على امتداد سنوات من الجفاف، انحسرت المياه عن السهول المنبسطة في شمال المغرب، تاركة خلفها أرضا خصبة بدت مستقرة وصالحة للحياة.
توسّع النشاط الزراعي، وامتدت مساكن ريفية على مقربة من مجاري الأنهار، وتكرسَ شعور بأن النهر بات أكثر انضباطا، وأن مواسم الغمر أصبحت من الماضي.
لكنّ الأنهار لا تنسى مساراتها القديمة، فعندما تغيّر نمط الهطول هذا الشتاء، وعادت الأمطار بغزارة غير معهودة، ارتفع منسوب المياه سريعا، لتستعيد الأنهار مساحات كانت قد انحسرت عنها لسنوات.
في تلك اللحظة، بدا المشهد كما لو أن الجغرافيا قررت استعادة ما كان لها، لا بوصفه حدثا طارئا، بل كدورة طبيعية تأجلت.
لم تكشف صور الأقمار الصناعية الأخيرة في شمال المغرب حجم الدمار فحسب، بل أظهرت أمرا أعمق، وهو عودة الأنهار إلى مساراتها الطبيعية في السهول المنبسطة.
فالمقارنة البصرية بين صور أقمار صناعية التُقطت في 12 يناير/كانون الثاني 2026 وأخرى في 16 فبراير/شباط 2026 توضّح تمددا ملحوظا لرقعة المياه في ما لا يقل عن 13 مدينة وقرية، إلى جانب ارتفاع منسوب 11 سدا، بعد موجة أمطار وُصِفت بأنها من بين الأعلى خلال العقود الأخيرة.
تقدم الجزيرة نت في التقرير التالي قراءة في التغيرات الجغرافية التي طالت سهول الشمال المغربي، حيث استعادت الأنهار ذاكرتها مما يُنذر بتكرار الظاهرة مستقبلا.
ويستند التقرير إلى تحليل أعدته وحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة، اعتمد على صور فضائية حديثة وفرتها شركة (بلانت لابس).
وأظهر التحليل تحولات جغرافية واضحة على امتداد أحواض أنهار رئيسية في الشمال والشمال الغربي، أبرزها نهر سبو ونهر اللوكوس.
وفي مناطق بعينها بدت المياه وكأنها استعادت مسارات تاريخية كانت تغمر موسميا قبل عقود، لكنها اليوم تحتضن تجمعات سكنية ونشاطا زراعيا مكثفا.
وفي مدن مثل القصر الكبير تبدو أجزاء واسعة من النسيج العمراني محاطة بالمياه من جهات عدة، في مشهد يقترب من الإغراق شبه الكلي.
وتكشف صور أخرى تغيُّرات واضحة في مناطق القنيطرة وسيدي سليمان وسيدي قاسم وسوق الأربعاء، حيث تحوّلت مساحات زراعية واسعة إلى مسطحات مائية مؤقتة، بينما بدت طرق ريفية مقطوعة نتيجة انقطاع الاتصال البري بين القرى.
ويظهر التحليل البصري أن المياه لم تصل إلى مناطق مرتفعة، بل انتشرت أفقيا في سهول منخفضة بطبيعتها، ما يعزز فرضية أن الفيضان لم يكن خروجا استثنائيا عن الجغرافيا، بل عودة مكثفة إلى المسار الطبيعي.
في علم الهيدرولوجيا يطلق مصطلح مسار الغمر على المساحة التي يتوسّع إليها النهر عند ارتفاع منسوبه خلال مواسم الأمطار.
وغالبا ما تكون هذه المساحة سهولا فيضية خصبة تشكّلت عبر قرون من الترسيب، مما يجعلها جاذبة للزراعة والاستقرار البشري.
وتُوضح الصور الفضائية أن كثيرا من المناطق المتضررة يقع داخل هذه السهول الفيضية الممتدة بمحاذاة نهر سبو ونهر اللوكوس.
ففي حالات متعددة تظهر المياه وقد غمرت مساحات متصلة دون عوائق طبيعية واضحة، في مؤشر إلى انبساط تضاريسي يسهل تمدد الفيضان أفقيا.
ويختلف هذا الاتساع الأفقي عن الفيضانات الجبلية المفاجئة التي تتدفق فيها السيول بسرعة في مجاري ضيقة.
أما هنا فالمشهد أقرب إلى ارتفاع تدريجي لمنسوب المياه داخل حوض منخفض، ما يؤدي إلى تشكّل مسطحات مائية واسعة قد تستمر أياما أو أسابيع.
تلعب السدود دورا محوريا في تنظيم الجريان المائي، غير أن الصور أظهرت وصول بعض المنشآت إلى طاقتها القصوى.
