آخر الأخبار

حرب الروايات بين كييف وموسكو كما يراها المحللون

شارك

الدوحة- دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة حرجة تتشابك فيها العمليات العسكرية الميدانية مع تحركات دبلوماسية مكثفة خلف الكواليس، وبات البحث عن "مخرج مستدام" مصطدما بجدار من فقدان الثقة المتبادل وتضارب المصالح الإستراتيجية الكبرى، وازدياد الضغط على المدنيين.

ولذلك تبرز تساؤلات جوهرية حول جدوى الوساطات الدولية الحالية، ومدى قدرة القوى الأوروبية على صياغة مظلة أمنية مستقلة بعيدا عن الولايات المتحدة، لا سيما مع التحولات السياسية في الإدارة الأمريكية التي قد تعيد رسم خارطة التحالفات والالتزامات الدولية تجاه هذا الصراع المستمر.

وعلى هامش النقاشات المعمقة التي شهدتها الدوحة على هامش منتدى الجزيرة 17، الذي عُقد بين 7 و9 فبراير/شباط الجاري تحت عنوان "القضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية في سياق تشكل عالم متعدد الأقطاب"، استعرض خبراء ومحللون من أوكرانيا وروسيا مسارات الصراع وآفاق الحلول الممكنة في ظل تعقيدات المشهد الميداني والسياسي، مؤكدين أن الأزمة تجاوزت حدودها الإقليمية لتصبح اختبارا حقيقيا لاستقرار النظام الدولي برمته.

ولقد أظهرت آراء المحللين في مقابلات مع الجزيرة أن الطريق نحو السلام لا يزال محفوفا بالمخاطر، وأن المحادثات الحالية لا تزال في طور "جس النبض" والتعامل مع القضايا التقنية والإنسانية، كما أنها تمثل بداية لمخاض عسير قد يؤدي إلى إعادة صياغة التوازنات الأمنية في القارة الأوروبية، وتمتد تبعاتها إلى جغرافيا النفوذ العالمي.

طريق المفاوضات الطويل وغياب الثقة

وتتباين الرؤى حول إمكانية تحقيق تقدم دبلوماسي حقيقي، حيث يغلب الطابع التكتيكي على التحركات الحالية، مع التركيز على الملفات الإنسانية كمدخل محتمل لبناء الثقة، رغم استمرار الخلافات الجوهرية حول شروط وقف إطلاق النار والضمانات الأمنية المطلوبة لدى كل طرف.

فمن الجانب الأوكراني، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة كييف الوطنية أوليكسي هاران أن المحادثات قد تؤدي إلى حل بعض القضايا التقنية والإنسانية، مثل تبادل الأسرى، لكنه لا يعتقد أنها ستؤدي إلى وقف إطلاق نار حقيقي أو الوصول إلى سلام نهائي.

إعلان

ويضيف هاران -في تصريحاته للجزيرة- أن روسيا لا تزال تستخدم الأسرى كأداة للمساومة، محاولة إظهار حسن النية بينما تستمر في قصف أوكرانيا، وهو ما يعتبره تناقضا يكشف عن عدم جدية موسكو، مؤكدا أن أوكرانيا وافقت فورا على وقف إطلاق النار، بينما تواصل روسيا قصف البنية التحتية المدنية والطاقة.

وتتفق مع هذه الرؤية المحللة السياسية الأوكرانية ماريا زولكينا، إذ ترى أن المحادثات معقدة للغاية، مشيرة إلى أن روسيا بدأت بمقترح من 28 نقطة رفضته أوكرانيا وشركاؤها الأوروبيون، ثم تم تطوير مقترح بديل من 20 نقطة تم الاتفاق عليه الآن بين أوكرانيا وشركائها الغربيين، ويركز بشكل أساسي على الضمانات الأمنية لأوكرانيا لضمان عدم تعرضها لعدوان مستقبلي.

وفي المقابل، تؤكد الباحثة والمحللة الروسية إلينا سوبونينا أن المحادثات مستمرة بوساطة أمريكية ودولية تشمل تركيا وقطر والسعودية والإمارات. معبرة عن تفاؤلها باستمرار هذه المحادثات، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن المسار التفاوضي سيستغرق وقتا طويلا بسبب عمق الخلافات.

وتضيف المحللة الروسية -في مقابلة مع الجزيرة- أن هناك نجاحا في الجانب الإنساني، مثل تبادل الأسرى والرفات، لكنها تشدد على أن روسيا لا تسعى إلى تجميد الأزمة، بل إلى إيجاد حل مستقر وثابت يضمن أمنها، بما في ذلك حياد أوكرانيا وعدم توسع حلف الناتو.

الضغط العسكري لإيجاد تنازلات

ويمثل استهداف البنية التحتية للطاقة تحولا إستراتيجيا في الصراع، حيث يتم توظيف المعاناة الإنسانية كأداة للضغط السياسي، مما يحول الشتاء إلى سلاح في حرب الإرادات التي تهدف إلى كسر الصمود الشعبي أو انتزاع تنازلات سياسية كبرى.

ويوضح هاران أن الضربات الروسية المتجددة على منشآت الطاقة تهدف إلى زيادة الضغط والحصول على تنازلات إستراتيجية من أوكرانيا والولايات المتحدة، مؤكدا أن هذه الضربات تستهدف المدنيين بشكل أساسي.

ويستشهد الأكاديمي الأوكراني بتجربته الشخصية في كييف حيث يعيشون من دون كهرباء وتدفئة ومياه لساعات طويلة في درجات حرارة تصل إلى 15 درجة تحت الصفر. ومع ذلك، يشير إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن هذا الضغط لا ينجح، وأن المواطنين الأوكرانيين مستعدون لمواصلة القتال من أجل استقلالهم.

وفي الطرف الآخر، تؤكد المحللة الروسية أن موسكو لن تتخلى عن الأراضي التي تعتبرها تاريخيا روسية، مثل شبه جزيرة القرم ودونباس ولوغانسك. مبينة أن هذا الموقف يعكس إصرار روسيا على أن أي حل يجب أن يعترف بالواقع الميداني الجديد، وهو ما يفسر استمرار الضغط العسكري والسياسي لتحقيق هذه الأهداف الإستراتيجية التي تراها موسكو ضرورية لأمنها القومي.

أوروبا والصحوة المتأخرة

يواجه الدعم الدولي لأوكرانيا اختبارا مصيريا مع تغير الإدارات في واشنطن وتزايد الضغوط الاقتصادية في أوروبا، مما يدفع القوى الأوروبية للبحث عن صيغ دفاعية أكثر استقلالية لمواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة.

ويعتقد هاران أن أوروبا تدرك الآن أهمية أوكرانيا لأمنها، وتحاول زيادة الدعم العسكري والمالي، مشيرا إلى تقديم 90 مليار دولار مؤخرا.

أما بخصوص الدور الأمريكي، فيعرب أستاذ العلوم السياسية في جامعة كييف عن قلقه من أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد تتبنى بعض السرديات الروسية وتمارس ضغطا على أوكرانيا للانسحاب من مناطق إستراتيجية من دون ضمانات أمنية كافية، مما قد يخلق اختلالا خطيرا في التوازن.

إعلان

وتضيف إلى ما سبق المحللة السياسية الأوكرانية أن أوروبا بدأت تستيقظ وتدرك أنها لا تستطيع الاعتماد كليا على الولايات المتحدة كقائد دفاعي.

وتتوقع ماريا زولكينا -في تصريحاتها للجزيرة- أن الأوروبيين سيزيدون ميزانيات الدفاع ويدمجون أوكرانيا ضمن برامجهم الصناعية الدفاعية. مشيرة إلى تشكل تحالفات دفاعية جديدة في أوروبا، مثل " تحالف الراغبين" بقيادة المملكة المتحدة وفرنسا، مؤكدة أن الجيش الأوكراني -بخبرته القتالية الواسعة- سيكون المكون الرئيسي لأي نظام أمني أوروبي مستقبلي.

لكن إلينا سوبونينا تنتقد السياسة الأمريكية، مشيرة إلى فقدان الثقة في وعودها، وتتساءل "عن التوجهات الحقيقية لترمب، معتبرة أنه يفتقر للبعد الإستراتيجي ولا يفكر في استقرار العالم". ومشيرة إلى أن الإدارة الأمريكية تمارس الضغط على الطرف الأضعف (أوكرانيا وأوروبا) بدلا من استخدام أوراق الضغط ضد روسيا، محذرة من أن هذا النهج أحادي الجانب لن يؤدي إلى سلام حقيقي بل قد يفاقم الصراع.

سردية روسية ومستقبل العلاقات الدولية

تتمسك روسيا برؤيتها لضرورة إعادة صياغة النظام الأمني الأوروبي بما يضمن مصالحها، معتبرة أن الأزمة الحالية هي نتيجة تجاهل الغرب مخاوفها، بينما ترى في علاقاتها مع القوى الإقليمية الأخرى مخرجا لتجاوز العزلة الدولية.

وعلى هذا الأساس، تؤكد المحللة الروسية أن موسكو تريد ضمانات أمنية تشمل حياد أوكرانيا ومنع توسع الناتو، مشددة على أن المصالحة مع أوروبا لا مفر منها في نهاية المطاف لأنهم جيران.

وتلفت الانتباه إلى العلاقات الممتازة بين روسيا ودول الشرق الأوسط، خاصة دول الخليج، مشيدة بدور قطر في الوساطة الإنسانية. مشيرة إلى أن روسيا تلعب دورا دبلوماسيا مهما في ملفات إقليمية أخرى مثل الملف الإيراني، ومؤكدة أن التعاون الروسي مع دول المنطقة والصين يمكن أن يكون مفتاحا للاستقرار.

وفي المقابل، يحذر هاران من أن التهديد الروسي لأوروبا لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يشمل أساليب هجينة وانتهاكات للمجال الجوي لدول الناتو، مثل الدانمارك وبولندا ورومانيا، عبر طائرات مسيرة.

ويعتبر الأكاديمي الروسي أن هذه الاستفزازات تهدف إلى زعزعة استقرار أنظمة الدفاع الجوي الأوروبية واختبار مدى جاهزية الغرب للرد.

وتظل الأزمة الروسية الأوكرانية صراعا يتجاوز الجغرافيا، ليمثل صراعا بين رؤى متصادمة حول مستقبل الأمن العالمي وسيادة الدول، وبينما تتشبث أوكرانيا بحقها في الدفاع عن أرضها وبناء تحالفات أمنية تضمن بقاءها، تصر روسيا على فرض واقع جيوسياسي جديد يراعي مصالحها الإستراتيجية. إن تعقيد الملفات الإنسانية والسياسية، وتداخل الأدوار الدولية، يجعل من الوصول إلى تسوية شاملة أمراً يتطلب أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار؛ إنه يتطلب إعادة بناء الثقة المفقودة وصياغة عقد أمني جديد يحترم تطلعات الشعوب ويضمن استقرار القارة الأوروبية والعالم.

وتكشف هذه التصريحات المتباينة عن أزمة روسية أوكرانية تتجاوز ساحات المعارك لتصبح صراعا على الروايات والضمانات والتحالفات الدولية، فبينما تصر أوكرانيا على أن روسيا هي المعتدي الذي يجب إيقافه، تؤكد موسكو أنها تدافع عن مصالحها الإستراتيجية وتطالب بضمانات متساوية.

وفي ظل غياب الثقة بين الطرفين، وتباين المواقف الأميركية والأوروبية، يبدو أن الطريق نحو سلام دائم لا يزال طويلا ومحفوفا بالمخاطر، في ظل مفاوضات لم تحقق سوى نجاحات محدودة في الملف الإنساني، وتظل القضايا الجوهرية معلقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا