في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ظل التهاب الأوضاع في الشرق الأوسط عموما، وفي إيران تحديدا، يطل علينا المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ( سي آي إيه) ديفيد مكلوسكي، بعمل روائي جديد يحمل عنوان "الفارسي" (The Persian).
مكلوسكي، الذي بات يلقب بـ"جون لو كاريه" الجديد (نسبة إلى مؤلف قصص الجوسسة البريطاني ـ الإيرلندي)، يثبت مرة أخرى أن الواقع الاستخباري المعاصر بات يسبق الخيال بأشواط، وأن الصراع هو القلب النابض لأدب الجاسوسية الحديث.
بحسب حواره مع صحيفة التايمز البريطانية، لم تبدأ حكاية مكلوسكي من مرسم أدبي، بل من مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في لانغلي؛ كما قضى سنوات في سوريا والشرق الأوسط قبل الربيع العربي.
لست بحاجة لابتكار الكثير من التفاصيل؛ العالم يعج بالصراعات التي تمنحنا حبكات جاهزة، وغالبا ما يسبق الواقع الخيال
غادر مكلوسكي الوكالة في عام 2014 لرعاية أطفاله، لكنه لم يغادر العقلية الاستخباراتية، ونجح في نقلها إلى طيات الكتب بمبيعات تجاوزت نصف مليون نسخة.
وقد وصف المدير السابق للوكالة ديفيد بتريوس رواية مكلوسكي الأولى "محطة دمشق" بأنها "أفضل رواية جاسوسية قرأتها على الإطلاق".
يقول مكلوسكي لصحيفة التايمز "لست بحاجة لابتكار الكثير من التفاصيل؛ العالم يعج بالصراعات التي تمنحنا حبكات جاهزة، وغالبا ما يسبق الواقع الخيال".
ويرى مكلوسكي أن نجاحه يكمن في "رفع سقف الواقعية"، بتقديم الجاسوسية كما تمارس فعليا: من فنون العمل الاستخباري (Tradecraft)، إلى البيروقراطية الإدارية، وصولا إلى التفاصيل اليومية الطريفة مثل آلة بيع "الهوت دوغ" في مقر الوكالة، أو معاناة الجواسيس في مقاعد الطائرات الرخيصة في مؤخرة الطائرة.
ترصد صحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times) البريطانية في استعراضها لرواية مكلوسكي الجديدة، أنه يستلهم مشهدا افتتاحيا من الواقع الصادم: عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده عام 2020 عبر رشاش آلي يشغل عن بعد.
يقول مكلوسكي: "مشهد يضغط فيه القناص على الزناد من داخل إسرائيل لا يمكن تجويده من حيث الحبكة".
تبني الرواية أحداثها على غرار أسطورة شهرزاد في "ألف ليلة وليلة"؛ حيث يجد بطلها "كامران أصفهاني"، وهو طبيب أسنان يهودي من أصل فارسي يعيش في ستوكهولم جنده الموساد للعمل ضمن وحدة "قيسارية" النخبوية لاغتيال أهداف رفيعة، نفسه مضطرا لقص الحكايات ليظل حيا.
وبينما تضل المهمة طريقها، يجد أصفهاني نفسه سجينا في أحد سجون طهران، أسيرا لدى جهاز الاستخبارات الإيراني.
بعد فشل مهمته واحتجازه في سجون طهران لثلاث سنوات تعرض خلالها للتعذيب، يقضي أصفهاني وقته في كتابة تفاصيل عمليته مرارا وتكرارا لآسره "الجنرال"، في محاولة مستميتة للبقاء ومقايضة الرعب بحلم الاستقرار في كاليفورنيا.
تكمن القوة البارزة في الرواية في عمق شخصياتها، لاسيما الشخصيات النسائية مثل "رؤيا"، الأرملة الإيرانية المستضعفة
يتميز مكلوسكي في "الفارسي" بقدرته على بث الحياة في المواقع، من زنزانة أصفهاني الكئيبة إلى ضواحي طهران، وصولا إلى فيلات تل أبيب.
وبخبرة المحلل، ينسج أزمة العيش في ظل حكم آيات الله كخيوط حرير في سجادة فاخرة، مع إبداء مودة لافتة للثقافة الفارسية وأدبها ومطبخها البديع.
تكمن القوة البارزة في الرواية في عمق شخصياتها، لاسيما الشخصيات النسائية مثل "رؤيا"، الأرملة الإيرانية المستضعفة التي كانت عميلة لأصفهاني دون علمها، تتأرجح بين الخوف والرجاء، وبين الغضب واليأس، بينما تنغمس أكثر في أعماق العملية. وفي خضم ذلك، تظل مستميتة في حماية ابنتها الصغيرة "عليا"، تلك الطفلة المرسومة بملامح حية تكاد تقفز من بين السطور.
كما يبرز مكلوسكي التنازلات الأخلاقية والقوة اللازمة للخداع؛ فعندما ينقذ أصفهاني "رؤيا" من اختطاف زائف، تشكره وهي تنتحب على كتفه وتتشابك أصابعهما، مما يثير دهشته ومتعته، لكنه يرى في ركن مظلم من عقله ضابط الموساد "غليتسمان" وهو يبتسم ويصفق ببطء لنجاح الخديعة.
وبطبيعة الحال، يرد الإيرانيون بضربات مسيرات داخل إسرائيل تسفر عن نتائج دامية، وهو خط درامي كان يحتمل تعمقا أكبر نظرا لما قد يسببه من زلزال سياسي.
"الفارسي" عمل يتجاوز كونه رواية تشويق ليصبح وثيقة أدبية تفهم القوى التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط
يضيف مكلوسكي في حواره مع صحيفة التايمز أنه فكّر أولا في تصوير عملية اغتيال مشتركة بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) والموساد، لكن زملاءه السابقين حذروه من أن ذلك غير واقعي؛ لأن الوكالة لا تعمل مع الموساد في عمليات الاغتيال داخل إيران.
هذا الانضباط الواقعي هو ما جعل النقاد يضعونه في مصاف الروائيين الكبار، رغم أنه يتوقع انتقادات حول تصوير الاستخبارات الإسرائيلية في ظل الصراعات الجارية، مؤكدا أن الرواية تركز على دوافع الشخصيات ومخاوفها الفردية.
رغم أن الرواية تتناول "حرب الظل"، إلا أنها تبقى مرآة لواقع سياسي متصدع؛ حيث يرى مكلوسكي أن قصص إيران اليوم هي سجل للمأساة.
كما يعبر عن قلقه من تآكل الثقة في المؤسسات والتحالفات الدولية، مشيرا إلى أن روايته الخامسة القادمة ستتناول شرخا متخيلا بين الاستخبارات الأمريكية والبريطانية (إم آي 6).
تعد رواية "الفارسي" عملا يتجاوز كونه رواية تشويق، ليصبح وثيقة أدبية تفهم القوى التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط، وتعد قراءها بفهم أعمق للقوى التي تسعى لإعادة صياغة المنطقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة