آخر الأخبار

الثورة الإسلامية الثانية التي تخشاها أمريكا في إيران

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تقود الحرب قطعا إلى الدمار، ولكنها تقدم أحيانا -عن غير قصد- مخرجا وأداة وجودية تنقذ الثورة من الترهل بعد أن تركن إلى السلم في ظل الدولة. هكذا يمكننا أن نرى اليوم الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية ضد إيران، التي كانت قبل أسابيع قليلة تعاني تحت وطأة التظاهرات الشعبية ضد نظام الجمهورية الإسلامية.

تمثل الحرب لحظة "المواجهة والخطر" التي تُخرج الجماعة من حالة الوجود اليومي الروتيني إلى حالة "الأصالة التاريخية" و’الكينونة الجماعية’، وتعمل كمعمل يختبر مبادئ الثورة الأولى. في سياق الحرب، تعود ثنائية "الصديق" و"العدو" إلى الواجهة لتجبر العقل الجمعي الإيراني على الاصطفاف الجذري وإعادة تعريف "الذات" بوضوح في مواجهة "الآخر".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 من يسيطر على هاتفك؟ ما تشعر به ولا تراه في الحرب بين أمريكا وإيران
* list 2 of 2 سلاح أمريكا السري الذي عطل دفاعات إيران end of list

يسعى "الجناح الجذري" أو "الأصولي" في النظام الإيراني اليوم إلى استخدام هذا الفرز الحاد في إحياء الهوية الثورية للدولة، ويعيد تعريفها بمفهوم المخالفة (نحن لسنا الغرب)، جاعلا من الهوية الإيرانية كيانا كليا يستوعب المجتمع بأسره، ويخرجه من "أنانيته"، على أمل الحيلولة دون تآكل الثورة بطول الزمن.

مصدر الصورة حقبة رئيسي مثلت ذروة مشروع توحيد السلطات تحت راية الأصولية الصارمة (الفرنسية)

تجذير الهوية الإيرانية

مع اللحظة الأولى لانطلاق الحرب، وحتى قبلها، أعلنت إسرائيل أنها تسعى إلى تغيير النظام في إيران. ورغم التصريحات الأمريكية المتضاربة حول الهدف من تلك الحرب، إلا أن تغيير النظام يبدو محبذا على كل حال بالنسبة للإدارة الأمريكية كذلك. إلا أن الحرب تدفع اليوم إلى صعود التيار الراديكالي في النظام الإيراني، ما يجعل تحقيق الحرب لهدفها السياسي بعيد المنال.

تدفع الحرب إلى تصعيد الصدام بين "التيار الأصولي" الذي يدعو للعودة إلى النقاء الثوري ويرفع شعارات العدالة الاجتماعية ويرفض تقديم تنازلات أمام الغرب، والتيار الإصلاحي الذي يدعو إلى التفاوض والتقارب مع الولايات المتحدة، ويتبنى السياسات النيوليبرالية التي سبق وأن تبناها الزعيم الإيراني الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وسعت إلى تبنيها كذلك إدارة الرئيس حسن روحاني. نتائج هذه المواجهة هي ما سيحدد فعليا مستقبل النظام، أكثر بكثير من نتائج العمليات العسكرية.

"تدفع الحرب إلى تصعيد الصدام بين التيار الأصولي الذي يدعو للعودة إلى النقاء الثوري ويرفض تقديم تنازلات أمام الغرب، والتيار الإصلاحي الذي يدعو إلى التفاوض والتقارب مع الولايات المتحدة".

مثلت حقبة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي (أغسطس/آب 2021 – مايو/ أيار 2024)، "العصر الذهبي" الأحدث للتيار "الراديكالي" الداعي للعودة إلى نقاء الثورة. فبالنسبة لمنظّري هذا التيار، كانت إدارة رئيسي تجسيدا لمحاولة استعادة روح الثورة الإسلامية بعد حقبة من هيمنة التكنوقراط والسياسات النيوليبرالية في مؤسسات الدولة والاقتصاد، ورأى هذا التيار الراديكالي في رئيسي "سيد المستضعفين" الذي جاء ليقطع الحبل السري مع الغرب، وينهي مسار التفاوض المذل، ويؤسس لاقتصاد مقاوم حقيقي.

إعلان

مثلت حقبة رئيسي كذلك ذروة مشروع توحيد السلطات تحت راية الأصولية الصارمة، حيث خُيّل للمنظرين الراديكاليين أن قاطرة الدولة قد وُضعت أخيرا على سكة التمهيد "للمجتمع الإسلامي الخالص"، بعيدا عن أوهام "التنمية الغربية" التي رسخها الإصلاحيون، لكن هذا التماسك الأيديولوجي الهش تبدد في لحظة درامية، هي لحظة سقوط مروحية إبراهيم رئيسي في مايو/أيار 2024.

كان غياب الرئيس بشكل مفاجئ بمثابة الزلزال الذي كسر قشرة النظام، ودفع به نحو انتخابات مبكرة كشفت ستار الخلافات العميقة والمؤجلة. فبينما فضل الحرس الثوري، ضمنيا وليس رسميا، المرشح محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني حاليا، اختار أصوليون آخرون أن يدعموا سعيد جليلي الذي يمثل تيار العدالة الاجتماعية واستعادة روح الثورة. هكذا، برز الصدام العلني والشرس بين براغماتية الحرس الثوري ومصالحه التي يمثلها تيار قاليباف بشبكاته المالية النافذة، وبين طهرانية "الثورة الثانية" التي مثّلها المرشح الرئاسي سعيد جليلي.

مصدر الصورة محمد باقر قاليباف المرشح للانتخابات الرئاسية عام 2024 يلقي كلمة خلال تجمع حاشد (الأناضول)

حملت انتخابات 2024 مفارقات أخرى، إذ هربت الأغلبية نحو مسار التفاوض، وضمت تلك الأغلبية خليطا غير متجانس من الإصلاحيين، وأصحاب المصالح المالية، بل وبعض التكنوقراط الذين لم يكونوا يتوقعون أن يتلقوا ضربة من أمريكا. بعض هؤلاء دفعهم الخوف من صعود سعيد جليلي الذي كان يبشر بالحرب. لكن هؤلاء الخائفين وجدوا أنفسهم مساقين إلى الحرب مرغمين في صيف 2025، وشهدت تلك الحرب مقتل قادة ممن كانوا يرون أن مسار المفاوضات أفضل من الدخول أي صراع صفري.

أثبت تيار "الثورة الثانية" الراديكالي مع ذلك أن لديه قاعدة صلبة ضمن المجتمع الإيراني، وهي القاعدة التي أعطت 13.5 مليون صوت لجليلي. لم تكن نخبة تلك الكتلة تخشى الحرب، بل تراها فرصة تاريخية ومخاضاً ضرورياً لإنقاذ مشروع الثورة الإسلامية في إيران. يتزعم هذا التيار فكرياً عضو مجلس الخبراء آية الله "محمد مهدي ميرباقري" الذي يرى أن ثورة 1979 انحرفت عن مسارها الاقتصادي بسبب نيوليبرالية رفسنجاني ومافيا الفساد، وانحرفت سياسيا بالتراخي أمام الغرب.

ورغم أن أطروحات ميرباقري تتقاطع ظاهرياً مع تيار "إسلامية المعرفة" السني في نقد الغرب، إلا أن أصولها تعود إلى "فلسفة قم" وعقيدة "التمهيد المهدوي"، أي ضرورة التمهيد لظهور المهدي بمشروع شيعي راديكالي يتبنى ما يمكن تسميته بـ"لاهوت المواجهة"، وهو ما تجلى في تبرير ميرباقري للخسائر البشرية الضخمة التي وقعت نتيجة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، باعتبارها "ثمنا مقبولا" لبلوغ مقصد القرب الإلهي.

"تتقاطع أطروحات ميرباقري ظاهريا مع أفكار تيار إسلامية المعرفة السني في نقد الغرب، إلا أن أصولها تعود إلى عقيدة التمهيد المهدوي وتتبني ما يمكن تسميته بلاهوت المواجهة".

لا يقف هذا التيار عند حدود التنظير الفلسفي، بل يمتلك تواجدا جماهيريا وحضورا ميدانيا صلبا يتمركز بصورة أساسية في قواعد "الباسيج (Basij)" (الطلابية والأكاديمية)، والصف الثاني في الحرس الثوري، وفي "الممثلية العقائدية" للحرس الثوري المسؤولة عن امتثال الحرس للتعاليم الشرعية وقرارات المرشد. وينتمي إلى هذا الاتجاه الجنرال أحمد وحيدي القائد الجديد للحرس الثوري الذي يدير حاليا الجبهة الإيرانية في الحرب، بعد مقتل محمد باكبور.

إعلان

إلى جانب ذلك، هناك حركات سياسية تتبنى نفس الخط مثل جبهة "الصمود" وحركة "طلاب من أجل العدالة" التي تضم منظّرين مثل "حسن رحيم-بور أزغدي"، ونشطاء شباباً مثل "وحيد أشتري". تتخندق هذه الجبهة الراديكالية اليوم محاولة استغلال الحرب كأداة لهندسة العقل الجمعي الإيراني، متأهبة للانقضاض على رأسمالية الدولة وما تسميه "حلقة نيويورك" من التكنوقراط الإيرانيين الذين يعد جواد ظريف أبرز رموزهم، وتدعو إلى التقارب مع الولايات المتحدة. من ناحية أخرى، يتربص هذا التيار الراديكالي بما يعتقد أنها "ممارسات فساد" في صفوف الحرس الثوري ويرى فيها حائلا عن تجديد الثورة.

مصدر الصورة سعيد جليلي أدلى بصوته في مركز اقتراع في انتخابات رئاسية مبكرة لاختيار خليفة لإبراهيم رئيسي عام 2024 (رويترز)

في البعد الفلسفي للحرب

تعد الحرب كذلك أداة قوية لـ"الهندسة الاجتماعية" وصهر الهويات المتناثرة والمصالح المتضاربة في سبيكة واحدة. لذلك يحلم ذلك الجناح الجذري في الجمهورية الإسلامية بتحويل الحرب إلى "ثورة ثانية" تتجاوز حدود التجربة الأولى، وكما استخدم بسمارك "الحديد والدم" لتوحيد شتات الدويلات الألمانية وخلق قضية ومصير مشتركين، تستثمر التيارات الأصولية في إيران الصراع العسكري لإحراق الشوائب الداخلية وبناء "جماعة سياسية متخيلة".

تخلق التضحية الطوعية في الحرب ورمزية "الشهادة" مساواة بين المواطنين قائمة ليس على الثروة أو القانون، بل على المساواة في الموت، حيث تذوب الاختلافات لصالح الانتماء الكلي. وبالاعتماد على الإرث الكربلائي الشيعي، يجري المرشد الإيراني الراحل خامنئي اليوم دور الشهيد الذي يشكل رمزا مشتركا للتيارات اليمينية الأصولية في إيران، وهو رمز جامع لمشروع الدولة، ومحاولة إعادة إنتاج مجتمع متماه مع مبادئ الدولة الثورية. غير أن الأمة في المخيال الإيراني هنا ليست هي ذاتها الأمة القومية التي قامت عليها الدولة الحديثة، بل تطرح نفسها كـ"أمة إيمانية".

"تخلق التضحية الطوعية في الحرب ورمزية الشهادة مساواة بين المواطنين قائمة ليس على الثروة أو القانون، بل على المساواة في الموت، حيث تذوب الاختلافات لصالح الانتماء الكلي".

تمثل هذه الحرب كذلك فرصة لمنظري "الثورة الروحية" الذين يدعون لاعتبار الثورة الإسلامية نموذجا لرفض الاستسلام للغرب الذي تتحكم فيه الأهواء ونموذج "عالم ماكدونالدز" الاستهلاكي الذي يفرض التجانس القسري في المجتمعات الغربية. ومن ثمّ فإن الحرب بالنسبة لهذا التيار هي انتقال من جهاد النفس أمام غواية الاستهلاك الاستعراضي إلى الجهاد الأكبر ضد الرأسمالية الأمريكية.

وكما أذهلت "الروحانية السياسية" التي تجلّت في الثورة الإيرانية الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، وذلك بقدرتها على تمكين المقهور من قول "لا" لحسابات القوة المادية، تستلهم الحرب اليوم في المخيال الشيعي الإيراني نموذج "انتصار الدم على السيف" الحسيني (نسبة إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما). فالدم المتدفق في المعارك يراد له أن يكون مفتاحاً للثورة الجديدة، وفرصة لإسقاط أوهام الركون إلى التنمية المادية، وبرمجة المجتمع الإيراني وفق مسار "العدالة الاجتماعية" القائم على التضحية، مؤسساً لولادة حياة وتاريخ جديدين من رحم المواجهة.

صنم التنمية الغربية

بناء على ذلك، فإن فهم التحولات العميقة داخل بنية النظام الإيراني اليوم، وتحديداً موقف الجناح الراديكالي من الحرب والاقتصاد، لن يتأتى بالقراءة السياسية السطحية لصراع الأجنحة داخل النظام، بل يجب النزول إلى الجذور المعرفية التي تحرك ذلك التيار.

أحد روافد هذا التيار هو أفكار وفلسفات السيد "منير الدين حسيني الهاشمي"، مؤسس أكاديمية العلوم الإسلامية في قم. لقد أدرك الهاشمي مبكراً أن الثورة الإسلامية نجحت فقط في تغيير النظام السياسي وإسقاط الشاه وتغيير الواجهة السياسية، لكن الدولة استمرت في العمل بمتن غربي (الإدارة التكنوقراطية، البنوك، ونماذج التنمية). لذلك، يحمل تلميذه وخليفته الأبرز آية الله محمد مهدي ميرباقري راية "الثورة الثانية" التي تهدف إلى إحداث قطيعة نهائية مع هذا المتن الغربي المادي، وبالنسبة له ربما تعد الحرب المفتوحة أداة حاسمة لإعادة تشكيل العقل الجمعي الإيراني.

إعلان

يؤسس ميرباقري مشروعه على تفكيك المفاهيم الغربية التي تغلغلت في عقول النخبة الإيرانية سواء الإصلاحيين أو البراغماتيين. ففي كتابه "الرؤية الحضارية"، تحت عنوان "مكانة التنمية الغربية" يرى ميرباقري أن الغرب يمارس خدعة كبرى بإعلائه لقيمة "الحرية" ظاهرياً، بينما صنمُه الحقيقي والأعلى هو التنمية الاقتصادية، ويؤكد أن المؤسسات الدولية جعلت حق التنمية مقيّداً حتى لحق الحرية، بحيث يتم تفصيل الأخلاق وهندستها بما يتناسب حصراً مع زيادة الإنتاجية وتحقيق التنمية المادية.

"إذا حولت اقتصاد المجتمع إلى اقتصاد رأسمالي، فإن ثقافة وسياسة المجتمع ستتغير تدريجياً لتلائمه".

بواسطة محمد مهدي ميرباقري

تدفع هذه الرؤية المعرفية تيار ميرباقري إلى رفض أي محاولة لأسلمة الرأسمالية رفضا قاطعا. فالثقافة والاقتصاد متلازمان في هذه الرؤية. ويصرح ميرباقري بذلك قائلا: "إذا حولت اقتصاد المجتمع إلى اقتصاد رأسمالي، فإن ثقافة وسياسة المجتمع ستتغير تدريجياً لتلائمه". لذلك، يشن ميرباقري هجوماً شرساً على شكل الإدارة الاقتصادية داخل إيران، معتبراً أن مؤسسات الدولة متورطة في استنساخ الرأسمالية. وفي تسجيل صوتي لإحدى محاضراته، ينتقد بحدة من يسميهم "الغربيون في الداخل" الذين يدفعون نحو "مجتمع السوق" مما يفرز أخلاقاً مادية بحتة.

ما هو أخطر من ذلك هو هجوم ميرباقري على كيفية إدارة الدولة لما يُسمّى "الأنفال"، أي الموارد العامة والأراضي، حيث يرى أنها تُوزع وفق "نموذج التنمية الرأسمالية". ويضرب مثالاً بوزارة الزراعة التي تقوم بتجميع أراضي الفلاحين الصغار لتسليمها لأصحاب رؤوس الأموال لإنشاء زراعة مميكنة، معتبراً ذلك استلاباً لحقوق الضعفاء وتكريساً لـ"النيوليبرالية المقنعة" من وجهة نظره.

مصدر الصورة محمد مهدي ميرباقري يرى أن الغرب يمارس خدعة كبرى بإعلائه لقيمة "الحرية" ظاهرياً، بينما صنمُه الحقيقي والأعلى هو التنمية الاقتصادية (وكالة تسنيم)

"بستاننا الطيب".. النضال من أجل العدالة

على المنوال ذاته، نسج المفكر الإيراني حيدر رحيم بور أزغدي أفكاره، بل وحياته بأسرها. يُقدم الفيلم الوثائقي "بستانينا الطيب" قراءة عميقة وشاملة في لتلك الأفكار، ليُظهره كشخصية استثنائية ونادرة جمعت بين كدح العامل البسيط وعمق المفكر الثوري. فلم يكن حيدر أزغدي مجرد منظّر يجلس في الصالونات السياسية، بل كان بستانياً ومزارعاً ومربياً للماشية منذ طفولته.

يُظهر الوثائقي كيف استطاع أزغدي بجهده الشخصي استصلاح 120 هكتارا من الأراضي، وزراعة 800 ألف شتلة وزّعها في مختلف أنحاء إيران، إلى جانب بناء مزرعة ضخمة ضمت 5000 رأس من الأغنام. لم يسعَ حيدر يوماً لتكديس الثروة أو التمتع بالرأسمالية، بل سخّر إنتاجه المادي لخدمة الثورة والفقراء، حيث تبرع بنحو 100 طن من اللحوم للمحتاجين، وقدم 3000 رأس غنم كوقف لمؤسسة العتبة الرضوية المقدسة في مشهد.

في فترة شبابه، كان أزغدي بطلاً معروفاً في رياضة "المصارعة بهلوان" وهي نوع من المصارعة الحرة صاحبة الشعبية في إيران، لكن بطولته الحقيقية برزت في نضاله السياسي، فقد تحول منزله البسيط في مدينة مشهد إلى ملاذ آمن وحاضنة فكرية مفتوحة، اجتمع فيها كبار قادة الثورة والمفكرين قبل انتصارها، أمثال المرشد علي خامنئي، والمفكر علي شريعتي، وغيرهما. ومن داخل هذا المنزل، كان حيدر يكتب ويطبع ما يُعرف بـ"رسائل الليل"، وهي المنشورات السرية التعبوية، ويوزعها لتحريض الناس ضد نظام الشاه، وذلك بدعم كامل ومشاركة من زوجته في هذا النضال المحفوف بالمخاطر.

على المستوى الفكري، تبنى حيدر أزغدي رؤية إسلامية صلبة، إذ آمن بولاء مطلق وصوفي لـ"الولي" الخميني، واصفاً إياه بـ"المطر" الذي يحيي القلوب والأراضي القاحلة ويجعلها قابلة للزراعة فكرياً وروحياً. وقد ارتكزت أيديولوجية أزغدي الأب على العداء الجذري للرأسمالية الغربية، محذراً بشدة من خطر الانبهار بالنموذج الليبرالي الديمقراطي، فـ"الاستكبار العالمي"، المتمثل في أمريكا وإسرائيل لا يسعى فقط للهيمنة العسكرية والسياسية، بل يهدف بالأساس إلى تشويه "الهوية الدينية" وتدمير الشرف العقائدي للثورة الإسلامية. لذلك كان أزغدي من الرافضين قطعياً لأي دعوات للمساومة، مؤكداً أن التراجع خطوة واحدة أمام الأعداء سيجعلهم يتمادون في مطالبهم حتى يقضوا على كامل مكتسبات الثورة.

إعلان

كما دافع حيدر بقوة عن أهمية الفقه في حماية مسار الأمة، رافضاً التخلي عن السنة والتقاليد الإسلامية لصالح مفاهيم الحداثة الغربية، فقد آمن بأن الإسلام هو دين إعمار الأرض والعدالة الاجتماعية الملموسة. وهكذا يمثل إرثه الفكري والعملي النبع الذي تتغذى عليه اليوم تيارات "العدالة" الإيرانية، كما يعد ابنه حسن أحد أبرز منظمي تيار طلاب من أجل العدالة.

يعد "حسن رحيم بور أزغدي"، الأب الروحي لتيار العدالة الطلابية وأحد أهم مهندسي إعادة تشكيل العقل الجمعي الإيراني، وتحويل صدمة الحرب وغياب القائد إلى وقود لـ"الثورة الثانية". في تفكيكه للنموذج الغربي، يرفض أزغدي تماماً الاستسلام لفكرة "حتمية التنمية الغربية"، ويدعو لإعادة توزيع الثروة. ففي محاضرته حول "العولمة وحتمية التاريخ"، يضع أزغدي خطاً فاصلاً بين "العولمة الطبيعية" كعملية تبادل إنساني، وبين "العولمة كمشروع أيديولوجي" تقوده الرأسمالية.

يرى أزغدي أن الغرب يريد فرض "نهاية التاريخ" الليبرالية على العالم، ويعتبر أن استيراد النظريات الغربية في الاقتصاد والاجتماع وحتى الفلسفة، دون نقد، هو بمثابة استلاب حضاري واختراق للعقل المسلم. كما يعتقد أن النظام الرأسمالي الغربي يسعى إلى تغريب البشرية ثقافياً، وتحويل المؤسسات الدولية إلى أذرع لفرض متن التغريب عليها داخليًا، وهنا يأتي هجومه الكاسح على "صمت المؤسسات الإيرانية" على ذلك.

ففي تقرير له عن جلسات المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران، ينتقد بمرارة كيف تُمرر اتفاقيات غربية مفروضة مثل "وثيقة 2030" الخاصة بالتعليم والأسرة، وكيف يتم تنفيذها "بمصابيح مطفأة وخارج السياق القانوني"، معتبراً أن حضارةً تعيش "الانهيار الاجتماعي" (في إشارة للغرب) لا يمكن أن تكون معلماً لنمط الحياة للمجتمع الإيراني.

يعلم أزغدي أن الشوكة الصلبة لتياره، وهي التي صوتت لسعيد جليلي، لا تتحرك تأثرا بالشعارات الثقافية فحسب، بل تحرّكها شعارات "العدالة"، لذا يصوب مدفعيته نحو تيار رفسنجاني والبراغماتيين الذين حاولوا التوفيق بين الإسلام والرأسمالية. ولشرعنة هذا الهجوم، يستحضر أزغدي فتاوى مؤسس الثورة نفسه.ففي إحدى منشوراته على قناته على تطبيق تليجرام، ينشر صورة لآية الله الخميني مرفقة باقتباس قاطع: "الإسلام ليس نصيراً للرأسمالية المنفلتة والمطلقة.. الإسلام لا يوافق على الرأسمالية الظالمة التي تحرم الجماهير المظلومة، بل يدينها بشدة في الكتاب والسنة". بهذا الاقتباس، يشير أزغدي إلى النموذج الاقتصادي الحالي الذي تديره شبكات المصالح التي يستفيد منها ليس التيار الإصلاحي فحسب، وإنما الحرس الثوري الذي يبحث عن مصادر تمويل وسط العقوبات.

لا يقف نقد أزغدي للرأسمالية عند الداخل، بل يفكك ادعاءات الغرب حول حقوق الإنسان والمساواة. ففي تعليقه على قضية عمل المرأة، يستند إلى إحصائيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي تظهر فجوة الأجور بين الرجال والنساء في الدول الغربية ليثبت للعقل الجمعي الإيراني أن "النظام الرأسمالي يتشدق بالمساواة بين الرجل والمرأة في التوظيف، لكنه عند الحساب، يدفع أجوراً أقل للنساء! من الواضح أن ادعاء المساواة ليس سوى قناع لجذب العمالة الرخيصة إلى السوق"، وفق قوله.

مصدر الصورة حسن رحيم بور أزغدي (من حساب rahimpourazghadi@ على إنستغرام)

الفرصة التاريخية لثورة العدالة

أحد وجوه هذا التيار من الشباب الناشط وحيد أشتري، وهو أحد الوجه الميدانية في تيار "العدالة الطلابية" المتمرد على رأسمالية النظام وشبكات محسوبيته، والداعي لإحداث "تغيير جلد" كامل للدولة بعد اختطاف اليمين الكلاسيكي ليافطة "الثورية" لتبرير فساده، وفق اعتقاده.

تتجلى راديكالية هذا التيار في مواقف أشتري التي تكسر أغلظ الخطوط الحمراء، وهو ما ظهر جلياً في نقاش مسجل عبر منصة كلوب هاوس، حيث سُئل: كيف تهاجم البرلمان الحالي بينما المرشد خامنئي وصفه بأنه "برلمان ثوري"؟ فأجاب بجرأة: "هذا رأيي الشخصي، وهذا رأيي الشخصي".

لم يكتفِ أشتري بذلك، بل أسهم في الكشف عن بعض "الفضائح" المرتبطة بما يعتبرها المنظومة الرأسمالية في إيران، مستشهدا بصمت الدولة على صفع نائب لشرطي مرور، وكذلك فضيحة "سیسمونی غيت" (Sismoni-gate)، حيث كشف أشتري عن تسوق عائلة باقر قاليباف لملابس فاخرة من تركيا في ظل العقوبات، وهو الصدام الذي كلّفه الاعتقال رسميا في يونيو/ حزيران 2024 بتهمة "نشر الأكاذيب" قبل الإفراج عنه في أكتوبر/تشرين الأول التالي مباشرة.

هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية للحرب في أفكار أزغدي وميرباقري وغيرهم ممن يمثلون الرغبة في استعادة مبادئ الثورة النقية بعد أن ضلّت في التطبيق العملي على مدار أربعة عقود من وجهة نظرهم. يعتمد التيار على مراكز قوة مثل بعض المؤسسات العلمية في قم وطهران، كما يتواجد أيضًا في قوات الباسيج (Basij) (الطلاب والأساتذة) والصف الثاني للحرس الثوري وحركة "طلاب من أجل العدالة".

يرى هذا التيار في هذه الحرب الشاملة مع أمريكا وإسرائيل فرصة ذهبية، فالحرب هي المطرقة التي ستكسر هذه الشبكات الفاسدة وتدمر اقتصاد الظل، لتجبر الدولة على العودة إلى اقتصاد إسلامي مقاوِم وتكافلي خالص. يرى ميرباقري ضرورة هندسة العقل الجمعي وكسر الارتباط بالمنظومة العالمية، ويدعو في إحدى محاضراته المصورة إلى وضع المجتمع أمام خيارين صفريين قائلاً: "المجتمع الذي يتمنى التنمية، ليس مجتمعاً منتظراً للمهدي"، وهو يعني هنا التنمية على النمط الغربي. ويحذر من خطط التنمية العالمية واللهاث وراء "الحلم الأمريكي" الذي يذيب الأمة، داعياً إلى "الجهاد الأكبر" لمنع الذوبان في مجتمع الكفار.

"عند هذا التيار، تعد الحرب هي المطرقة التي ستكسر الشبكات الفاسدة وتدمر اقتصاد الظل، لتجبر الدولة على العودة إلى اقتصاد إسلامي مقاوِم وتكافلي خالص".

ربما تبدو تلك الأفكار مشابهة لتلك التي تطرحها بعض الحركات الإسلامية السنية، لكن تيار أزغدي وميرباقري لا يشبه فكر تلك الحركات إلا في القشور. أما في العمق، فهو تيار شيعي راديكالي يستند إلى فقه "التمهيد للظهور". وبالنسبة لهذا التيار، فإنه حتى استشهاد القادة، ودمار البنية التحتية، ومقتل مئات الآلاف، ليس هزيمة إستراتيجية، بل هو "المخاض الضروري والابتلاء الحتمي" الذي يسبق قيام الدولة الإسلامية الخالصة.

من خلال التحالف مع الجناح الراديكالي الأمني، وتحريك الشارع الطلابي بخطاب العدالة، ونبذ الفساد الرأسمالي، يجهز حسن رحيم بور أزغدي العقل الجمعي الإيراني لقبول فكرة "إحراق المعبد" القديم (بمن فيه من ليبراليين، وإصلاحيين، ورأسماليي الحرس)، لبناء مجتمع حرب عقائدي صافٍ، لا يرى في الحرب سوى بوابة للعبور نحو التاريخ الجديد. وهكذا بالنسبة لهذا التيار، فإن "استشهاد المرشد" ربما يتحول إلى وقود لتطهير الداخل، وسيتم توظيف بيانات النعي لبث أفكار هذا التيار وسحق أي تيار يدعو للتفاوض أو التهدئة، أو يدعو لتطبيق الأنظمة الرأسمالية الغربية في البلاد.

