آخر الأخبار

هل أصلح وزير الخارجية الأمريكي "الشرخ الكبير"؟

شارك

مؤتمر الأمن الذي ينعقد بميونخ موعد دولي ينتظره خبراء الدراسات الإستراتيجية ليطلعوا على بورصة العلاقات الدولية، والتوجهات الجيوسياسية في العالم، أو خطاب خارج المألوف.

في دورة سنة 2007، أعلن بوتين، في نبرة مفاجئة، عن شجبه الأحادية القطبية في خطاب يحمل نُذر الحرب الباردة، وفي السنة الماضية، قرّع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، أوروبا، بسبب ما اعتبره خيانتها قيم الغرب، ومنها حرية التعبير.

وتعزز التوجه الأمريكي الذي ينأى عن أوروبا، مع تقريع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الرئيس الأوكراني فولوديمير زلينسكي بالبيت الأبيض. ومن حينها والعلاقات الأوروبية الأمريكية تعيش نشوزا وأسئلة حول مآل العلاقات بين العالَمين.

ولم تشذّ نبرة الجفاء في منتدى دافوس، في الشهر المنصرم، سواء في خطاب ترمب، أو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، مما يشي بضعف الثقة بين العالَمين. لذلك كان المتابعون هذه الدورة من مؤتمر ميونخ، يتوقعون خطابا يرسّخ الشرخ بين الحليفين.

بدأ مؤتمر ميونخ مع خطاب ماكرون بالدعوة لأوروبا قوية، أي ضمنيا عدم الارتكان للمظلة الأمريكية. وذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس المذهب نفسه، بالقول إن العلاقات الأمريكية الأوروبية تشهد شرخا متزايدا.

لكن المفاجأة كانت خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي ألقاه في يوم عيد الحب، والذي يقطع تماما مع الاتجاه العام حول الشرخ في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، ويعيد إلى الأذهان الترابط بينهما.

كان خطاب روبيو أشبه بمرافعة فلسفية منه لعرض حول محاور السياسة الخارجية، ركز فيه على الجذور الحضارية المشتركة ما بين أوروبا والولايات المتحدة.

لم يتضمن الخطاب إحالات للحرب أو الأمن، أو تحديد عدو أو خصم، أو تحيين خطاب الحرب الباردة. كان خطابا أكاديميا يحيل إلى القيم المشتركة ما بين أوروبا والولايات المتحدة، ومنها الحرية وسيادة القانون، وفورة العلم، ودور الجامعات، وهي مبادئ بزغت في أوروبا، كما لمّح للنتاج الحضاري والثقافي لأوروبا الذي يتشكل منه جوهر ونَسْغ الغرب، وعرّج على التجربة التي خاضها الرواد من الأوروبيين في أمريكا، من إنجليز وأيرلنديين وألمان وإسبان وفرنسيين.

إعلان

ليس هناك قطيعة ما بين الولايات المتحدة وأوروبا، فأمريكا في نهاية المطاف هي وليدة أوروبا. عيبهما أنهما بعد أن كسبتا الحرب الباردة ظنتا أن التاريخ انتهى، وأن التجارة يمكن أن تقرب بين الشعوب، ولكن العولمة- ولم يُسمها- لم تكن في صالح الغرب: هددت صناعته، وأفقرت شعوبه، وتهدد بهلهلة سبيكته الاجتماعية من خلال الهجرة، ولذلك فاليقظة لازمة للحفاظ على الحضارة الغربية؛ لأن القوة لا تفيد إلا لحماية شعوب ودول ومواطنين.

لم يتضمن الخطاب أي إحالة لصراع حضارات، وإن كان يحيل ضمنيا إليه. لم يُلغ المؤسسات الأممية القائمة ولا دورها، ومنها الأمم المتحدة، ولكن وقف على عجزها في تحقيق الأمن والسلم.

لم تتسم نبرة روبيو بالحدة، كما في خطابات ترمب، ولذلك تنفس كثير من الأوروبيين الصعداء لخطاب مُطمئن، يقطع مع ما تواتر من الخطابات الأمريكية حول أوروبا العبء، التي تقتات من الولايات المتحدة، وأوروبا التي تنكر أفضالها عليها.

بيد أن كثيرا من المراقبين لم يغتروا كثيرا بالنبرة المطمئنة للخطاب؛ ذلك أن روبيو إن ذكّر بالماضي المشترك ما بين الولايات المتحدة وأوروبا، والمستقبل الواحد، فذلك ليحيل ضمنيا إلى أن أمريكا هي من سيقود المستقبل، وأن على أوروبا أن تنغمر في ركابها. قائد الركب، حتى لا يغترنَّ أحد، أو يخطئنَّ أحد، هو الولايات المتحدة. فهي حاملة راية الغرب، ودور أوروبا هو الولاء والتبعية لها، أو ما يسميه البعض بالولاء السعيد، على أنقاض العولمة السعيدة.

لذلك بقي كثير من المحللين في أوروبا، وفرنسا خاصة على حذرهم من الخطاب المطمئن الذي يدخل في توزيع المهام ما بين الخارجية الأمريكية، ووزارة الدفاع، أو وزارة الحرب كما أضحت تسمى.

كلمة البنتاغون تعلو على كلمة "فوكي باتوم" (مقر وزارة الخارجية الأمريكية)، ومرجعية السياسة الخارجية هي تلك التي نشرها البنتاغون قبل نهاية السنة المنصرمة حول الأمن القومي، ولا تجعل أوروبا ضمن أولوياتها.

يحمل خطاب روبيو ملامح أمريكا بيضاء ومسيحية، تَدين بوجودها لأوروبا، ولا شيء غير أوروبا. ولا يرى في الهجرة إلا خطرا يتهدد صفاء المجتمعات الغربية

قد لا يبلغ الأمر حد الطلاق بين أوروبا والولايات المتحدة، ولكن الانفصال قائم، رغم الماضي المشترك. تأذّى رأس مال الثقة بين العالمين لكي يرممه خطاب، ورسالة تهدئة. لكن الخطورة الكبرى، هو أن خطاب روبيو ينقل التناقض بداخل أوروبا. يضحي روبيو من هنا عراب الخطابات التي تتمحور حول الهوية في أوروبا، أو للدقة، يحضن الاتجاهات اليمينية المتطرفة، وفي هذا لا يختلف روبيو عن فانس إلا في النبرة والأسلوب.

استدعى خطاب روبيو قراءة أخرى، وهي أنه يتموقع بداخل المشهد الأمريكي، في حلبة الرئاسيات الأمريكية، وأنه مرشح محتمل، أو بتعبير أكثر وضوحا، يتهيئ لما بعد ترمب.

لكن هل يمكن لخطاب روبيو أن يكون أرضية متفقا بشأنها داخل الولايات المتحدة؟

يحمل خطاب روبيو ملامح أمريكا بيضاء ومسيحية، تَدين بوجودها لأوروبا، ولا شيء غير أوروبا. لا يرى في الهجرة إلا خطرا يتهدد صفاء المجتمعات الغربية. يخلو خطاب روبيو من أي إشارة لمن هم أصولهم أفريقية، وجزء مهم من نسيج الولايات المتحدة، عقب نشأتها، يعود إليهم، كما لم يشر للوافدين من أمريكا اللاتينية، وهو يتحدر منهم.

إعلان

القدح المذيب غائب في خطاب روبيو، وهو غياب سيكون له تأثيره إن خامرت الرغبة روبيو في أن يخوض غمار الرئاسيات، لأن أكثر من نصف الولايات المتحدة منذ إحصاء 2012 لم يعودوا من البيض، ومن شأن نظرته المختزلة للرهان المشترك للإنسان الأبيض في أوروبا وأمريكا، أن يبعث هواجس الإنسان غير الأبيض في الولايات المتحدة، ويثير ما يسمى فيها بالرد الثقافي.

هل يسعفه تجاهل أمريكا غير البيضاء في قطف التذكرة للبيت الأبيض؟

صفوة القول، لا يمكن لخطاب روبيو أن يحمل تغييرا جوهريا في السياسة الخارجية الأمريكية رغم الطمأنات التي حملها. إنه يذكّر بالخطب البلاغية التي تروق للآذان حينما يحتدم الصراع ولا تغيّر شيئا، كما خطاب أوباما في القاهرة 4 يونيو/حزيران 2009، حين صدع بأن الإسلام جزء من تاريخ أمريكا، في غمرة صراع الحضارات. ومن السابق لأوانه إعادة تقييم السياسة الخارجية الأمريكية بناء على خطاب روبيو.

الحقيقة التي تفرض نفسها بجلاء، أن الغرب لم يعد يشكل وحدة، وأن أوروبا تعيش أزمة وجودية، وأن الوحدة السياسية والعسكرية المنشودة، يمكن أن تتمخض على مزيد من التباعد بين أقطاب أوروبا: بين فرنسا وألمانيا، من جهة وبريطانيا من جهة أخرى، بين هذه الدول مجتمعة وإيطاليا، وبولندا اللتين تجريان في ركاب الولايات المتحدة، وبين إسبانيا وبعض الدول الإسكندنافية التي تنظر إلى الولايات المتحدة، مثلما تنظر الولايات المتحدة إليها بتوجس شديد.. لا يمكن لهذه الدول مجتمعة أن تتكلم بلسان واحد حول إقليم غرينلاند، وأوكرانيا، ومستقبل الناتو، ناهيك عن الدفاع المشترك.

ينبغي انتظار خطاب حالة الوحدة الذي سيلقيه الرئيس الأمريكي، في بحر هذا الشهر، والقرارات التي من شأنه أن يتخذها بخصوص إيران، لمعرفة وجهة السياسة الخارجية الأمريكية، أما خطاب روبيو في مؤتمر ميونخ، فيقدم تصورا للسياسة الخارجية الأمريكية، مع وقف التنفيذ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا