آخر الأخبار

كيف علّق الغزيون على تشكيل مجلس السلام في القطاع؟

شارك

غزة- يتكئ نبيل يوسف تحت بقايا سقف منزله المدمر شمال غزة، يستمع إلى نشرة الأخبار الصباحية عبر الإذاعة الإسرائيلية الناطقة بالعربية التي بثت إعلان البيت الأبيض عن تشكيل مجلس السلام وهيئته التنفيذية لإدارة القطاع.

يرفع يوسف السبعيني صوت المذياع في انتظار أي خبر يُلقى على سمعه يتعلق بإعادة الإعمار أو توفير منازل مؤقتة تريحه وأسرته من العيش داخل خيام بالية لا تقي مطرا ولا بردا، وهو ما ينتظره أكثر من مليوني فلسطيني في غزة.

ويراقب السكان تفاصيل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بهدف إغاثتهم وتحسين أوضاعهم المعيشية، وعودة مئات الآلاف إلى مناطق سكنهم التي قضمها الخط الأصفر، ووقف انتهاكات قوات الاحتلال المتكررة للاتفاق، لكن يزداد في الوقت ذاته توجسهم من تحول المجالس المعلنة إلى "وصاية تعيد عهد المندوب السامي".

مصدر الصورة نبيل يوسف يسكن تحت أنقاض منزله وينتظر الإيواء والإعمار (الجزيرة)

آمال وتخوفات

على مقربة من الخط الأصفر شرق مدينة غزة يقطن أحمد أسعد، وكل ما يتمناه أن يتراجع الاحتلال عن داخل القطاع، ويتمكن من العيش بهدوء دون هواجس تلاحقه على مدار الساعة من أن تتقدم آلياته اتجاههم، أو إصابتهم برصاصه المتطاير من فوق رؤوسهم.

ورغم أن أسعد يعيش في سكن مؤقت بعيدا عن منزله الذي دمره الاحتلال ويقع ضمن سيطرته داخل الخط الأصفر، فإنه ينتظر العودة ويقيم حول بقايا البيت الذي دمرته الطائرات الحربية.

وقال للجزيرة نت "لا يهم كثيرا الأسماء التي تتردد في مجلس السلام، ما يهم أن تصل بنا إلى حالة الاستقرار"، وعبّر عن خشيته من فشل كل الجهود الدولية أمام تعنت حكومة الاحتلال، حيث أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن تل أبيب لا تنوي الانسحاب من الخط الأصفر في المرحلة الحالية، مؤكدة أن أي انسحاب مرهون بإحراز تقدم ملموس في ملف نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية ( حماس).

إعلان

وبعد يومين من إعلان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، أعلنت الإدارة الأميركية عن تركيبة مجلس السلام وتعيين نيكولاي ملادينوف ممثلا ساميا في القطاع.

ويشعر الكثير من سكان غزة بحالة من "عدم المبالاة" بشكل إدارة القطاع القادم وتعيين مجالس لها، وهو ما رصدته الجزيرة نت من خلال استطلاع آراء عدد منهم، وكل ما يأملون تحققه يكمن في وقف تام للعدوان، وتراجع الاحتلال إلى المناطق الحدودية بما يمكّن أكثر من نصف سكان غزة من العودة إلى مناطقهم المدمرة، وفتح المعابر التجارية بما يسمح بتدفق السلع والمساعدات الإنسانية، وفتح معبر رفح أمام حركة المسافرين في كلا الاتجاهين.

وتبرز خشية لدى النشطاء المتابعين للشأن السياسي من "نيات خفية"، حيث اعتبر الناشط أحمد منصور أن الإعلان عن المجالس الدولية يظهر كمحاولة لترتيب المشهد بما يخدم القوى الخارجية لا الاحتياجات الوطنية الفلسطينية.

وصاية أميركية

وأوضح منصور للجزيرة نت أن مجلس السلام في غزة ليس مبادرة بالمعنى التشاركي، بل هو جسم إداري فُرض كأمر واقع للتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب، مما بدأ يشكل اقتناعا لدى الشارع الغزي بأن الهدف ليس تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم، بل إيجاد صيغة أمنية وإدارية تضمن استقرارا مؤقتا، ويظهر وجها جديدا للوصاية الأميركية دون تقديم حل حقيقي للقضايا الجوهرية.

وعبّر عن خشيته من أن التدخل الأميركي في أدق تفاصيل التشكيل والمهام يوحي بأن القرار السيادي مسلوب مسبقا لصالح الأجندة الأميركية التي تسعى إلى تشكيل واقع غزة الجديد وفق رؤيتها، ومحاولة هندسة المجتمع الغزي سياسيا، وتجاوز التوافق الوطني الداخلي لصالح هياكل تابعة تقنيا وماليا لواشنطن ومفصلة بما يتناغم مع الجانب الإسرائيلي.

من جانبه، يرى الكاتب السياسي الفلسطيني وسام عفيفة أن المشهد بدا خلال الساعات الأخيرة شديد الإرباك، خصوصا بعد إعلانات البيت الأبيض واستخدام توصيفات غير مسبوقة، أبرزها الحديث عن تسمية ملادينوف مندوبا ساميا، "في توصيف يعيد إلى الأذهان حقبة الانتداب البريطاني، ويكاد يكون الأول من نوعه في تاريخ الصراع".

وفي حديث للجزيرة نت، أشار إلى أنه تاريخيا، خضعت غزة للإدارة المصرية قبل عام 1967، ثم للاحتلال، ولاحقا تنقلت بين السلطة الفلسطينية وإدارة حركة حماس، "أما اليوم فنحن أمام صيغة جديدة تحمل مخاطر جدية إذا ما جرى تحويلها إلى مشروع سياسي".

ويعتقد عفيفة أن الخطر لا يكمن في الطابع المؤقت بحد ذاته، بل في تمدده خارج إطار الإغاثة وإعادة الإعمار، خصوصا مع أسماء مستشارين وشخصيات يُنظر إلى كثير منها على أنه قريب من الاحتلال واليمين الإسرائيلي، مما يستدعي موقفا فلسطينيا عاجلا يتمثل في لقاء سريع بين حركتي التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح) وحماس لتجاوز الخلافات، وبناء ما وصفه بسياج حماية وطني يمنع انزلاق الصيغة المؤقتة إلى مسار سياسي يمس جوهر القضية.

ونوه إلى أنه لا يمكن تجاهل ضغط الواقع الإنساني الكارثي الذي فرضته الحرب؛ مما قد يدفع الفلسطينيين، مرحليا، إلى ابتلاع هذا الشكل المؤقت لتفويت الفرصة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، ومنعه من العودة إلى الحرب، ووضعه أمام إطار دولي، وإن كان برعاية وإدارة وتحكّم أميركي كامل.

اختبار حقيقي

وبحسب الكاتب السياسي عفيفة، فإن الاختبار الحقيقي هو إبقاء هذا الإطار انتقاليا لا أكثر، وحصره في الإغاثة والإعمار، دون السماح له بأن يصبح بوابة لإعادة هندسة القضية سياسيا.

إعلان

وفي الوقت الذي يتطلع فيه عشرات آلاف الموظفين في غزة المدرجين تحت وظائف السلطة الفلسطينية للعودة إلى مهامهم التي تركوها منذ أحداث الانقسام الفلسطيني صيف عام 2007، يتساءل قرابة 50 ألف موظف ضمن حكومة غزة عن مستقبلهم.

وفي هذا الإطار، يخشى المحلل السياسي ياسر أبو هين من أن تعمق المجالس الدولية التي تم الإعلان عنها الفصل بين قطاع غزة و الضفة الغربية المحتلة، وتمنع أي أفق لتوافق فلسطيني بتوحيد جسم المرجعية الحكومية.

ورغم أن ياسر أبو هين أوضح للجزيرة نت أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة يبعد فرصة عودة العدوان ويكبح جماح جيش الاحتلال داخل القطاع، فإنه يخشى من تحول الصيغة الحالية إلى حالة دائمة.

ويرى أن الدفع الفلسطيني الداخلي اتجاه تثبيت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتقديم خدمات ملموسة لسكان القطاع، والانتقال بهم إلى مراحل سريعة من الإغاثة والإيواء وفتح برامج إعمار تعيد عجلة الحياة من جديد، على أن يتبعها توافقات سياسية فصائلية جامعة لا سيما بين حركتي فتح وحماس، من شأنه أن يثبت الدعائم الرافضة لأي حالة وصاية متوقعة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا