في قطاع صغير من الأرض يحاصره الاحتلال، يكتسب معبر الدخول والخروج أهمية قصوى، بل يمكنك القول إنه أشبه بشريان حياة.
هذا هو الحال بالنسبة لـ معبر رفح، الذي يقع على الحدود بين قطاع غزة الفلسطيني ومصر، وبات في الأعوام الأخيرة المعبر الوحيد لدخول القطاع والمنفذ الوحيد للخروج منه.
لا تتجاوز مساحة قطاع غزة 360 كيلومترا مربعا، تمثل نحو 1.33% من مساحة فلسطين التاريخية، التي باتت تجثم عليها منذ نكبة 1948 "دولة إسرائيل"، وتحاول محوها من التاريخ والجغرافيا ما استطاعت.
وبهذا الاحتلال باتت إسرائيل تطوق قطاع غزة من جميع الجهات برا وبحرا، باستثناء الجنوب الغربي، حيث الحدود مع مصر ومدينة تحمل الاسم نفسه: " رفح".
لعلك سمعت عبر السنوات الماضية عن معابر أخرى لقطاع غزة، لكنها ليست كمعبر رفح، وإليك بعض التفاصيل السريعة بشأنها:
لكن دعونا نعود إلى معبر رفح وأحواله منذ نحو عامين ونصف وبالتحديد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023.
فبعد طوفان الأقصى الذي شهده ذلك اليوم واعتبرته المقاومة الفلسطينية صرخة في وجه الاحتلال والحصار ومحاولات تصفية قضية فلسطين والسيطرة على الأرض وتهويدها، بدأت حرب إبادة إسرائيلية استمرت أكثر من عامين بلا هوادة.
تواصل ذلك تحت سمع العالم وبصره، حتى أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن وقف إطلاق النار، ليبدأ سكان قطاع غزة في التقاط بعض الأنفاس في ظل غارات هدأت لكنها لم تتوقف، واحتلال ما زال يسيطر على الأرض إلا قليلا.
ما تكشف من حصيلة حرب الإبادة يتحدث عن أكثر من 76 ألف شهيد ومفقود، ونحو 170 ألف مصاب، بينهم 6 آلاف حالة بين بتر وشلل.
ينتظر المصابون فرصة للخروج لتلقي العلاج، حيث طال مستشفيات القطاع القليلة أصلا من الأذى ما طال غيرها من منشآت مدنية، كما ينتظر غزاويون يقيمون بالخارج فرصة العودة للقاء الأهل ومعانقة تراب الأرض حتى لو كان مخضبا بالدماء.
ولهذا وغيره، كانت الأنظار معلّقة بمعبر رفح، الذي تم إغلاقه بالقصف الإسرائيلي في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم بالاحتلال الفعلي في 7 مايو/أيار عام 2024.
كان من المفترض أن تُعيد إسرائيل فتح المعبر في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ سريانه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لكنها تنصلت من ذلك، كما تفعل في الكثير من القضايا.
وبعد بدء المرحلة الثانية لاتفاق لا يعرف أحد تفاصيل أو حدود زمنية واضحة لمراحله بعد، جاء اليوم الموعود، واستعاد المعبر نشاطه ابتداء من الثاني من فبراير/شباط الجاري، لكن بشكل تجريبي ومحدود أو قل إنه مقيّد.
العمل يتم تحت إشراف بعثة أوروبية وإدارة فلسطينية، لكنّ الأهم أنه يخضع لقيود أمنية مشددة من جانب الاحتلال الإسرائيلي، يمكنك وصفها بأنها سيطرة فعلية.
فما حصيلة أيامه الأولى؟
دعنا نذكر في البداية أن تقديرات فلسطينية في غزة تقول إن 22 ألف جريح ومريض بحاجة إلى مغادرة القطاع لتلقي العلاج، نتيجة الوضع الكارثي للقطاع الصحي جراء تبعات حرب الإبادة الإسرائيلية.
وتفيد معطيات شبه رسمية بتسجيل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة إلى غزة، في مؤشر واضح على إصرار الفلسطينيين على رفض التهجير والتمسك بالعودة رغم الدمار الإسرائيلي.
كان متوقعا، بحسب إعلام مصري وإسرائيلي، أن يعبر إلى غزة يوميا 50 فلسطينيا وإلى مصر عدد مماثل، بين مرضى ومرافقين، لكن هذا لم يحدث حتى اليوم.
المكتب الحكومي في غزة أعلن الأربعاء الماضي أن 488 مسافرا فقط من أصل 1800 تمكّنوا من عبور معبر رفح ذهابا وإيابا، منذ إعادة فتحه وحتى الثلاثاء، أي في غضون 9 أيام، وذلك "بنسبة التزام (إسرائيلي) لا تصل حتى إلى ثلث المتفق عليه.
وذكر المكتب، في بيان، أن 275 مسافرا غادروا القطاع، بينما وصل إليه 213 آخرون، ورُفضت مغادرة 26 شخصا إلى مصر خلال الفترة ذاتها.
الأرقام إذن تتحدث عن قيود مشددة لا تسمح إلا بأعداد يمكن وصفها بأنها رمزية، فماذا عن أحوال عملية العبور؟
في 5 فبراير/شباط الجاري، قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة إن عائدين أبلغوه بأنه بعد عبورهم اقتادهم مسلحون فلسطينيون يدعمهم الجيش الإسرائيلي (مليشيا ياسر أبو شباب)، إلى حاجز عسكري إسرائيلي، حيث تعرّض بعضهم لتكبيل الأيدي وتعصيب الأعين والتفتيش والتهديد ومصادرة ممتلكات.
الأربعاء الماضي، كشفت هيئة البث العبرية الرسمية أن إسرائيل سمحت لعناصر "مليشيا أبو شباب" بالمشاركة في تفتيش الفلسطينيين الداخلين والمغادرين من معبر رفح البري بين قطاع غزة ومصر.
وذكر مكتب حقوق الإنسان أن العائدين تحدثوا عن نمط من العنف والاستجوابات المهينة وعمليات تفتيش جسدي انتهكت الخصوصية، وفي بعض الحالات حُرم محتاجون من الرعاية الطبية أو من استخدام المراحيض، ما أدى إلى حالات إذلال شديد.
أشار المكتب الأممي إلى أن عددا من العائدين ذكروا أنهم سُئِلوا عما إذا كانوا سيقبلون المال مقابل العودة إلى مصر مع أسرهم وعدم العودة إلى غزة مطلقا، وقال آخرون إنه عُرض عليهم المال ليعملوا مخبرين لصالح الجيش الإسرائيلي.
مكتب حقوق الإنسان قال إن هذه الروايات مجتمعة تشير إلى نمط من السلوك ينتهك حق الفلسطينيين في الأمن الشخصي والكرامة، وحقهم في الحماية من التعذيب وسوء المعاملة وغيرها من أشكال المعاملة القاسية، وغير الإنسانية أو المهينة.
وأضاف المكتب أن النمط المبلغ عنه تجاه العائدين (إلى غزة) يثير مخاوف جدية بشأن ممارسات قسرية تثني الفلسطينيين عن ممارسة حقهم في العودة إلى المناطق التي أجبروا على مغادرتها، بما يسهم في تعزيز التطهير العرقي في القطاع.
وطالب مدير مكتب الأمم المتحدة أجيث سونغهاي المجتمع الدولي بالتحلي بالمسؤولية لضمان امتثال جميع الإجراءات المتعلقة بغزة للقانون الدولي، والاحترام الكامل لحقوق الإنسان الخاصة بالفلسطينيين، مضيفا أنه "بعد عامين من الدمار، فإن قدرتهم على العودة إلى أسرهم، وما تبقى من منازلهم بأمان وكرامة هو الحد الأدنى".
وحسب إفادات للعائدين نقلتها وكالة الأناضول للأنباء، فإنهم يضطرون إلى عبور 5 محطات، هي: الجانب المصري، و السلطة الفلسطينية، وممثلون عن الاتحاد الأوروبي، ومليشيا تعمل برعاية ودعم إسرائيل، وجنود الجيش الإسرائيلي.
يقول الفلسطيني عادل عمران، في مقطع متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، إن مسلحين (فلسطينيين) فتحوا باب الحافلة واقتادوهم بمركبات عسكرية إلى منطقة موراج بين رفح وخان يونس، قبل إخضاعهم لإجراءات تفتيش وتسليمهم للجيش الإسرائيلي.
وذكرت أماني عمران، في المقطع نفسه، وفقا لوكالة الأناضول، أن المسلحين صادروا أمتعتهم، ثم استدعاهم جنود إسرائيليون واحدا تلو الآخر للتصوير والاستجواب بشأن أسباب مغادرتهم وعودتهم إلى قطاع غزة.
وفي شهادة أخرى، قالت مسنة فلسطينية، في مقطع مصور متداول، إنها خضعت لتحقيق استمر نحو 3 ساعات بعد عودتها من رحلة علاج طويلة في مصر، مضيفة أن الحافلة التي كانت تقلهم أحيطت بمركبات عسكرية من الأمام والخلف قبل اقتيادهم إلى منطقة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
وأفادت بأنهم سُلّموا لما يسمى "جهاز مكافحة الإرهاب" الذي يتزعمه غسان الدهيني قائد مليشيا "أبو شباب" داخل القطاع، حيث جرى التحقيق معهم وطرح أسئلة عن فلسطينيين قتلوا خلال الحرب، في محاولة لبث الخوف في نفوس العائدين.
على خلفية تلك الشهادات، طالبت مؤسستان حقوقيتان في إسرائيل، هما مركز "عدالة" ومركز "جيشاه-مسلك"، بوقف "سياسة التنكيل والقيود غير القانونية" المفروضة على فلسطينيي القطاع الراغبين في العودة إلى غزة عبر معبر رفح، واعتبرتا هذه الإجراءات "تهجيرا قسريا".
وقالت المؤسستان، في بيان مشترك، إنهما وجّها رسالة عاجلة لمسؤولين إسرائيليين للمطالبة بـ"وقف فوري لسياسة التنكيل والقيود غير القانونية المفروضة على سكان قطاع غزة الساعين للعودة إلى القطاع عبر معبر رفح على الحدود الفلسطينية-المصرية".
وأفادت شهادات عائدين، بحسب المؤسستين، وبينهم مسنون وأطفال، بتعرضهم لتحقيق عسكري إسرائيلي قاسٍ، مشددين في الوقت نفسه على تمسكهم بأرضهم ورفضهم أي محاولة لتهجيرهم.
وأضاف بيان المركزين أن إغلاق المعبر منع خروج جرحى ومرضى للعلاج وعودة آلاف الفلسطينيين الذين غادروا القطاع أو علقوا خارجه.
وذكر أن موافقة أمنية إسرائيلية مسبقة تُفرض على جميع العابرين، مع تقييدات مشددة على الدخول والخروج، والسماح بعودة أعداد محدودة ممن غادروا خلال الحرب.
وأشار البيان إلى تقارير ميدانية تفيد بعودة أعداد قليلة، معظمهم أطفال ونساء، خلافا لما قيل إنه اتفاق يسمح بدخول نحو 50 شخصا يوميا، دون توضيح الأسباب.
كما تضمنت الشهادات أن العائدين يتعرضون لتعصيب الأعين وتقييد الأيدي ومصادرة ممتلكات شخصية، بحسب البيان، وأن بعضهم نُقلوا داخل القطاع بواسطة مجموعات مسلّحة تنسق مع الجيش الإسرائيلي، وخضعوا لتحقيقات أمنية تضمنت ضغوطا وتهديدات بالاعتقال.
وأكد أن هذه الإجراءات تمثل "انتهاكا للقانون الدولي الذي يكفل حق العودة دون قيود تعسفية". واعتبر أن منع العودة وفرض شروط أمنية قد يرقيا إلى "تهجير قسري محظور بموجب اتفاقيات جنيف".
وطالب البيان بوقف الإجراءات التي تعرقل عودة الفلسطينيين ورفع الشروط الأمنية والالتزام بالقانون الدولي.
المعبر إذن عاد للعمل كما تقول الأخبار، لكن الواقع يقول إنه لا يزال يقف مثل حاجز غير مرئي يحوّل أملا طال انتظاره إلى غصة في حلوق الفلسطينيين، ويقدم شاهدا على مصادرة الاحتلال لحقوق الإنسان في التنقل والعلاج، فمتى يعود ليصبح جسر عبور حقيقيا لا أداة تقييد وتنكيل؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة