انتقد الكاتب الأميركي توماس فريدمان بحدة قرار الإدارة الأميركية فتح تحقيق جنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الحالي جيروم باول، وقال إن تلك الخطوة تمثل سابقة في تاريخ أميركا ومن شأنها أن تدمر دستور البلاد.
وقال فريدمان في مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز إن الهدف من ذلك التحقيق الجنائي مع باول هو تجريده من استقلاليته لفرض أسعار الفائدة المنخفضة التي يريدها الرئيس قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الأول المقبل.
وأعرب فريدمان عن احترامه وتقديره لجيروم باول لأنه قام بشيء لم يقم به سوى عدد قليل من الجمهوريين، وهو التصدي لأكاذيب وتنمر الرئيس ترامب والمتملقين الجبناء الذين أحاط نفسه بهم، وبينهم المدعية العامة بام بوندي.
وأشاد فريدمان بموقف باول الذي انتقد وزارة العدل علنا بسبب تحقيقها معه بشأن تجاوزات مزعومة في الإنفاق على تجديدات مقر الاحتياطي الفدرالي، وكشف للأميركيين أن ترامب والمحيطين به يحاولون استخدام التهديد بالملاحقة القضائية الجنائية للضغط على الاحتياطي الفدرالي لخفض أسعار الفائدة.
ولاحظ فريدمان أن عددا قليلا من المشرعين الجمهوريين هبوا للدفاع عن باول بينهم السيناتور توم تيليس وهو عضو بارز في لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ، وقد انتقد بشدة ذلك التحقيق.
وقال تيليس إنه لم يعد هناك شك في أن مستشاري إدارة الرئيس ترامب يسعون لإنهاء استقلالية الاحتياطي الفدرالي، وإن الأمر يتعلق الآن باستقلالية وزارة العدل ومصداقيتها.
ويرى فريدمان أنه لو كانت الولايات المتحدة دولة طبيعية، لكانت القيادة الكاملة للحزب الجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ تتجه اليوم إلى البيت الأبيض للتنديد بهذا التحقيق الصوري مع جيروم باول.
ومضى فريدمان في انتقاد موقف النواب الجمهوريين من ذلك التحقيق، وقال بلغة ساخرة إن لسان حال كل واحد منهم يقول ما معناه إنه تنازل عن كرامته وتجاهل دوره وكونه عضوًا في فرع من فروع السلطة، والتزم الصمت وهو يشاهد الرئيس ترامب ينتهك قانونًا أو عرفًا آخر.
ويرى فريدمان أنه إذا تم استغلال وزارة العدل لتدمير "الاستقلال المقدس" للاحتياطي الفدرالي، فسيكون ترامب حينها طليق اليدين تماما، وستتجه البلاد نحو مشاكل اقتصادية وانهيار دستوري.
وفي نظر الكاتب فإن تلك هي الرسالة الأساسية للفيديو الاستثنائي الذي نشره جيروم باول مساء الأحد بعد تداول الأخبار عن التحقيق الذي يركز على ما إذا كان قد كذب على الكونغرس عند الإدلاء بشهادته بشأن تجديد مقر الاحتياطي الفدرالي.
باول: التهديد بتوجيه تهم جنائية هو نتيجة لقيام الاحتياطي الفدرالي بتحديد أسعار الفائدة بناء على أفضل تقدير لدينا لما يخدم المصلحة العامة، بدلا من اتباع رغبات الرئيس
وقال باول في ذلك الفيديو إنه يجب النظر إلى ذلك الإجراء غير المسبوق في سياق أوسع يشمل تهديدات إدارة ترامب والضغوط المستمرة التي تمارسها، وأكد أن "التهديد بتوجيه تهم جنائية هو نتيجة لقيام الاحتياطي الفدرالي بتحديد أسعار الفائدة بناء على أفضل تقدير لدينا لما يخدم المصلحة العامة، بدلا من اتباع رغبات الرئيس".
يشار إلى أن ولاية باول على رأس الاحتياطي الفدرالي تنتهي في مايو/أيار القادم، وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن المرشحين الأوفر حظًّا لخلافته هما كيفن وارش، الذي شغل منصب عضو في مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي من عام 2006 إلى عام 2011، وكيفن هاسيت، الذي يشغل حاليًّا منصب مدير المجلس الاقتصادي الوطني.
وعبر فريدمان عن أمله في أن يرفض كلاهما هذا المنصب إذا أجبر باول على ترك موقعه نتيجة لهذه المحاكمة التي وصفها بأنها صورية.
واعتبر فريدمان أن الإجراء في حق باول هو حلقة من مسلسل ترامب في انتهاك الأعراف، وتحدي القوانين والدخول في صراعات جديدة دون استشارة الكونغرس أو احترام الدستور.
فريدمان: الإجراء في حق باول هو حلقة من مسلسل ترامب في انتهاك الأعراف، وتحدي القوانين والدخول في صراعات جديدة دون استشارة الكونغرس أو احترام الدستور
وقال فريدمان إن التطبيع مع تجاوزات ترامب بدأ عندما استسلم الجمهوريون -الذين يملكون الأغلبية اللازمة لوقفه- لترشيحات أشخاص غير مؤهلين تمامًا لمناصب وزارية، وتجاهلوا عمليات العفو المشبوهة التي أصدرها ترامب، وتغاضوا عن إثرائه المالي أثناء توليه منصبه.
ولاحظ فريدمان أن هذا الانحدار وصل إلى درجة متقدمة بحيث إن الرئيس ترامب أصبح يتجرأ على تدمير استقلالية البنك الاحتياطي الفدرالي.
وأشاد فريدمان بتأكيد باول مساء الأحد أن "الخدمة العامة تتطلب أحيانًا الثبات في وجه التهديدات. سأواصل أداء المهمة التي كلّفني بها مجلس الشيوخ، بنزاهة والتزام بخدمة الشعب الأميركي".
وتساءل فريدمان في ختام مقاله عن عدد المشرعين الجمهوريين الذين يمتلكون الشجاعة والنزاهة الكافية للإدلاء بهذا التصريح، وعبر عن استيائه بالقول إن عددهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة