في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تحت رياح القطب الشمالي التي ترفرف معها أعلام غرينلاند، تعيش أكبر جزيرة في العالم واقعا سياسيا متوترا، بعدما أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن رغبته في شراء الجزيرة إحياء مخاوف قديمة لدى سكانها، وطرحت تساؤلات وجودية حول الهوية والمستقبل.
وتجد غرينلاند نفسها على صفيح سياسي ساخن، فالجزيرة التي كانت منسية لقرون في أطراف الخارطة، باتت اليوم في صلب إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، بما يهدد السيادة الدانماركية عليها.
وبينما لم تتغير حكاية غرينلاند منذ عقود، فإن العاصفة السياسية التي أثارها الرئيس الأمريكي بدت في أعين كثير من سكانها تهديدا مباشرا لكيانهم، في وقت يذيب فيه الاحتباس الحراري مليارات الأطنان من جليد الجزيرة سنويا، واضعا إياها على صفيح سياسي ساخن.
الإنويت، وهم السكان الأصليون لغرينلاند، تتفق أحزابهم السياسية على السعي نحو الاستقلال عن الدانمارك، غير أن هذا القيد بات مقبولا نسبيا عند مقارنته بما يصفه كثيرون بالرغبة الأمريكية الجامحة في ضم الجزيرة.
وتعكس إحدى المواطنات الغرينلانديات هذا القلق بقولها "ليس سهلا بالنسبة لنا أن نقف وحيدين، فنحن بلد وشعب صغير، لذلك من المهم جدا أن نقف جنبا إلى جنب مع مملكة الدانمارك. لم تكن الأسابيع الماضية سهلة، خاصة عند التفكير في مستقبل أطفالنا. نأمل أن يكون مستقبلهم في غرينلاند التي نعرفها اليوم، هذا ما اخترناه لأنفسنا وما نتمناه لأطفالنا".
وفي مشهد لافت، برز الدانماركي جيه كيلتزن، الذي عاش في غرينلاند أكثر من 50 عاما، كأحد الأصوات الرافضة لمساعي ترمب. وتظاهر كيلدسن بمفرده لأيام أمام القنصلية الأمريكية احتجاجا على فكرة شراء الجزيرة.
ويقول كيلتزن معبرا عن رفضه القاطع "هل يريد أن يحكم العالم؟ هل يريد أن يكون إلها؟ سنقاوم ونرد، لن نؤخذ بالقوة بأي شكل من الأشكال. ولكن لحسن الحظ، هذا التهديد بدأ يتلاشى".
ورغم الرفض الواسع، لا يخلو المشهد من أصوات غرينلاندية تؤيد الطرح الأمريكي. أبرزهم عامل البناء يورغن بواسن، الذي دفع ثمنا اجتماعيا باهظا لموقفه، إذ أصبح منبوذا إلى درجة اضطر معها إلى مغادرة غرينلاند والانتقال إلى كوبنهاغن.
ويرى بواسن أن الدانمارك أهملت الجزيرة لعقود، قائلا "نريد أن نكون تحت حماية الولايات المتحدة، فهي أكبر قوة في العالم والوحيدة القادرة على الدفاع عنا، لأننا جزء من قارة أمريكا الشمالية. إنها فرصة جديدة للجيل الشاب الذي لم يعد يريد التحدث والكتابة باللغة الدانماركية، بل يفضل الإنجليزية. كما أن كثيرا من الشباب لا يرغبون في الذهاب للدراسة في الدانمارك لأنهم يشعرون بالتهميش والإقصاء".
وتستغرق الرحلة بالطائرة بين العاصمة الدانماركية كوبنهاغن وغرينلاند نحو 5 ساعات، وهي مسافة أطول من معظم الرحلات بين عواصم دول الاتحاد الأوروبي. وتقع غرينلاند جغرافيا ضمن أمريكا الشمالية لا أوروبا، ما يجعلها ضمن نطاق نفوذ لا يرغب ترمب في تقاسم هيمنته مع أي طرف آخر.
ويفرض الواقع الجيوسياسي نفسه بقوة، إذ وُضعت غرينلاند في صميم إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي. فمدينة نيويورك أقرب إلى الجزيرة من كوبنهاغن، ما يجعلها موقعا مثاليا لنظام القبة الذهبية الدفاعي الذي طرحت الإدارة الأمريكية فكرته.
كما يمر فوق الجزيرة أقصر مسار محتمل لوصول الصواريخ الباليستية من الشرق نحو الأراضي الأمريكية، في وقت يؤدي فيه ذوبان الجليد إلى فتح ممرات ملاحية جديدة تمنح من يسيطر عليها مفاتيح الحركة التجارية العالمية.
وتجدر الإشارة إلى أن القوى العظمى رسمت سياساتها في القرن التاسع عشر حول الفحم، ثم حول النفط في القرن العشرين، بينما باتت المعادن الإستراتيجية محور الصراع في القرن الحالي.
وتزخر غرينلاند باحتياطات غنية من اليورانيوم، والحديد، والزنك، والغرافيت، إضافة إلى عناصر أرضية نادرة تدخل في تصنيع أنظمة الصواريخ، والطائرات المقاتلة، والهواتف الذكية، والسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وأشباه الموصلات.
هذه الموارد تجعل غرينلاند جزءا من "لعبة زماننا" القائمة على ثورات علمية كبرى، مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والحوسبة الكمومية، وهو ما يفسر منطق ترمب في السعي للسيطرة على الجزيرة، من خلال ضمان أمن الطاقة، وتأمين سلاسل التوريد، وحرمان المنافسين إستراتيجيا.
المصدر:
الجزيرة