أفادت تقارير من محافظة إزمير التركية بأن مفتشين تعليميين أثاروا جدلًا واسعًا بعد توجيههم أسئلة غير معتادة لطلاب إحدى المدارس. فقد استفسر المفتشون عمّا إذا كانت حصص مادة الدين لا تزال تُدرَّس، وما إذا كانت تُستبدل بمادة أخرى، قبل أن ينتقلوا إلى سؤال بدا أكثر حساسية: هل تُوجَّه خلال الدروس أيّ إهانات للرئيس؟
ووفق ادعاءات طُرحت في البرلمان، تراوحت أعمار الطلاب بين الصف الرابع والسنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، فيما أوضح وزير التعليم التركي يوسف تكين، في مقابلة تلفزيونية تركية، أن هذا الإجراء كان عبارة عن تفتيش روتيني بناءً على شكوى بشأن المدرسة.
هذه الحادثة أعادت إشعال جدلٍ قديم. إذ تحولت السياسة التعليمية في تركيا إلى ساحةً للصراع حول العلمانية والدين وهوية الدولة. وكانت آخر نقطة توتر هي توجه جديد أصدرته وزارة التربية الوطنية في 12 فبراير/ شباط، يشجع المدارس التركية في جميع أنحاء البلاد على تنظيم أنشطةً وفعاليات ذات طابع ديني خلال شهر رمضان . ومن هذه الفعاليات على سبيل المثال "لنتحدث على الإفطار" في المدارس الإعدادية والثانوية ووجبات إفطار مشتركة مع العائلات.
منذ عام 2002، أعاد حزب العدالة والتنمية تشكيل التعليم بما يتماشى مع ما يصفه بـ"الهوية الوطنية والقيم الروحية"، بينما يرى منتقدون أن ذلك عزّز الدور الديني في المدارس. وشهد ما يُعرف بإصلاح "4+4+4" عام 2012 توسّع مدارس الأئمة والخطباء وعودة انتشارها من 1099 إلى أكثر من 3300 مدرسة بحلول 2025، إلى جانب زيادة المقررات الدينية وإزالة نظرية التطوّر من المناهج عام 2017.
وفي 2024، رسّخ نموذج "معارف القرن التركي" هذا التوجّه عبر إطار يقوم على "الفضيلة والقيمة والعمل"، وسط انقسام بين مؤيديه ورافضيه . إذ يصفه المؤيدون بأنه إصلاح شامل يتماشى مع الأولويات الوطنية. بينما يراه المنتقدون جزءًا من جهد أوسع لدمج محتوى ديني في التعليم العام وتشكيل المجتمع وفقًا لقيم محددة.
وقد زاد التوجيه الجديد من حدة الجدل، إذ يوصي بأنشطة مدرسية تحمل طابعًا رمضانيًا في المرحلة الابتدائية، إلى جانب فعالية "لنتحدث على الإفطار" في المدارس الإعدادية والثانوية، فضلاً عن تنظيم وجبات إفطار مشتركة مع العائلات .
كما يشير دليلٌ نُشر للعلن إلى توصية بزيارة الأطفال بين 4 و6 سنوات للمساجد برفقة المعلمين، وهو بند أثار مخاوف تربوية حول ملاءمته العمرية. وفيما تؤكد وزارة التعليم أن هذه الأنشطة اختيارية وتندرج ضمن "التنمية الأخلاقية والثقافية" للطلاب، يشكك منتقدون في مدى إمكانية ضمان الطوعية الحقيقية داخل المدارس .
وقال كاظم أوزباي، رئيس اتحاد نقابة "إيجيتيم إيس"، إن هذا التوجيه ينتهك المبادئ الدستورية، وأعلن عن نيته الطعن فيه أمام المحكمة. واستشهد بالمادة 24 من الدستور، التي تضمن حرية الدين والضمير، والمادة 42، التي تلزم التعليم باتباع المبادئ العلمية المعاصرة. وحذر أوزباي من أن تقديم الممارسة الدينية للأغلبية على أنها "قيمة موحدة" قد يؤدي إلى تهميش الآخرين .
وأعربت جمعيات أولياء الأمور أيضاً عن قلقها. فقد وصفت جمعية أولياء أمور الطلاب (فيلي-دير) التوجيه بأنه "محاولة لتحويل المدارس الحكومية إلى ساحة لممارسة دين معين". وقال فرع جناق قلعة التابع لجمعية جميع أولياء أمور الطلاب من أجل التضامن (أو في-دير) إن هذه الخطوة تنتهك المبادئ الدستورية للعلمانية والمساواة .
يشجع التوجيه الجديد على تنظيم فعاليات ذات طابع رمضاني وزيارات للمساجد في المدارس التركيةصورة من: AGF-Lanzelotto/Bildagentur-online/picture allianceكما طرح حزب الشعب الجمهوري، أكبر حزب معارض في تركيا ، القضية أمام البرلمان، بحجة أن التوجيه يتعارض مع واجب الدولة في الحياد.
وكذلك أعرب النواب عن قلقهم إزاء الأنشطة ذات الطابع الديني التي تستهدف أطفال ما قبل المدرسة. ودعا النائب جلال فرات، من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، إلى التراجع عن ذلك التوجيه، مستشهداً بمخاوف لدى المواطنين العلويين.
ووقع 168 كاتباً وأكاديمياً وصحفياً على بيان مشترك بعنوان "معاً ندافع عن العلمانية".
ومن جانبه، رفض وزير التربية والتعليم يوسف تكين هذه الانتقادات . وفي حديثه على قناة "أ هابر" الموالية للحكومة التركية، نفى مزاعم أن هذه الأنشطة تشكل فرضاً دينياً، وقال إن الانتقادات المسيئة ستُرفع إلى المحكمة.
ويصف المؤيدون التوجيه بأنه نقل ثقافي وليس فرضاً دينياً. بينما يرى المعارضون أنه يطمس الخط الفاصل بين الدولة والدين في التعليم العام.
على الرغم من أن غالبية سكان تركيا من المسلمين السنّة، تضمّ البلاد العلويين وأقليات دينية أخرى وغير مؤمنين، وهو ما يدفع منتقدين إلى التحذير من أن ترسيخ ممارسة دينية واحدة داخل المدارس قد يخلق ضغوطًا غير مباشرة، خصوصًا في البيئات المغلقة مثل المدارس الداخلية خلال شهر رمضان .
ولا يقتصر الجدل على الداخل التركي؛ فشبكة المدارس التابعة لمؤسسة معارف في أكثر من خمسين دولة تُعدّ امتدادًا للسياسة التعليمية في أنقرة. ورغم عدم وجود مؤشرات على تطبيق توجيهات رمضان خارج تركيا، يراقب خبراء التعليم ما إذا كانت التحولات المتسارعة في الداخل ستنعكس مستقبلًا على توجهات هذه المؤسسات الدولية .
نُشرت هذه المقالة في الأصل باللغة التركية
المصدر:
DW