فقد بلغ منسوب المياه في سد الوحدة مستويات مرتفعة، بينما وصلت نسبة الملء في سد واد المخازن إلى 100%، مما استدعى تصريف الفائض باتجاه مجرى نهر اللوكوس.
وتظهر الصور الملتقطة في محيط السدود اتساعا ملحوظا للمسطحات المائية خلف الجدران الخرسانية، إلى جانب زيادة واضحة في عرض المجرى.
وعندما يتزامن التصريف القسري مع استمرار الهطول وارتفاع مستوى البحر عند المصبات، تتباطأ قدرة الأنهار على تفريغ المياه، فتتراكم داخل السهول المنخفضة.
ومن منظور بصري تبدو السدود وقد امتصت جزءا من الصدمة المائية، لكنها عند بلوغ حد الامتلاء الكامل تفرض وتيرة تصريف لا يمكن تجاوزها دون مخاطر إنشائية.
تشير المعطيات الرسمية إلى أن نحو 110 آلاف هكتار تضررت جراء الفيضانات، وهو رقم تؤكده المشاهد الفضائية التي تظهر مساحات زراعية واسعة وقد تحوّلت إلى مسطحات مائية، خاصة في المناطق المجاورة للأنهار.
وتتميز السهول الفيضية بخصوبة تربتها، مما يُفسر تمركُز النشاط الزراعي فيها بكثافة، غير أن هذه الميزة نفسها تجعلها عُرضة لدورات الغمر الطبيعية.
وتكشف الصور أن المياه انتشرت داخل الحقول على امتداد مسافات طويلة في نمط متصل يعكس طبيعة الانحدار الضعيف للتضاريس.
وفي بعض المشاهد تبدو منازل ريفية كجزر صغيرة وسط المياه، ما يدل على أن الاستقرار البشري توسّع تدريجيا داخل نطاق الغمر الطبيعي.
أظهرت البيانات الرسمية أن معدلات الهطول هذا الشتاء تجاوزت المتوسط المسجل منذ التسعينيات بنحو 35%، وأن نسبة ملء السدود ارتفعت إلى نحو 70% مقارنة بـ27% العام الماضي، وتعكس هذه القفزة تحولا حادا من سنوات جفاف متتالية إلى موسم مطري استثنائي.
ومن منظور فضائي لا يبدو أن المياه اخترقت حواجز طبيعية جديدة، بل أعادت رسم حدودها داخل الحوض نفسه. وهذا يعني أن تكرار الظروف المناخية والهيدرولوجية ذاتها قد يُعيد غمر المناطق نفسها.
فالصور لا تصدر أحكاما، لكنها تكشف أن جزءا كبيرا من التوسّع العمراني والزراعي يقع ضمن نطاق منخفض تاريخيا، وأن قدرة الأنهار على الاتساع أفقيا لا تزال كامنة في الجغرافيا.
تطرح المشاهد الفضائية سؤالا يتجاوز الحدث الآني.. هل ما حدث استثناء نادر أم عودة إلى نمط طبيعي تضاعف أثره بفعل التمدد داخل السهول الفيضية؟
فالأنهار لا تعترف بالحدود العمرانية، وعندما يرتفع منسوبها تستعيد مساراتها التاريخية دون تمييز بين حقل ومنزل وطريق.
وتكشف صور الأقمار الصناعية أن الجغرافيا في شمال المغرب لا تزال تحتفظ بذاكرة مائية واسعة، وأن أي تكرار لموجة مطرية مماثلة متزامنة مع امتلاء السدود واضطراب المصبات قد يُعيد المشهد ذاته.
وبين امتلاء السدود بعد سنوات الجفاف وتحدي إدارة الفائض المائي تبقى السهول المنبسطة على ضفاف نهر سبو ونهر اللوكوس في قلب معادلة دقيقة بين الاستفادة من الأرض الخصبة واحترام مسار الغمر، الذي قد يعود في أي موسم ممطر استثنائي.
فالصور في نهاية المطاف لا تسجّل فقط ما غمرته المياه، بل ترسم حدود السؤال الأكبر.. كيف يمكن تقليل قابلية التكرار في جغرافيا تعرف طريق الفيضان جيدا؟
ومنذ 28 يناير/كانون الثاني الماضي، تشهد عدة أقاليم مغربية فيضانات، خاصة في القصر الكبير، جراء ارتفاع مستوى وادي اللوكوس، إثر امتلاء سد واد المخازن، ليصل إلى 156% من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه، وفق معطيات رسمية.
وكانت الحكومة المغربية قد أعلنت تصنيف 4 أقاليم هي الأكثر تضررا من الفيضانات، وتشمل العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، "مناطق منكوبة".
المصدر:
الجزيرة