آخر الأخبار

دولنا التي تتهاوى تنتظر الكتلة التاريخية

شارك

بعد الانهيارات الكبيرة التي أصابت بعضا من أجزاء الدولة الوطنية العربية ضمن تداعيات أحداث الربيع العربي، والرياح التي ضربت المنطقة كلها، وأدت إلى تفكيك البنى الاجتماعية والسياسية التقليدية للاجتماع السياسي القائم في هذه الدول، منذرة بتمدد هذه الأزمة المعقدة إلى بقية الدول العربية الأخرى، ومهددة إياها بالتشظي والانقسام والتفكك والعودة بها إلى مربع ما قبل الدولة الوطنية الحديثة بحدودها ومبناها ومعناها التي اعتدنا عليها عقودا طويلة، وكان ظهورها في جزء منه ثمار نضالات كبيرة لنخبة من المناضلين الكبار، الذين جسدوا تجربة ما يُعرف بالكتلة التاريخية.

فالكتلة التاريخية التي بكر المفكر الإيطالي اليساري أنطونيو غرامشي تنظيراته ونضالاته حولها، هي التي كان يقصد بها النخبة الحية، أو الطليعية من المثقفين الذين يضطلعون بدور نضالي كبير في توجيه الجماهير نحو الأهداف الوطنية الكبرى كالعدل والحرية والكرامة، وحتى ترسيخ فكرة الدولة نفسها، وضرب احتكار البرجوازية الإقطاعية الحكم، ومصادرة أحلام الناس وتطلعاتهم.

ولهذا كان غرامشي يقول إن من له القدرة على تحقيق هذه الكتلة، هو المثقف، والذي سماه بالمثقف العضوي. والمثقفون في رأيه هم الذين يمثلون حلقة الوصل والرابط بين البنية الاجتماعية والبنية الفوقية الحاكمة.

وفي اعتقادي، إن مثل هذا التوصيف للكتلة التاريخية ربما قد يكون مناسبا لسياق تاريخي وثقافي وسياسي غير السياق العربي الذي نعيشه اليوم.

فالسياق الإيطالي الذي عاشه غرامشي حينها، وهو سياق نضال وكفاح البروليتاريا في سبيل تحرير المجال السياسي العام من هيمنة الإقطاع البرجوازي في إيطاليا، وهو سياق لا يشبه سياقنا الثقافي وواقعنا وقضايانا العربية اليوم.

ولهذا جاءت أطروحة محمد عابد الجابري في ثمانينيات القرن الماضي، تعبيرا عن سياق عربي مختلف بكل تعقيداته السياسية والاجتماعية والثقافية، مؤكدا على أن أمتنا كعرب تواجه جملة تحديات تحتاج إلى جبهة وجهد كبيرين، لإنجاز مواجهة هذه التحديات التي في مقدمتها الهيمنة الاستعمارية الثقافية والسياسية والاقتصادية، وأن هذه المعركة لا تقتصر على جماعة أو تيار أو حزب أو فريق بعينه، وإنما تتطلب جهودا مشتركة من الجميع، بحيث تُغلب المصلحة العامة على المصالح الفئوية لأي جماعة في سبيل إنجاز مهمة تاريخية، وهي تحرير الأمة كلها من تحدياتها، وفي مقدمتها التحدي الوجودي المتمثل بالهيمنة الاستعمارية بعد رحيل المستعمر.

إعلان

إن مفهوم الكتلة التاريخية رغم أنه غرامشيّ الأصل والمنشأ، لكنه سيظل فكرة قابلة للنقاش والحذف والتعديل حسب السياقات التي تتطلب منها إعادة النقاش حول المفهوم، وأن كل فكرة محكومة بسياقاتها؛ فالفارق الكبير بين سياقي غرامشي والجابري هو الدافع اليساري الشيوعي للتنظير الغرامشي للكتلة التاريخية، على عكس الدافع القومي للجابري في تنظيره، فهي متطلب قومي وجودي لمغادرة حالة الاستلاب العربي والتبعية والهيمنة الغربية على كل المجالات.

واليوم، وفي ظل أزماتنا الراهنة والحاكمة للواقع العربي المعاش، فإن مفهوم الكتلة التاريخية بحاجة إلى إعادة النظر والنقاش حوله من زوايا مختلفة، وهي زوايا متعلقة بالوضع العربي العام اليوم، وما آلت إليه المجتمعات العربية والأحداث الأخيرة خلال العشرية الماضية، وتداعيات الربيع العربي من تفكك وانهيارات كبيرة لمفهوم الدولة الوطنية، وتحديات سيلان التفكك وانهيار السياسة كقاعدة حاكمة للصراعات وناظمة لها.

إننا اليوم في العالم العربي، في ضوء كل هذه التحديات المتفاقمة، والتي من أبرزها وأخطرها بروز جماعات ومليشيات ما قبل الدولة، وحالة التفكك للدولة الوطنية العربية، التي ضربت عددا من الدول العربية كاليمن، والسودان، وليبيا، والصومال، وفوق هذا بروز الدور الإسرائيلي بكل بجاحة في دعم هذه الحالة من التفكك وعودة المجتمعات العربية إلى حالة ما قبل الدولة، كما استباح خصوصية الاجتماع السياسي العربي وفضاءات أمنه القومي، وفي القلب منه ما جرى ويجري في غزة منذ طوفان الأقصى وحتى اللحظة.

لكل هذا، فإننا اليوم كنخب ومجتمعات وأنظمة بحاجة ماسة وضرورية، بل ووجودية، إلى التداعي الحر والطوعي والعاجل إلى إعادة بلورة جديدة لفكرة الكتلة التاريخية، ومن زوايا أوسع هذه المرة من تلك التي كان يدعو لها الجابري وقبله غرامشي.

فواقعنا العربي اليوم يستدعي إعادة رسم خارطة مواجهة على أوسع مدى لا تقف عند فكرة النخب المثقفة التي تبدأ الفكرة وتنتهي لديها في صالونات النقاشات الثقافية قبل خروجها إلى واقع الناس واحتياجاتهم.

كان الجابري يركز كثيرا في حديثه على الكتلة التاريخية، مؤكدا أن دورها أن تكون من أجل النضال الديمقراطي الحر وتبيئة هذه الفكرة في واقعنا العربي، ولكن اليوم أعتقد أن أولويات المرحلة لم تعد تقف عند الفكرة الديمقراطية ومتطلباتها، وإنما تمتد إلى ما هو أهم وأولى في هذه اللحظة العربية المستباحة.

فالتهديد الوجودي للدولة القُطرية الوطنية اليوم بات أكثر خطورة وتحديا لمجتمعاتنا، مما يستدعي أن يتركز جهد الاستنقاذ في مساحة أوسع وأكبر هذه المرة، بحيث تتكامل الفكرة وتتسع وتشمل أنظمة ونخبا وتيارات وجماعات وأفرادا ليلتقي الجميع عند فكرة الدفاع عن الوجود العربي، واستنهاض هذه الأمة في مواجهة تحدياتها.

إننا اليوم كنخب ومجتمعات وأنظمة بحاجة ماسة وضرورية، بل ووجودية، إلى التداعي الحر والطوعي والعاجل إلى إعادة بلورة جديدة لفكرة الكتلة التاريخية، ومن زوايا أوسع هذه المرة من تلك التي كان يدعو لها الجابري وقبله غرامشي

إن فكرة الكتلة التاريخية، قطعا لا تعني بحال من الأحوال ذوبان الجميع في قالب واحد متشابه في خصائصه وأهدافه وأساليبه وطرقه في التفكير والتنظير، وإنما أن يجتمع الجميع في جبهة واحدة، بحيث يحتفظ كل بأدواته وأساليبه وقناعته التي لا تتعارض حتما مع فكرة الاستنهاض لهذه الأمة والدفاع عنها في وجه التحديات الكبيرة التي تهددها في وجودها وسيادتها وحقها في حياة حرة كريمة.

إعلان

إن تجربة الكتل التاريخية في الحالة العربية تحققت سابقا على مستويين: مستوى الدول والتكتلات الإقليمية كالجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكنهما ظلتا إطارين غير فاعلين كونهما محكومين بتناقضات الدول المنضوية فيهما، وتعارض مصالح البعض منها، مما أفقدهما الفاعلية والتأثير لحد كبير.

أما الكتلة التاريخية النخبوية الأخرى فقد تمثلت بالمؤتمر القومي الإسلامي ككتلة نخبوية صرفة، لكنه فشل فشلا ذريعا؛ لأنه ظل حالة نخبوية عاجية مستقطبة مما أضعفه وأفرغه من دوره التاريخي.

إن الكتلة التاريخية من منظور جديد لا تعني أن يتنازل الجميع عن شخصيته الاعتبارية كتيار أو كيان أو جماعة أو دولة أو نظام حكم قائم، ملكي أو جمهوري أو أميري أو ما شابه، وإنما تعني أن يصطف الجميع في إطار مشروع نهضوي جامع يستنهض مقدرات هذه الأمة الكبيرة في تاريخها ووجودها الماضي والحاضر، وأن ماضيها وحاضرها هو المنطلق لمستقبل أفضل مما هي فيه اليوم، وأن صناعة المستقبل لهذه الأمة يتطلب بناء جسور المشتركات وبناء الثقة.

لهذا كله، فإن الطريق إلى الكتلة التاريخية يقتضي تقديم الكثير من التنازلات، وخاصة من قبل الجماعات والتيارات التي لا تمس ثوابتها، ويقتضي أيضا من الدول الوازنة والكبيرة أن تقود قاطرة الجميع نحو هذا المشروع النهضوي للأمة كلها، وأن ما تمثله اليوم المملكة العربية السعودية، ومصر، والجزائر، وقطر، وسوريا الناهضة، من أدوار يستوجب أن تتسع الدائرة لتشمل دولا وازنة كتركيا وباكستان بفضل ما تمتلكه هاتان الدولتان من مقدرات ومكانة دولية كبيرة.

إن حديث الكتلة التاريخية لم يعد حديثا تنظيريا مجردا ورطانات ثقافوية فارغة المعنى، وإنما هو حديث الضرورة والواقع الذي تحتمه هذه اللحظة العربية، وأن النخب العربية كلها بمختلف مشاربها عليها أن تغادر أبراجها العاجية وتنزل إلى واقع الأمة والناس ومشكلاتهم الراهنة، وتعيد النظر في كثير من مقولاتها ومسلماتها المتكلسة، وأن التحدي الوجودي اليوم يقتضي بناء جسور التواصل والاتصال مع كل الأنظمة العربية القائمة، وفي مقدمتها الدول التي تمثل اليوم حجر عثرة في طريق مشاريع التفكيك والتقسيم للجغرافيا العربية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا