طبية وأدوية مجانية للنازحين، في محاولة للحد من المخاطر الصحية التي قد تنجم عن الاكتظاظ داخل مراكز الإيواء.
مع تصاعد القصف الإسرائيلي على مناطق في البقاع، اضطرت عشرات العائلات إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء مؤقتة.
وفي مدينة زحلة، استقبلت متوسطة المعلقة للصبيان وحدها أكثر من 100 عائلة نازحة، حيث تحولت الصفوف الدراسية إلى غرف مؤقتة قُسمت بأغطية وأمتعة شخصية في محاولة لخلق مساحات خاصة داخل مكان مكتظ.
ويواجه النازحون تحديات يومية تبدأ بنقص المياه ومشكلات الصرف الصحي، ولا تنتهي عند صعوبة توفير الغذاء والتدفئة، في حين يعاني الأطفال من آثار نفسية نتيجة فقدان الاستقرار واضطراب حياتهم اليومية.
وفي ظل استمرار القصف وتزايد أعداد النازحين، يحاول المتطوعون والجهات الإغاثية تنظيم عمليات الدعم رغم محدودية الإمكانات، بينما تبقى قصص النازحين مثل أم علي وعلي العزاير وهلا العوطة شاهدا حيا على معاناة آلاف الأسر التي تبحث عن الأمان وسط الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة