آخر الأخبار

ابيضّت لحيته ولم ينالوا من عزيمته.. مستوطنون يعنّفون فلسطينيا منذ 25 عاما

شارك

الخليل- من ملامحه ولحيته البيضاء، يخيّل للزائر أنه شيخ سبعيني أو على مشارف السبعين، لكنه في الواقع بالكاد دخل عقده الخامس، ليتبين أن وراء وقار الشيب سنوات من القهر والخذلان والتعنيف.

لا يتعلق الأمر بتجربة شخصية عابرة أو حدث مؤلم، إنما بأكثر من عقدين ونصف عقد من التعنيف، بدءا بمحاولة القتل مرورا بالضرب والذل والإهانة اليومية، وأحيانا عدة مرات في اليوم الواحد. أما السبب، فهم جيران القهر ممن جُبلوا على السوء والأذى ونهب الآخرين.

المختلف في قصة صمود الفلسطيني صادق يونس إدريس عن غيره هو أنه يرفض العودة للماضي، بل إنه غير حريص على الاحتفاظ بأرشيف الصور والفيديوهات لمئات الاعتداءات والهجمات التي تعرض لها هو وعائلته ومنزله من قبل المستوطنين في منطقة تدعى "خلّة النتش" في الطرف الجنوبي الشرقي من مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، أما السبب فنأتي على ذكره لاحقا.

مصدر الصورة مستوطنون خلال مهاجمتهم منزل الفلسطيني صادق إدريس (الجزيرة)

الضعف ممنوع

بدأت الحكاية قبل 25 عاما، عندما باغت مستوطن إسرائيلي المواطن إدريس بالرصاص لقتله، من أجل التخلص من "صخرة كبيرة" يمثلها شاب في مقتبل العمر يعوق مشروعا توسعيا، لكن القدر كان أن الصخرة أصلب مما يتخيل المجرمون، وكُتبت النجاة لإدريس، وإن نالت الشظايا المتطايرة من أنحاء جسده.

منذ محاولة الاغتيال الفاشلة، وفي مشهد يتكرر حتى اليوم، يندفع مستوطنون -أطفال وبالغون- من أعلى الجبل باتجاه منحدر يعلو منزل إدريس، ومن هناك يصبّون على الرجل وعياله أذاهم المادي بالحجارة والقاذورات، وأذاهم المعنوي بالشتائم والألفاظ النابية والخادشة للحياء.

يبدي إدريس من العزيمة والإصرار ما يصعب تخيّله، بل أبعد من ذلك يقول إنه شعر بـ"ارتياح نفسي كبير" بينما كان ينقل إلى المستشفى نتيجة إصابته بكسر في يده يوم 24 يناير/كانون الثاني الجاري، أما تفسير ذلك فيقول إنها قناعته المتزايدة بعدالة قضيته، وكون الاعتداء أظهر كيف يشكل وجوده كابوسا للمستوطنين.

إعلان

ويوميا، يوثق صادق وأبناؤه الاعتداءات ويرسلونها للصحفيين، والمنظمات الحقوقية، لكنه لا يحتفظ بها ولا يحرص على حفظ تواريخها لسبب غريب، يفسره بقوله: "حتى لا أعود لمشاهدتها ويدخل الشيطان إلى نفسي وأضعف، لا أرغب في العودة إلى مآسي الماضي الكثيرة، حتى لا أصاب بالإحباط، ممنوع أن نضعف".

لا يحصي إدريس عدد المرات التي تعرض فيها هو أو أبناؤه للضرب أو الإصابة بالحجارة، لكنه يجزم بأنها تقدر بالمئات، لكنها أخذت منحى أخطر في محطتين: الأولى إقامة مستوطنة "يغال" على بعد عشرات الأمتار من منزله عام 2014 لتكون حيّا من أحياء مستوطنة كريات أربع، والثانية مع بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ زادت حدة الاعتداءات وطبيعتها ووصلت حد إقامة خيمة قبالة منزله قبل أيام.

عرض سخي

لكن كيف لخمسيني فلسطيني بات أبا وجدا لعشرات الأبناء والأحفاد أن يصبر على العنف والجرائم منذ 25 عاما؟ ولماذا ظل هو بالذات هدفا لاعتداءات المستوطنين طوال تلك الفترة من بين 200 مواطن هم سكان خلة النتش؟

السر الذي يكشف عنه إدريس للجزيرة نت هو حيازته وثائق رسمية منذ أيام العهد العثماني ثم الأردني ومصادق عليها من قبل سلطات الاحتلال، تثبت ملكية والده لقطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 120 دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع)، آلت إليه بالوراثة، مبينا أن كل ما يتعرض له هدفه دفعه للرحيل والاستيلاء على قطعة الأرض الإستراتيجية لصالح مستوطنة كريات أربع ومصانع تابعة لها، لكنه يؤكد بلهجته العامية "قاعد على قلوبهم".

بالترغيب تارة، وبالترهيب تارات كثيرة، بدأت محاولات الهيمنة على قطعة الأرض في حياة الأب يونس إدريس، ثم تواصلت مع ابنه صادق الذي ظل سدا منيعا أمام تلك الأطماع، وبوسائل متعددة.

يقول إدريس إن تلك المحاولات بدأت من خلال مستوطن ورجل أعمال يدعى إيدي يملك عدة مصانع محاذية للمنزل، ثم عن طريق وسطاء وسماسرة وحتى أفراد من الشرطة وجنود في محاولة لشراء ولو ألف متر مربع من قطعة الأرض.

أما عن المقابل، فيقول "عرضوا على والدي شيكا مفتوحا يكتب فيه المبلغ المالي الذي يريده، ثم قدموا لي العرض نفسه، وزادوا بأنهم يستطيعون منحي كميات الذهب التي أريدها مع ضمان سفري إلى شيكاغو وحصولي على الجنسية الأمريكية، دون أن يدركوا أن لعاب محدثهم لا يسيل للأموال".

الضحية متهم

تظهر الفيديوهات التي ينشرها إدريس للاعتداءات مستوطنين ملثمين وآخرين دون لثام، وإلى جانبهم جنود إما يقفون متفرجين أو يتظاهرون بمنع الاحتكاك، لكنه يؤكد أن كل ذلك التوثيق لم يسفر عن استدعاء مستوطن واحد للتحقيق طوال فترة المعاناة، بل على العكس جل الاستدعاءات كانت له ولأبنائه رغم أنهم ضحايا الاعتداءات.

ويضيف أن آخر شكوى كانت منذ أيام، حين استجاب إدريس لنصائح بعض الحقوقيين وتوجه إلى مركز للشرطة الإسرائيلية في مستوطنة كريات أربع لتقديم شكوى ضد المستوطن الذي اعتدى عليه وأصابه بكسر في يده، مصطحبا الفيديوهات الثبوتية، لكنه يقول إن ما اعتبره "دليلا قويا" لم يثر اهتمام الشرطي الذي دوّن إفادته، ولم يتم استدعاء المستوطن الذي اعتدى عليه بل عاد وكرر هجماته.

إعلان

لم يترك المستوطنون للمواطن الفلسطيني أي نبتة خضراء في محيط منزله وحطموا واقتلعوا كل أشجاره، بل جلبوا أغنامهم لرعي العشب الأخضر، بينما هو حبيس بين جدران منزله الذي لا يسمح له الاحتلال بإضافة أي بناء عليه، يرقب تحركاتهم لصدها أو استدعاء الجيش والشرطة.

مصدر الصورة صادق إدريس يحيط منزله بالجدران والأسلاك الشائكة للحد من تأثير اعتداءات المستوطنين (الجزيرة)

كيف يصبّر؟ ولماذا؟

عن سر صموده في المكان ذاته الذي أقام فيه والده قبل احتلال الضفة عام 1967، وقدرته على مقارعة المستوطنين ومن ورائهم جيش الاحتلال والشرطة طوال هذه المدة، يختصر المواطن الفلسطيني الإجابة في كلمتين "أرضي عرضي".

ويضيف "لا مؤهل لدي سوى إيماني بقضيتي وحقي، لو لم نجد إلا السماء نلتحف بها، وحصيرة نجلس عليها لن نغادر هذه الأرض، كلما ازدادوا إجراما ازددنا عزيمة وإصرارا وحرصا على البقاء".

ويتابع "ولدت في هذه المنطقة، وهي عزيزة عليّ وعلى أولادي وأحفادي، أمي ربتني فيها ولا أتخلى عن ذرة تراب منها".

ووصف أرضه بأنها كانت "جنّة" ينتج منها أطنانا من العنب ويسوّقه في القدس، لكنه اليوم يلاحَق كلما أراد حراثتها أو رعايتها، مما أدى إلى تلف أغلب المزروعات.

طلب بسيط

وبسؤاله عما يحتاجه ويعزز صموده في ظل الظروف الخطرة التي يعيشها، كانت إجابة إدريس أيضا مختلفة: "من البشر لا نريد مالا أو غذاء أو لباسا أو حتى حماية، بل مساندة نفسية، فكل كلمة حلوة أو اتصال هاتفي يشد من عزيمتنا يزيدنا قوة، ونسأل الله الثبات".

يتعايش إدريس وأبناؤه مع العنف اليومي بما يشبه برنامج المناوبة، البعض يذهب إلى العمل لجلب الرزق، وآخرون يرابطون في المنزل لصد اعتداءات المستوطنين، وفي الليل يتناوبون برنامج الحراسة.

ووفق تقرير سنوي لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، نفذ المستوطنون 4723 اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم بالضفة الغربية خلال العام الماضي، تسببت في استشهاد 14 فلسطينيا، وإشعال 434 حريقا، إضافة إلى تدمير وتخريب أكثر من 35 ألف شجرة بالاشتراك مع الجيش.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا