كلما اتجهت النخب التونسية والطبقة السياسية إلى سيناريو معين للتغيير، يتضح لاحقا، وفي بضعة أسابيع، تهافته وعدم دقته، وهو ما تترجمه بعض التحاليل السياسية، وتصريحات بعض الشخصيات التونسية، وحتى العربية المقيمة في الخارج.
فهناك حالة من اليأس تدب بشأن مآلات الوضع التونسي، فيما يرى آخرون أن الأمور تسير نحو "تغيير دراماتيكي"، تشير إليه بعض الأنباء عن وجود خلافات، وربما صراعات داخل أروقة السلطة، مع ما يتردد بقوة على منصات التواصل الاجتماعي عن تدهور صحة الرئيس التونسي، ونشر تقارير طبية- كما يزعم أصحابها- تشير إلى ذلك، دون تأكيدات أو نفي رسمي، ما يعطي الانطباع بتغيير مرتقب في البلاد، خصوصا على رأس السلطة.
اللافت أنه مع كل تسريبات من هذا النوع، يخرج الرئيس قيس سعيد ليضاعف من منسوب خطابه الموصوف بالعنف والحدة إزاء خصومه، ويرفع من وتيرة تحديه لمعارضيه ومخالفيه، إما بتصريحات نارية، أو بأحكام قضائية عالية بكل القسوة الممكنة، ودون تردد.
فلماذا تجد المعارضة التونسية نفسها في مأزق، وهي الخبيرة بالمعارضة والسياسة و"ابنة الساحات"، كما يقال؟
هذا السؤال الذي تتهرب منه أوساط سياسية وإعلامية كثيرة في تونس، يحيلنا على سؤال مركزي: ماذا جرى في تونس خلال سنوات ما بعد "انقلاب 25 يوليو/تموز 2021؟ " وهل من الدقة أو الموضوعية القول إن الرئيس قيس سعي د لم يفعل شيئ ا في الوضع التونسي؟
في هذا المقال، سنحاول اعتماد رؤية تفكيكية للوضع التونسي، عبر المرآة العاكسة التي تقدم لنا زوايا لا تزال النخب التونسية (مع بعض الاستثناءات) تدير وجهها عنها، باعتبار ثقل ما حصل، وربما صعوبة مواجهته بالآليات القديمة للفعل السياسي، الذي لا يزال يكرر نفسه ومضمونه إلى الآن، عسى أن نفهم لماذا لم تتقدم المعارضة في معارضتها، وتفعل السلطة بالوضع التونسي ما لم يفعله الرئيسان بورقيبة وبن علي خلال أكثر من خمسين عاما من تشكيل "الدولة الوطنية"، كما يسميها البعض.
الوضع في تونس مثل تلك البناية الشاهقة التي يشير الناس إليها بالبنان، وهم غير عارفين ماذا يجري داخلها، وعندما سقطت، اكتشف الناس هول ما فيها.
هذه الاستعارة الرمزية تنطبق تماما على مجريات الأمور في تونس. فالوضع القائم أبعد من معتقلات مفتوحة، وسياسيين بالعشرات في السجون، وحقوق منتهكة، واقتصاد متدهور، وحالة انقسام مجتمعي رهيبة، رغم فداحة ذلك.
إننا إزاء عمل "عميق للغاية" حصل في المبنى التونسي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وفي المستوى الدبلوماسي. لذلك سيكون لعملية التفكيك دورها في فهم ما جرى خلال السنوات الخمس الماضية، فـ"ما لا يقال، لا يكتم، بل يكتب"، على رأي الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا.
أول "غيث" الانقلاب، إعادة تشكيل لوحة تحالفات الرئاسة باتجاه خمس حلقات، هي ذاتها التي كانت تدير البلاد قبل الثورة. لقد أعيد تركيبها، وربط خيوط التحكم فيها بالرئاسة، وهي:
لقد فهم سعيد أن للمؤسستين تقاليد الانصياع للرئاسة، مستفيدا من نص الدستور، والخلفية السياسية والمجتمعية السائدة، التي تعودت على أن ترى الرئاسة قوية، آمرة ناهية للجميع.
والقوة الصلبة هنا مهمة في السياق التنفيذي، وضمن إطار "عملية الضبط" الجديدة، التي يراد لها وضع حد للانفلات السائد على المستويين السياسي، والنقابي، والحقوقي.
كان الانقلاب يتهيأ لقطع شرايين الفعل السياسي، وهو يحتاج إلى عارفين بالساحة وأحزابها والفاعلين فيها، من رموز ومؤسسات وأدوار، وقد وجد في هذا الشق اليساري الملجأ والأداة لإنجاز ذلك.
بالإضافة إلى "حركة تونس إلى الأمام"، رغم محدودية أفقها وتأثيرها الاجتماعي، لكن علاقتها بالمؤسسة النقابية تعد مسألة مهمة على صعيد استدراج المحيط النقابي إلى المعادلة الجديدة للحكم، بالإضافة إلى طيف من الإسلاميين الخارجين عن سياقات حركة النهضة، أي "حزب التحرير" أساسا.
لقد رأى هؤلاء في الرئيس التونسي عنوان الشفافية والوطنية، وإرادة التغيير، والقضاء على ما يسميه هؤلاء بـ"حالة الفوضى" السائدة منذ 14 يناير/كانون الثاني 2011.
ستلتقي هذه المكونات المؤسساتية والسياسية جميعا على قاعدتين مركزيتين في تفكيرها، وهما:
استفاد انقلاب الرئيس قيس سعيد من دعم سياسي ودبلوماسي ومالي سخي، قدمته "أنظمة الثورة المضادة" في دول إقليمية اعتبرت الثورات تهديدا لكيانها وشعوبها، ومساسا باستقرارها، بل تهديدا لبقائها في السلطة، وكان العنوان الأبرز لهذه الأنظمة هو إبعاد الإسلاميين عن دائرة الحكم، بل إخراجهم من المشهد السياسي، وإعادتهم إلى السجون.
كما وظف الرئيس التونسي علاقات الدولة العميقة (خصوصا المؤسستين العسكرية والأمنية) بدول مهمة، على غرار الجزائر، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وفرنسا، وبريطانيا، المعروفة بعلاقاتها السياسية الوطيدة مع تونس، وتحالفاتها العسكرية والأمنية معها، على قاعدة ما يعرف بـ"الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب".
واستفادت السلطة في تونس من موجة الشعبوية اليمينية الأوروبية والغربية، الرافضة النموذج الليبرالي والسياق الديمقراطي، على اعتبار أن هذه القيم والمعايير تنتج في الغالب أنظمة إسلامية، بما يهدد استمرار الاتفاقيات القديمة التي وقعت قبل 70 عاما، خاصة تلك التي ترتبط بالثروات الطبيعية.
كما تعد هذه الأنظمة الجديدة الخارجة من أرحام الثورات تهديدا جوهريا للكيان الصهيوني، ثقافيا وسياسيا، وعلى صعيد مساندة القضية الفلسطينية، وتحديدا محور المقاومة.
الديمقراطية لا تبنى بالنوايا الطيبة، والتغيير السياسي يحتاج إلى عمل ضخم، في حجم الخراب الحاصل
ولا شك أن هذه التحالفات التي صاغها وشكلها الرئيس سعيد، ستلعب دورا أساسيا في عملية تفتيت "الانتقال الديمقراطي"، والارتداد عن مكاسب ما بعد الثورة، من خلال جملة من الأدوات، التي سيقع استخدامها لإحداث ترتيب جديد للوضع في البلاد، من خلال الإستراتيجية التالية:
ومع استخدام الرئيس قيس سعيد ما يمكن أن نسميه، استعارة من لدن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، "السلطة الرمزية"، بما تعنيه من هيمنة ثقافية وسياسية سلطوية، وفي مستوى العلاقات بين مكونات المجال السياسي والاجتماعي، تكون السلطة قد هيمنت على المفاصل الأساسية للحكم والمعارضة، من خلال أفعال التدجين، والتحجيم، والتقليل من "بؤر التوتر" من حول الرئاسة، بما حول البلاد إلى صحراء قاحلة. بل حتى الاحتجاجات باتت تنظم بترخيص مسبق من السلطة، ما أفقدها صفة الاحتجاج، وأدخلها ضمن منظومة "إدارة الأزمة" التي تديرها السلطة إلى الآن، بهيمنة واضحة.
لم تتوقف جهود تغيير مسار البلاد عند هذا الحد، بل اتجه الرئيس سعيد وفريقه إلى إعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية للدولة التونسية.
أوروبيا، لم يخفِ الرئيس التونسي اتجاهه نحو فرنسا بكل الوضوح الممكن، وقد نجحت باريس في هذا الإطار في الحفاظ على "حزب فرنسا" في تونس، الذي يتألف من جامعيين ومثقفين وإعلاميين وفنانين، وهو السياق الذي تتحرك فيه الآلة الفرنسية لضمان مصالحها في تونس.
وبذلك، ربح سعيد هذا "الكيان الفرانكفوني"، الذي لم نسمع له همسا بشأن الوضع الداخلي رغم كل ما حصل. لقد حافظ لهم سعيد على "حضنهم الدافئ"، فلم تطرأ على علاقة البلاد بباريس أي شائبة، وهذا ما يجعل فرنسا غير منخرطة في جهود التغيير في تونس، كما يزعم جزء من المعارضة، فقد وجدت "حساباتها" في تونس، إن لم نقل دعمتها وعززت مكانتها.
وزاد الرئيس سعيد في توطيد العلاقات التونسية الإيطالية، مع صعود "ميلوني" للحكم. وكانت إيطاليا دوما على علاقة جيدة بتونس، منذ تولي الراحل بيتينو كراكسي رئاسة الحكومة في روما، حيث ساهم بشكل فعال في انقلاب بن علي على بورقيبة، كما كشفته مذكرات أحد الجنرالات الإيطاليين قبل عدة سنوات.
واستمر الأمر لاحقا مع سيلفيو برلسكوني، الذي كان شديد القرب من النظام التونسي، ويكاد يكون الناطق الرسمي باسم المصالح التونسية في أوروبا، وكان ملف الهجرة هو الهاجس المخيف بالنسبة للإيطاليين منذ أكثر من عقدين من الزمن، وهو يفعل فعله اليوم في التقارب الثنائي البهيج.
ومع أن قيس سعيد لم يتجه كلية إلى أوروبا التي تربطها بتونس اتفاقية شراكة سياسية واقتصادية ضخمة منذ العام 1995، فقد حرص على تحييدها سياسيا، والاستفادة من قروضها وتمويلاتها، ضمن ما يعرف بـ"شبكة تمويلات" الاتحاد الأوروبي للمؤسسات والقطاع الخاص أساسا.
وحرص الرئيس التونسي على تنشيط شرايين العلاقة مع الولايات المتحدة، عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا، مستفيدا من سياسة "غض الطرف" الأمريكية إزاء مسألة الحقوق والحريات والديمقراطية، منذ بدء الحرب البربرية على غزة وشعبها، واتجاه الإدارة الأمريكية إلى منطق الصفقات و"بزنس الثروات"، كما يسميه المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس، على حساب الرهان على المسألة الديمقراطية.
بل إن النشاط التونسي على الجبهة الآسيوية، ممثلة في الصين، وروسيا، وإيران، لم يؤثر في طبيعة العلاقات الأمريكية التونسية، فالأمريكان يعتبرون الصين "متنفسا" لبعض الاقتصاديات المتخلفة، التي تبدو مستقرة سياسيا، وإن تمظهرت فيها بعض الإخلالات في السياسة وحقوق الإنسان. وتبدو النخب التونسية مستنفرة إزاء الموقف الأمريكي في تونس، حيث باتت شبه يائسة من دور واشنطن في مسار استعادة الانتقال الديمقراطي.
يتضح من خلال هذه القراءة التفكيكية لنظام الرئيس قيس سعيد وطريقة حكمه، أن التغيير البنيوي والهيكلي الذي أدخله الرجل على منظومة الحكم لا يتعلق ببعض الإجراءات القمعية فقط، كما يروج المعارضون، إنما نحن بصدد الحديث عن تغيير في المحركات، ولوحة القيادة، والبوصلة، والاتجاه، وهو ما أثمر:
إن "أكبر مأساة في فترة التغير الاجتماعي، ليست الضجة القاسية للناس السيئين، ولكن الصمت المروع للناس الطيبين"، كما يقول مارتن لوثر كينغ.
ونحسب أن "الشعب"، بالمفهوم السوسيولوجي للكلمة، قد انسحب من دائرة رد الفعل التي كانت المعارضة تعول عليها، بديمقراطييها وإقصائييها. لذلك تاهت الأحزاب ومكونات المعارضة، وبات همها الرئيس تنظيم مسيرة يحضرها بضعة آلاف من كل الطيف السياسي، دون القدرة على إنجاز ذلك بالقدر اللازم إلى الآن.
سيكون أمام معارضة قيس سعيد بناء إستراتيجية عمل، ليس على قاعدة أحلامها وتطلعاتها فحسب، ولكن على أساس مشروع سياسي ضخم، يعيد التأسيس للديمقراطية من جديد، ولاقتصاد قوي، ومجتمع حي، ونقابات فاعلة في البناء، وليست مهندسة في التخريب الممنهج. فالاستبداد يخشى البدائل، وتؤلمه المشاريع المنافسة، وتخيفه المعارضات الفاعلة في الشارع، التي لا تترقب منه ترخيصا بالتظاهر أو الاحتجاج.
لقد اختزلت المعارضة نفسها في الخطابات التقليدية المكررة والمستنزفة، وحصرت طموحاتها في المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وعجزت إلى الآن عن توحيد صفوفها، أو إيجاد "مشتركات" الوضع الانتقالي فيما بينها، وهي من هذه الزاوية، لا تفعل سوى إطالة عمر الانقلاب، والتمديد في أنفاسه، وجعله يتلذذ بهذه التناقضات بين المعارضين، لأنها عنوان ضعفهم، ومصدر استمراره في سياسة "الأرض المحروقة".
الديمقراطية لا تبنى بالنوايا الطيبة، والتغيير السياسي يحتاج إلى عمل ضخم، في حجم "الخراب الحاصل"، وخارج هذا السياق، سيستفيق المعارضون يوما ليجدوا البناية (التي أشرنا إليها في بداية المقال) قد انهارت تماما، وسيكتشفون حجم الأهوال التي ستخلفها، وعندئذ ستكون "الجلطة السياسية" التي لن ينفع معها أي عقار، مهما ارتفعت كلفته.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة