لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بمطاردة الأحياء في قطاع غزة تحت القصف، بل امتدّ بطشه ليطال من غيبوا تحت التراب منذ زمن في حيّ التفاح شرق المدينة، حيث نبشت مقبرة البطش وانكشفت القبور على الهواء في مشهد يثقل الروح ويهز الوجدان، وكأن الموتى أنفسهم صاروا شهودا على حرب لا تعرف الرحمة.
العملية التي استمرت يومين شهدت أعمال نبش واسعة لمئات القبور وتجريفها، حيث تم استخراج جثامين فلسطينيين ونقلها للفحص في معهد الطب العدلي "أبو كبير" للتحقق من هوية الجندي الإسرائيلي ران غويلي.
وتبرز هنا مفارقة إنسانية وأخلاقية، وفق ما عبّر ناشطون، إذ استنفرت إسرائيل آلتها العسكرية لنبش المقابر بحثا عن جثة واحدة، في حين لا يزال أكثر من 10 آلاف شهيد فلسطيني تحت الأنقاض في قطاع غزة، دون أن يلتفت العالم لمصيرهم.
ولاقت صورة جوية تظهر عمليات البحث في مقبرة البطش ردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أبرز المشهد حجم الانتهاك لحرمة القبور والعبث بالجثامين دون أي اعتبار للكرامة الإنسانية، في إطار البحث عن الجندي الإسرائيلي.
وأشار مغردون إلى أن الاعتداء في غزة لم يقتصر على حياة الأحياء من قتل وتهجير وتدمير للمنازل والممتلكات، بل امتد إلى الموتى أنفسهم، مع نبش أكثر من 200 قبر لشهداء وأهالي المنطقة.
وأوضح ناشطون أن الاستهداف لم يعد محصورا بالأحياء، ولا توجد خطوط حمراء أو أي اعتبارات إنسانية أو دينية، فالأحياء لم يُستثنوا من البطش، والموتى لم تحترم قبورهم، والمشهد الواقعي يُنفذ على الأرض بلا رحمة، سواء كان الضحية حيا أو ميتا.
ووصف ناشطون ما يحدث في المقبرة من نبش أكثر من 200 جثة من أصل 450 قبرا لفحص إمكانية وجود جثة الجندي غويلي بينهم، بأنه جريمة ضد الإنسانية والأخلاق، مشيرين إلى أنه بعد الفحص تُلقى الجثث كأكياس قمامة على السياج الفاصل وتُدفن في قبور جماعية بلا كرامة.
وأضافوا أن هذا الانتهاك يعد خرقًا صارخا لكل القيم الإنسانية، إذ تلقى الجثث وتُدفن بلا أي احترام للكرامة.
وأشار آخرون إلى أن استهداف المقابر في التاريخ العسكري نادر جدا، ما يفتح تساؤلات مؤلمة حول إنسانية هذه الممارسات، مؤكدين أن المسؤولية الأخلاقية قائمة، والكرامة الإنسانية لا تسقط حتى بعد الموت.
وكتب أحد النشطاء باستهجان: "عشان جثة جندي إسرائيلي واحد أُغلق معبر رفح، ومنع الجرحى والمصابون من العلاج بالخارج، واليوم الاحتلال ينبش أكثر من 200 قبر لشهداء فلسطينيين، يدنس حرمة الموت ويعبث بقبور الشهداء فقط بحثا عن جثة أسير إسرائيلي. الميزان مختل، والظلم فاضح، لكن الحقيقة أوضح من كل رواياتهم".
وشهد أحد المواطنين عبر منصة "إكس" بما يعكس حجم المأساة: "في المقبرة التي دفنت فيها زوجتي وأولادي يجري منذ أمس البحث عن جثة الجندي الأخير، كما قتلوهم وقصفوا البيت فوقهم، واليوم يفسدون علينا المقبرة وقبورهم، وبعد هذا اليوم لا قبور لنا بعد أن عاثوا فيها فسادا".
وتساءل مدونون عن الحقد الذي يدفع الاحتلال لملاحقة الموتى في قبورهم بعدما لم يكتفِ بالقتل والحصار، مؤكدين أن الكرامة الفلسطينية يجب أن تُحترم حتى بعد الرحيل.
واختتم ناشطون بالقول إن العالم يتجاهل معاناة أكثر من مليوني فلسطيني رهائن لدى إسرائيل في ظروف قاسية، إضافة إلى نحو 9000 مختطف فلسطيني في مراكز التعذيب الإسرائيلية وآلاف الجثث الفلسطينية مجهولة المصير.
المصدر:
الجزيرة