وحيد أشتري أحد الوجه الميدانية في تيار "العدالة الطلابية" المتمرد على رأسمالية النظام وشبكات محسوبيته (من حسابة على إنستغرام)

مفارقة لاريجاني

لكن هذه "المثالية الأيديولوجية" الداعية للعودة إلى المنبع، وتركيز العداء للرأسمالية وتمثلاتها في النظام الإيراني والمجتمع، تصطدم بواقع سياسي وأمني معقد داخل النظام. لا يفكر الحرس الثوري وفق ثنائية "أصولي وإصلاحي" السطحية، بل تحركه مخاوف وجودية، على رأسها "بكستنة إيران"، أي تحولها لباكستان ثانية، بأن يدخل الحرس الثوري حرباً طاحنة تدمر بنيته العسكرية، فينقض الجيش النظامي للسيطرة على البلاد.

ومن أجل أن يحافظ الحرس على نفسه وسط العقوبات، يحتاج بشدة لشبكة محمد باقر قاليباف. فرغم اتهامات الفساد المتعددة التي حامت حوله خلال مسيرته إلا أنه يدير اقتصاد الظل الذي يبقي قدرة النظام على التنفس في ظل العقوبات. فمن المستحيل أن يضحي الحرس بهذه الشبكات من أجل راديكاليين يصرّون على الحرب المفتوحة.

في خريطة هذا الصراع الطاحن، يبرز اسم علي لاريجاني كأعقد شخصية في المشهد الإيراني الراهن. لاريجاني الذي اعتُبر استبعاده من الانتخابات الرئاسية المتعاقبة (2021 و2024) بمثابة "إعدام سياسي" لأسرته وإعلانا لأفول الأرستقراطية السياسية المحافظة، عاد من نافذة الطوارئ ليتربع على قمة المجلس الأعلى للأمن القومي ومجلس الدفاع. إن استدعاء لاريجاني لإدارة الدولة في لحظة الحرب الشاملة واغتيال رأس الهرم، يطرح مفارقة صارخة: كيف يتحول واحد من عرابي الاتفاق النووي وأحد مؤيدي التطبيع الاقتصادي مع الغرب، إلى مسؤول أشرس حرب قطيعة وانتقام تضرب القواعد الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة بلا هوادة؟

"علي لاريجاني ببساطة، هو تجسيد لعقل الدولة الإيرانية أكثر مما هو تجسيد لأيديولوجيتها".

لفهم هذا الأمر يجب تفكيك التكوين الفريد للاريجاني، فهو ليس ليبراليا متيما بالغرب كما يصوره تيار ميرباقري، بل هو مزيج معقد تشكل عبر بداياته كقائد في الحرس الثوري، وبين تكوينه الأكاديمي الصارم، حيث يحمل دكتوراه في "فلسفة كانط العقلانية". لاريجاني ببساطة، هو تجسيد لعقل الدولة، فعندما تحالف سابقاً لتمرير الاتفاق النووي، كان ذلك مدفوعا بالأساس بالحاجة التكتيكية لإنقاذ النظام من الانهيار الاقتصادي. واليوم وقد فُرضت القطيعة بانفجار الحرب واغتيال المرشد، يدرك لاريجاني أن إظهار أي تردد سيعني السقوط المباشر للدولة وانهيار "الجمهورية".

خوض لاريجاني هذه الحرب العنيفة بمنطق مختلف جذرياً عن منطق تيار العدالة. بالنسبة لميرباقري وأزغدي، هذه حرب "أبوكاليبتية" قياموية تهدف لتدمير النظام الرأسمالي العالمي والتمهيد لظهور المهدي، ولا يجب أن تتوقف. أما بالنسبة للاريجاني، فهي "حرب الضرورة" لإدارة الأزمة، وهو يضرب بقسوة لاستعادة "قوة الردع"، وحماية النظام من التدمير الكامل، ومنع تمدد الحرب إلى الداخل الإيراني.

من هنا، يُفهم النشاط المكثف للاريجاني لتثبيت جبهات الإسناد قبل الحرب عبر زياراته لبيروت وبغداد، وزيارته لروسيا التي حمل فيها رسالة من خامنئي. فهذه التحركات ليست اندفاعاً نحو الهاوية، بل هي محاولة لاستخدام أوراق القوة الإقليمية لتعزيز موقفه التفاوضي عندما يحين وقته في مرحلة ما من هذه الحرب.

إن تصدر لاريجاني ومؤسسات الدولة الرسمية لمشهد الرد العسكري يمثل ضربة استباقية لمنع أي ضربات من التيار الراديكالي ضد الرأسماليين أو تكنوقراط النظام، ناهيك عن أن التهاون قد يكون له مردود عكسي سلبي على تماسك النظام في ظل وجود تيار ميرباقري وطلاب من أجل العدالة. باختصار، يخوض لاريجاني الحرب اليوم ليمنع انهيار النظام من جهة، ويمنع الراديكاليين من استغلال الحرب للانقضاض على خصومهم من جهة أخرى.

هندسة اللايقين.. الثورة الإيرانية الثانية

إن التحولات الراديكالية هي إحدى النتائج الطبيعية للحروب، خصوصًا عندما يكون هناك تيار مترقب للفرصة للانقضاض على خصومه. وحين تواجه المجتمعات تهديداً وجودياً يولد لايقيناً مرعباً، تندفع الجموع للبحث عن ملاذ آمن، لا عبر الحلول الوسط، وإنما عبر الاندماج في "جماعة" صلبة توفر هوية جاهزة، وتعيد إنتاج العالم بثنائية الأبيض والأسود.

عبر هذه العدسة، لا تعد الحرب التي تواجهها إيران مجرد أزمة، بل تتحول إلى فرصة سيكولوجية قد يوظفها أصحاب المواقف الحدية لإعادة تشكيل العقل الجمعي. في ظل صواريخ الردع والانهيار الاقتصادي، يهرب العقل الإيراني المذعور من "المنطقة الرمادية" للإصلاحيين، ليحتمي بسردية ميرباقري الصارمة التي تكفر بالتنمية الغربية، وتحيل آلام الحرب إلى "مخاض مقدس" يسبق ظهور المهدي؛ فالحرب هنا أداة فرز مجتمعي نهائي تقضي على اللايقين.

"عبر هذه العدسة، لا تعد الحرب التي تواجهها إيران مجرد أزمة، بل تتحول إلى فرصة سيكولوجية يوظفها أصحاب المواقف الحدية لإعادة تشكيل العقل الجمعي".

ذهب أستاذ علم النفس الاجتماعي البولندي هنري تاجفيل إلى أن الجماعات المهددة تلجأ إلى التنافس الاجتماعي والتغيير الراديكالي، عوضا عن الحلول الوسط أو التسويات، وهو ما يظهر في سلوك التيار الراديكالي في إيران. فبالنسبة لهذا التيار، كانت ثورة 1979 مجرد "تغيير سياسي" فشل في تفكيك "نظام التشغيل" الرأسمالي للدولة. لذا ففي لحظة التهديد القائمة، يبدو من الضروري في نظرهم الانتقال نحو "ثورة اجتماعية وثقافية" لأسلمة المجتمع وفرض "العدالة الراديكالية".

ولتحقيق هذا التمايز، يبدو من الضروري بالنسبة لهم خلق عدو داخلي تقوم هوية الجماعة على نفيه وإقصائه. لذا فإن هذا التيار يحلم بمجرد سكون الحرب، بأن يعلّق المشانق السياسية لاجتثاث ما يسميه "حلقة نيويورك" باعتبارهم حصان طروادة الغربي، وسحق "الرأسمالية العسكرية" لتيار قاليباف داخل الحرس، إذ لا فرق في نظرهم بين نيوليبرالية الإصلاحيين واقتصاد الظل البراغماتي.

هذه الحالة ليست معزولة عن السياق العالمي، بل تتقاطع بوضوح مع ظاهرة اليمين الشعبوي الغربي. ويمكن هنا رصد مجموعة من الملامح المشتركة بين التيارين اليمينيين الأوروبي والإيراني. فكلا التيارين يقوم على الاستثمار في الخوف: الغرب يخشى العولمة والمهاجرين، وإيران تخشى الاختراق الثقافي والتنمية المستدامة. كما يقوم كلا التيارين بشيطنة عدو داخلي يجري تحميله مسؤولية الأزمة، وهو النخبة الحاكمة التقليدية في حالة الغرب، والإصلاحيين والبراغماتيين في حالة إيران. يرفض التياران كذلك المنطقة الرمادية، إذ يطالب اليمين الغربي بالنقاء القومي وطرد المهاجرين، بينما يطالب اليمين الإيراني بالنقاء العقائدي والانغلاق المعرفي.

وسواء في أوروبا أو في إيران، فإن القاعدة واحدة، فحين يتفاقم اللايقين، تتسيد تيارات اليقين المطلق. فما يمكن تسميته بتيار الثورة الثانية لا يطمح فقط لخلافة المرشد، بل من المرجح أن يستغل ضبابية الحرب لتدشين ثورته الاجتماعية الشاملة. وهو تيار مستعد لدفع المجتمع لحافة الهاوية، لأن الحرب تمثل غرفة العمليات المثالية لتغيير جلد النظام، وصهر العقل الإيراني في سبيكة واحدة مستعدة للمواجهة الحضارية النهائية."

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا