أعاد عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن سدّ النهضة، أزمة تقاسم مياه النيل إلى الواجهة، في خطوة رحبت بها القاهرة والخرطوم، بينما لم يصدر أي رد رسمي من أديس أبابا حتى الآن.
وأثنى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على المبادرة الأمريكية، معربا عن تطلع بلاده للعمل مع واشنطن للتوصل إلى حل "نهائي ومسؤول"، يقوم على مبادئ القانون الدولي ويحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف. كما أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان دعم بلاده للوساطة الأمريكية، معتبرا أنها قد تفضي إلى حلول مستدامة تحفظ حقوق الجميع.
في المقابل، التزمت إثيوبيا الصمت، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول توقيت المبادرة الأمريكية وفرص نجاحها، بعد سنوات من تعثر المفاوضات واكتمال بناء السد الإثيوبي.
لم تنجح المفاوضات الممتدة لأكثر من عقد في تقريب وجهات النظر بين دولتي المصب مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة، الذي افتتح رسميًا في سبتمبر/أيلول 2025، بعد 14 عامًا من بدء بنائه، ليصبح أكبر سد كهرومائي في إفريقيا.
في عام 2020، خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، اجتمع ممثلون عن مصر والسودان، إلى جانب البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية في الولايات المتحدة لمدة عدة أسابيع للتفاوض حول سد النهضة الإثيوبي. كان الهدف التوصل إلى مسودة اتفاق تنظم تشغيل السد وتفادي أي أضرار محتملة على مصر والسودان.
لكن بعد توقيع مصر بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، قررت إثيوبيا الانسحاب من المفاوضات، حيث اعتبرت أديس أبابا أن بعض البنود لم تحترم مصالحها في التحكم بمياه النيل الأزرق واستغلالها لمشاريعها الوطنية، خاصة توليد الكهرباء. هذا الانسحاب أبرز مرة أخرى صعوبة الوصول إلى اتفاق شامل بسبب التباين في الرؤى بين الدول الثلاث حول حصص المياه وحقوق الاستخدام، رغم تدخل أطراف دولية كالبنك الدولي والولايات المتحدة كوسيط، طبقا لخبراء تحدثت معهم بي بي سي.
وتعتبر إثيوبيا، بحسب بيانات حكومية، أن سد النهضة مشروع تنموي لتوليد الطاقة، بينما تقول مصر، في بيانات رسمية، إنه يمثل تهديدًا لأمنها المائي.
يربط خبراء توقيت التحرك الأمريكي بتطورات إقليمية أوسع، خاصة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في ظل سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، وتصريحات رئيس وزرائها آبي أحمد بأن ذلك أصبح "أمرا لا مفر منه".
ويرى الدبلوماسي المصري السابق أيمن زين الدين أن ترامب لا يقدم مبادرات دون مقابل، مرجحا أن تكون الوساطة مرتبطة بملفات إقليمية أخرى، بينها غزة. ويتفق معه أستاذ الجيولوجيا والمياه بجامعة القاهرة عباس شراقي، محذرًا من "المساومات والثمن المطلوب" لإنجاح أي اتفاق.
فيما يعتبر المحاضر بجامعة جورج واشنطن عاطف عبد الجواد أن المبادرة "عرض سياسي" يهدف إلى استمالة مصر لدعم السياسات الأمريكية في ملفات إقليمية.
أما عثمان الميرغني، رئيس تحرير صحيفة "التيار" السودانية، فيرى أن واشنطن تحاول صياغة معادلة تضمن الاستقرار في القرن الإفريقي، دون الإضرار بمصالح مصر والسودان، في ظل الطموحات الإثيوبية المتنامية.
وقال مسعد بولس، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، في وقت سابق، إن الولايات المتحدة ترى إمكانية للتوصل إلى حل تقني للأزمة، مشيراً في الوقت نفسه إلى وجود شق سياسي معقّد. وأوضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح هذا الملف في محادثاته مع الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإثيوبي، مؤكدا إدراكه أن القضية تمثل "خطا أحمر" بالنسبة لمصر وأمنها القومي.
وأضاف بولس أن ملف مياه النيل يُعد حيويا لكل من مصر وإثيوبيا والسودان، معربا عن اعتقاده بأن الأزمة تتجه نحو الحل بقيادة الرئيس ترامب، وبما يرضي جميع الأطراف.
أثار توجيه ترامب نسخا من خطابه إلى قادة السعودية والإمارات تساؤلات إضافية. ويصف زين الدين الخطوة بأنها غير مألوفة دبلوماسيا، بينما يطرح شراقي احتمالين: إما ضخ استثمارات لتسهيل الاتفاق، أو ارتباط الأمر بصفقات تتعلق بالبحر الأحمر.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات وتحالفات متسارعة، وسط تنافس إقليمي متزايد على النفوذ في القرن الإفريقي.
وليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها واشنطن لعب دور الوسيط. فقد استضافت الولايات المتحدة جولات تفاوض خلال الولاية الأولى لترامب دون نتائج ملموسة.
لكن زين الدين يرى أن المحاولة الحالية مختلفة، معتبرا أن ترامب في ولايته الثانية أكثر حسما ويسعى لفرض تصورات مسبقة. ويوافقه شراقي الرأي في أن الخطاب الرسمي المكتوب يعكس جدية أكبر، لكنه يحذر من استخدام مصطلح "تشارك المياه"، لما قد يفتحه من باب لإعادة النقاش حول الحصص المائية، وهو ما ترفضه مصر والسودان.
ويؤكد شراقي أن مصر "ليست في حالة إنقاذ مائي"، خاصة بعد تجاوز مرحلة ملء السد، التي كانت النقطة الخلافية الأبرز.
يرى أيمن زين الدين أن رد السيسي كان محسوبا، إذ اقتصر على الترحيب دون الالتزام بالوساطة، في ظل غياب تفاصيل واضحة حول مسارها وشكلها.
وفي السودان، رغم اعتبار اكتمال الملء أمرا واقعا، يرى مراقبون أن المبادرة قد تساعد في الحد من أضرار التشغيل الأحادي للسد، خاصة بعد الفيضانات غير المسبوقة التي ضربت البلاد العام الماضي عقب فتح إثيوبيا بوابات الطوارئ.
أما في إثيوبيا، فيتوقع الباحث عبد الشكور عبد الصمد ألا ترفض أديس أبابا المبادرة، لكنها ستتمسك بموقفها القائم على أن "الحلول الإفريقية يجب أن تكون داخل البيت الإفريقي"، مع التشديد على اتفاقية "عنتيبي" التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ولا تعترف بالحصص التاريخية لمصر والسودان.
كانت القاهرة قد أعلنت نهاية المسار التفاوضي مع إثيوبيا أواخر 2023، مؤكدة أن أمنها المائي "خط أحمر"، بينما تتهم أديس أبابا مصر بالسعي لفرض "اتفاقيات استعمارية".
تستند مصر والسودان في مطالبهما بحقوقهما المائية إلى اتفاقيات تاريخية تعود إلى القرن العشرين، أبرزها اتفاقية 1929 واتفاقية 1959. وبموجب هذه الاتفاقيات، حصلت مصر على 55.5 مليار متر مكعب سنويا من مياه النيل، بينما خصصت للسودان 18.5 مليار متر مكعب. وتتيح هذه الاتفاقيات لمصر حق الاعتراض على أي مشاريع قد تؤثر على حصتها، لكنها لم تمنح أي حصة محددة لإثيوبيا، التي تعتبر النيل الأزرق مصدرًا رئيسيًا لمياهها.
في المقابل، ترى إثيوبيا أن هذه الاتفاقيات لم تعد ملزمة في العصر الحديث، خاصة وأنها لم تكن طرفا فيها. وفي محاولة لتنظيم استغلال مياه النيل بين الدول الثلاث، جرى التفاوض على ما يُعرف باتفاقية عنتيبي، التي تمنح إثيوبيا الحق في استغلال مياه النيل لتنمية مشاريعها، مثل سد النهضة، مع الالتزام بعدم التسبب في ضرر جسيم لمصر والسودان، لكنها لم تحدد حصصًا ثابتة كما في الاتفاقيات القديمة.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة