آخر الأخبار

كيف تُهرِّب "مركز دراسات" من داخل السجون الإسرائيلية.. عبد الناصر عيسى و34 عامًا من العزلة

شارك

قد يحقق الأسير في سجنه ما يعجز عنه مَن يعيش خارجه وهو محاط بالقهوة الجيدة والإنترنت السريع وذرائع "ضيق الوقت".
في السجن، يُبتلى المرء بفائضٍ من الزمان ونقصٍ حاد في المكان، وإنْ لم يُحسن السجين إنفاق ذلك الفائض فإنه يرتدّ عليه كآبةً وضياعَ بوصلة.
حين واعدتُ عبد الناصر عيسى، المناضل الفلسطيني الذي قضى 34 عاما في سجون الاحتلال، وخرج في 27 فبراير/شباط 2025 ضمن الدفعة السابعة من صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس وإسرائيل، أرسل إليّ عنوان مركز الدراسات الذي أسسه وهو وراء القضبان، ثم أخرجه في لحظة غفلة من السجّان.
قرأتُ عمن كتبَ كتابا في السجن، وعمن أنشأ مجلة ودورية في الحبس، لكنها المرة الأولى التي أقابل رجلا لم يؤسس مركز دراسات داخل السجن فحسب، بل وأدخل إليه جامعة!

"أنا شخصيا اعتُقلت عشر مرّات، اعتقالات كبيرة وصغيرة، أطولها كان من بعد عام 1995 حتى 2025، وقبلها اعتقالات متفرّقة: سنتان ونصف، شهر أو شهران، واعتقالات إدارية. بالنسبة للمناضل الفلسطيني، الاعتقال جزء من جدول حياته".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "السيد فساد".. يغضب شبان بلغاريا ويصادر تمثيل أقليتها التركية
* list 2 of 2 برونو روتايو.. هل تقوده محاربة الشريعة الإسلامية لرئاسة فرنسا؟ end of list
*

"كلها كانت في سجون الاحتلال؟" سألتُه.

تبسّم وقال:

"عند السلطة الفلسطينية اعتُقلت مرة واحدة، بسبب هوية مزوّرة. كانوا لا يعلمون أن الشخص المقبوض عليه مطارد يُدعى عبد الناصر. لو عرفوا، ما خرجت من هناك. في ذلك الاعتقال كنت مع حسن سلامة في سجن السرايا بغزة".

السجن بوصفه قدرا عائليا

قصة السجن لم تبدأ معه وحده، ففي بيوت النضال الفلسطيني يتوارث الرجال الأحكام بالسجن جيلا عن جيل.

"والدي اعتُقل نحو ثماني سنوات، وكان من القوميين العرب، سمّاني عبد الناصر على اسم والد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. كانت تلك فترة المدّ القومي في الستينيات والسبعينيات، فكان الاسم جزءا من الهوية، وجزءا من الجوّ السياسي العام".

يكبر الفتى في بيت يرى فيه أباه يذهب إلى السجن ويخرج منه، فيتشكَّل في وعيه أن الزنازين ليست نهاية القصة، بل إحدى محطّات النضال. لذلك حين جاءه الدور، لم يكن الأمر غريبا تماما.

إعلان

"أول اعتقال لي كان وأنا طفل تقريبا، في السادسة عشرة من عمري، في سجن الفارعة شمال فلسطين قرب نابلس، قبل قدوم السلطة في عام 1993. كان السجن عبارة عن زنازين وإدارة عسكرية قوامها التعذيب والضرب والممارسات الوحشية".

أبعد كأس الشاي من فمه وهو يتذكّر مشهدا فظيعا لا يغادره:

"كان الجنود يدخلون على الأسرى وهم مُغمَّمو العيون، كنا في زنزانة منخفضة وشعرنا بقطرات ماء تهطل فوق رؤوسنا، حسبناه مطرا، ثم اكتشفنا أن الجندي -أعزّك الله- كان يتبول على الأسرى. كان ذلك عام 1985". كانت هذه إحدى "تفاصيل" الديمقراطية الإسرائيلية الوحيدة في المنطقة.

"كنا نقول إن السجناء في السجون العربية يرون أن سجون الاحتلال أقلّ وحشية من سجون أنظمتهم." قلتُ معلقًا باشمئزاز من القصة.
"كان التوحش متفاوتا في سجون الاحتلال، إلى أن جاء التوحّش الحقيقي بعد 7 أكتوبر، ففاق توحّش سجون النظام البائد في سوريا، كل ما سمعنا عنه في صيدنايا عايشناه، ما عدا المكبس"، مشيرا إلى المكبس الكهربائي الذي كشفت عنه تقارير إعلامية في سجن صيدنايا للتخلص من أجساد الضحايا. على أية حال، كانت المنهجية الإسرائيلية أكثر إيجابية من حزب البعث في التعامل مع أجساد الضحايا، فبدل سحق أجسادهم، كانت تركز على سرقة أعضائهم الحيوية والاتجار بها.

يُصِرّ عيسى أن ما يسميه البعض بـ"تحسُّن المعاملة" من المحتل للسجناء لم يكن نتاج صحوة أخلاقية عند السجّان:

"كل ما تغيّر لم يكن بسبب أخلاق الاحتلال، بل بسبب معادلات قوة فرضها الشعب الفلسطيني والمقاومة، وفرضها الأسرى داخل السجون. الأسرى ضغطوا بالإضرابات، والشعب تحرّك في الخارج، فاضطر الاحتلال إلى التراجع خطوة هنا وخطوة هناك. هذه قصة أخرى، لكنها جوهرية لفهم ما جرى".

العمل من داخل السجن: حين تُدار العمليات من خلف القضبان

كان مفاجئا بالنسبة لي أن يتحدث الرجل الذي قضى نحوا من ثلث قرن في المعتقل دون أن يستعمل لغة الضحية، بل يتحدث عنه بوصفه موقعا جديدا له ما يناسبه من النضال والعمل المقاوم.

"السجن لم يكن نقطة توقّف في حياتنا ولا في مسيرتنا النضالية. كنا نعتبر السجن والحرية محطتين نتنقّل بينهما: مرة خلف الأسلاك، ومرة خارجها، وفي الحالتين نستمرّ في العمل والنضال. لم نعِش حياة الناس العاديين؛ كانت حياتنا كلها تدور حول المقاومة: عمل، فاعتقال، ثم عودة إلى العمل". يقول عيسى


* "ولكن ما الذي يبقى منك للعمل وأنت مسلوب الحرية، يتحكم فيك السجّان؟"

"الإرادة." قالها بنبرة تفيض بالجديّة، ثم أردف: "السجن يؤثّر بلا شك على نفسية المناضل وقدراته، لكن العامل المركزي هو الإرادة. الإرادة الصلبة التي لا تنكسر، هذه هي ميزة الحركة الفلسطينية الأسيرة. الأسر لم يكن يوقفنا، بل كان يُعيد ترتيب أشكال عملنا".

اعتدل عبد الناصر وأخذ يشرح لي كيف كانوا يصارعون شبح الفراغ من جدولهم اليومي.."في المعتقل كنّا نواصل التخطيط والتنظيم. كنّا نناقش مع الإخوة القدامى ما سنفعله بعد الخروج، ونرتّب مع الجدد انخراطهم في العمل. داخل السجن كان هناك عمل عسكري، وعمل شعبي، وتنظيمي، وإداري، ودعوي، كلٌّ حسب موقعه وظروف السجن. كنّا نُهيّئ الناس للانتماء والعمل داخل الحركة الإسلامية وخارجها".


* "عمل عسكري من السجن! كيف يُسهم الأسير في عمل عسكري؟"

"في السجن تعرّضت لإعادة التحقيق ثلاث أو أربع مرات من قِبَل الشاباك، بتهمة العمل العسكري. تحقيق قاسٍ ومرير، وفُتحت لي ثلاثة ملفات إلى جانب ملفي الأصلي المتعلق بعملي مع الشهيد يحيى عياش، والقائد محمد الضيف".

إعلان

قلت له: هذا حديث مجمل، أريد تفاصيل العمل العسكري الذي لا تضيق عنه زنازين الاحتلال.

الخلية التي وُلدت وراء القضبان

"تعرفت على معاذ بلال حين جيء به معتقلا إداريا لستة أشهر، وأبدى رغبة حقيقية في العمل المقاوم. قلت له يومها إننا بحاجة إلى إخوة يعملون في وحدة خاصة تُعنى بأسر الجنود الإسرائيليين، بهدف تحرير الأسرى عبر عمليات التبادل"، لقد عمل عبد الناصر بوصية شيخه ياسين، حين قال: "إن حركة يبقى أسراها فوق خمس سنوات ليست جديرة بالحياة".

تقاطعت الرغبات والظروف، فمعاذ من شباب المنطقة في نابلس، وعائلته معروفة لديهم. "كان أخوه صديقا عزيزا اعتُقل لاحقا وحُكم بالمؤبد وقضى ثلاثين سنة في الأسر، ثم خرج معي في الدفعة ذاتها. ومعاذ نفسه كان شابا راغبا بالعمل. وجدنا أن أهدافنا تتقاطع، فاتفقنا على أن يعود للعمل بمجرد خروجه من السجن".

قرأ علامات التعجب على وجهي وأنا أستمع لقصة تجنيده وترتيبه لعملية عسكرية وهو خلف القضبان، فاستطرد قائلا:

"كان ذلك عام 1996، بعد نحو عام من اعتقالي. كنّا شبابا مندفعين، بالكاد نستوعب أننا أصبحنا داخل سجن. كنا مطارِدين [قالها بفتح الراء ثم تنبّه فكسرها]، واعتقالنا كان ضربة قاسية؛ لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث للمجاهد هو أن يقع في الأسر. بالنسبة لنا، الشهادة أكرم ألف مرة".

طلب معاذ أن يتعلّم صناعة المتفجّرات.

"كنت قد تلقيت هذا العلم من الشهيد يحيى عياش مباشرة. شرحت له الأساسيات، ثم قلت له: أمامك اثنان من الإخوة خارج السجن يعملون معنا. اخرج وتواصل معهم، أو نرسل إليك رسالة عند الحاجة. رتّبنا الأمر برسائل سرية متعددة خرجت إليه بطرق مختلفة".

ثم ابتسم وهو يستعيد مزحة قديمة:

"قبل أن يخرج، قلت له -مازحا-: إذا رجعت على السجن بدون ما تشتغل، بدنا نطخك!".

خرج معاذ، والتقى الإخوة الذين زكّاهم له: نسيم أبو الروس، وجاسر سمارو -من أبرز مهندسي المتفجّرات ومقاتلي انتفاضة الأقصى- ثم تواصل مع القائد الكبير يوسف سُركجي في نابلس.

"حاول الإخوة تنفيذ عملية أسر جنود، لكن العملية لم تنجح بسبب انقلاب السيارة خلال المطاردة واعتُقل بعض أفراد المجموعة. لكنهم -بالتنسيق مع الشهيد القائد محمود أبو هنود– نجحوا في تنفيذ عمليتين تفجيريتين في القدس، أدّتا إلى مقتل 27 إسرائيليا وجرح نحو 200 آخرين".

بعد العملية، لم يبقَ هو خلف القضبان مجرّد رقم.

"اعتُقل معاذ بعد العملية بفترة قصيرة، ربما بشهر أو نحو ذلك. وعندما تبيّن أن لي علاقة مباشرة بتنظيمهم، نُقلت فورا إلى العزل: زنزانة صغيرة منفردة، مقطوع فيها عن العالم".

لم يَطُل العزل هذه المرة؛ خرجوا بفضل أداة يعرفها الأسرى جيدا؛ "خرجنا من العزل بفضل إضراب مفتوح عن الطعام أشعل السجون وأشعل معه الشارع الفلسطيني. انتفض الأسرى، وامتلأت مدن الضفة بالمظاهرات المؤيدة لهم، حتى اضطرت حكومة الاحتلال، تحت الضغط الشعبي والحقوقي، إلى الرضوخ لمطالب الأسرى وإخراجنا من العزل".

ثم يضيف، ليرسم علاقة الحركة الأسيرة مع عمقها الشعبي والعسكري في الخارج:

"لم يكن ذلك حدثا استثنائيا، بل كان جزءا من معادلة الصراع الدائمة: الأسرى يضغطون من الداخل، والشعب يتحرك في الخارج، فيتراجع الاحتلال".

ومع تطور المقاومة في غزة، تعمّقت هذه المعادلة أكثر:

"صار إضراب الأسرى قادرا -في بعض المراحل- على تحريك صواريخ تُوجَّه نحو تل أبيب، فتتحوّل قضية حقوقية داخل السجون إلى أزمة إقليمية ودولية تُستدعى لها واشنطن والقاهرة. لذلك بدأ الاحتلال يتعامل مع مطالب مثل تحسين "الكانتينة" أو السماح بالتعليم الجامعي على أنها تنازلات صغيرة تمنع الانفجار الكبير".


* يبدو أن كلفة العمل العسكري باهظة على الأسير، هل كان أمرا شائعا لدى الأسرى؟

"قليلون مَن مارسوه. من بين عشرة آلاف أسير، قد لا يعمل على هذا المستوى التنظيمي إلا خمسة عشر أو عشرون شخصا خلال ربع قرن. فالعمل من داخل السجن يُعد عمل نخبة عالية الخطورة، يحتاج إلى عقل تنظيمي هادئ، وإرادة صلبة، ووعي كامل بالكلفة".

إعلان

ثم يضع تجربته في موضعها:

"من أبرز مَن اشتغل من داخل السجون الشيخ صلاح شحادة، لكن -بالأرقام والوقائع- أخطر خلية تشكّلت داخل الأسر كانت خليتنا. لم تُسجَّل حالة أخرى داخل السجون أنتجت عمليات بحجم ما أنتجناه نحن؛ فقد أدّت عملياتنا إلى مقتل 26 إسرائيليا".

المرة الثانية والثالثة التي حُقق معه على خلفية عمليات عسكرية كانت أقلّ إنتاجا من الأولى، لكنها لم تكن أقلّ كلفة:

"بعض الإخوة اعترف -تحت الضغط- بعلاقتنا بهم وتوجيهنا لهم، ففُتح لنا ملف جديد. وفي مرة ثالثة كانت المحاولات تتعلق بتشكيل مجموعات لشراء السلاح والتخطيط لعمليات. كانت مرحلة تفكير وتنظيم أكثر منها تنفيذا، لكنها أضافت إلى حكمي ثلاث سنوات فوق المؤبّدين؛ لأن الاحتلال في تلك الفترة كان يحكم بالمؤبد على "العملية" لا على عدد القتلى".

يتحدّث عن السجون التي تنقل بينها كما لو أنه يذكر محطات سفر:

"أطولها كان رامون (12 عاما)، ثم هداريم (9 أعوام). كان هداريم شبه عزل، مخصصا لقيادات الأسرى لإبعادهم عن عموم المعتقلين. في رامون وبقية السجون مرّت عليّ أسماء كبيرة: معاذ بلال، أكرم القواسمي، عباس السيد، إبراهيم حامد، وغيرهم كثير. أما السنوار فعشت معه طويلا في بئر السبع وهداريم ونفحة".

حين يصبح السجن حرما جامعيا

انتقلتُ معه إلى ملف التعليم. بدا أن هذا العنوان -على قسوة ظروفه- يحمل في ذاكرته بهجةً خاصة.

"تجربة التعليم عندي لم تكن خاصة بسجن واحد، بل تجربة عابرة للسجون. بدايتها الحقيقية كانت في سجن هداريم، حيث جُمعت أغلب القيادات: كنت هناك مع يحيى السنوار، وروحي مشتهى، وعلي العامودي، ومروان البرغوثي، وعبد الرحيم ملوح من الجبهة الشعبية، وزاهر جبارين، ومجموعة كبيرة من الأسرى المؤثرين".

إدارة السجون ظنّت أنها بعزل القيادات معا تقوّض قدرتهم على التأثير، لكنّهم حوّلوا العزل الجماعي إلى ورشة تفكير.

"كانت إدارة السجن تحاول عزل القيادات بوضعهم معا في هداريم أو جلبوع، لكننا استثمرنا هذا "التجميع" لصالحنا؛ كنا نجتمع، ونتحاور، ونتدارس. ومن هذه الجلسات خرجت فكرة الدراسة الجامعية".

قرر السجناء الذين أخذتهم قوات الاحتلال من مقاعد الدراسة العودة إليها من وراء القضبان؛ فعبد الناصر كان طالبا في كلية الشريعة في جامعة النجاح وأميرا للكتلة الإسلامية فيها، ويحيى السنوار كان طالبا في الجامعة الإسلامية:

"أول مَن بادر وسجّل فيها كان يحيى السنوار. ثم قال لي:
ـ يا أبو حذيفة، سجّل. التعليم مهم.
قلت له: لا أعرف العبرية.
قال: تعلّم".

أخذ أبو حذيفة الوصية بجدّ، وبدأ من الصفر أو من "أليف بيت" (أ، ب بالعبرية):

"تعلمنا العبرية من الكتب المتاحة ومن دروس داخلية. كنا ندرس أحيانا 11-12 ساعة في اليوم، خاصةً في فترات العزل، حتى صرنا نتحدثها كما نتحدث العربية".

التحق أبو حذيفة بالجامعة العبرية في العلاقات الدولية، ثم أكمل الماجستير في الدراسات الديمقراطية. أمّا السنوار فكان يدرس تاريخ الشعب اليهودي، وبقي له فصل واحد ليُنهي دراسته، قبل أن تُوقف إدارة السجون التعليم عقابا على مشاركة الأسرى في الإضرابات.

"بعد الإضراب رجعتُ أنا للدراسة، أما السنوار فقال بضجر:
ـ بديش إياهم، يلعن أبو هالجامعة.
لكنه ظلّ يصرّ عليّ أن أكمل:
ـ ما دام سمحوا لك، كمّل.. لا تتركها".

في بدايات البرنامج، كان أساتذة يهود يدخلون إلى السجن:

"كنّا نجلس معهم وجها لوجه، ونتناقش كما لو كنّا في قاعة محاضرات داخل جامعة عادية. كان الأمر غريبا، لكنه واقع مفروض ضمن معادلات معينة. لاحقا توقفت هذه الزيارات، وصارت الدراسة عبر مواد مكتوبة، والمراقب الجامعي فقط هو الذي يدخل للإشراف على الامتحانات".

مدة الدراسة كانت كما في الخارج: أربع سنوات للبكالوريوس، وسنتان للماجستير.

لماذا يسمح الاحتلال بالتعليم أصلا؟

"لم يأتِ ذلك من كرم أخلاقه. جاء من ضغط الأسرى وإضراباتهم. اضطر إلى توفير التعليم لأنه واجه مطالب منظّمة ونضالا دؤوبا. وربما خطر له أن التعليم "يلطّف" من مواقفنا، لكن النتيجة كانت عكسية: كثير ممن درسوا أصبحوا من قادة المقاومة والطوفان لاحقا".

من الجامعة العبرية إلى الجامعات الفلسطينية

حين قررت حكومة الاحتلال، بعد صفقة شاليط، منع التعليم الجامعي نهائيا، تحوّل مطلب التعليم إلى شعار جامع داخل الحركة الأسيرة:

"قلنا: نريد جامعة عربية، نريد تعليما من جامعاتنا نحن".

دخلت الأطر التنظيمية على الخط، وبدأ التواصل مع الجامعات العربية والفلسطينية. يذكر اسما واحدا بإجلال خاص:

إعلان

"أول مَن تجرّأ على فتح باب التعليم للأسرى كانت الكلية الجامعية المتوسطة التابعة للجامعة الإسلامية في غزة. ثم بعد عامين تقريبا، وبجهد خاص من الدكتور الشهيد زكريا السنوار (شقيق يحيى)، تمكّنّا من تنظيم التسجيل بشكل أوسع".

أَوْلى زكريا مشروع التعليم داخل السجون اهتماما خاصا، وعمل ظهيرا في الخارج لنشاط عبد الناصر ورفاقه داخل السجن. كان زكريا السنوار مؤرخا فلسطينيا وأكاديميا متخصصا في التاريخ، عمل أستاذا في الجامعة الإسلامية، وأدار مركز التاريخ الشفوي فيها، وأشرف على رسائل جامعية، واستشهد إثر استهداف قوات الاحتلال لخيمته في مايو/أيار 2025.

"كان زكريا في الخارج يتواصل مع إدارات الجامعات والأساتذة، ويزكّي أسماء الأسرى الجادّين، ويقنع الجامعات أن هؤلاء طلاب حقيقيون. بعض الأسرى المحررين زار الجامعات وأثبت مستواه العلمي، فاطمأنّت إدارات الجامعات".

دخلت جامعة الأقصى، ثم جاءت منافسة فتح بإدخال جامعة القدس المفتوحة من رام الله.

"كنت -بحكم شهاداتي وتخصصي- مشرفا على برامج البكالوريوس والماجستير في جامعة القدس المفتوحة، وجامعة الأقصى، والكلية الجامعية المتوسطة، في السجون التي كنت فيها، وأحيانا في سجون أخرى أيضا".

وبدأت الشهادات الجامعية تُداول داخل الزنازين.

قال عيسى بنبرة فخر بإنجاز نوعيّ: "تخرّج نحو 800 أسير، لا أذكر الرقم الدقيق، لكن نتحدث عن مئات أنهوا شهاداتهم الجامعية من داخل السجن".

كيف تنشئ مركز دراسات داخل زنزانة؟

لم يكتفِ عيسى بمسار التعليم الجامعي فحسب، بل نشط أيضا في التأليف ورصد الواقع.

"النضال في السجن لا يقتصر على التعليم الأكاديمي ولا على العمل العسكري. هناك كتابة الكتب والأبحاث، ونشر المقالات، وتحليل الواقع، وإرسال الرسائل إلى الخارج تثبّت الناس وتشجّعهم على الصبر. ثم الصمود نفسه، وعدم الانكسار، والإصرار على الحقوق، كل ذلك كان أوجها متعددة للمقاومة".

ثم بدأ يعدد لي أبناء فكره الذين وُلدوا خلف القضبان:

"كتبتُ سلسلة بعنوان "وفق المصادر" بلغت نحو 15 مجلدا، وكتابا آخر بعنوان "مقالات حرة" في سبعة محاور رئيسية، إضافة إلى أبحاث ودراسات جُمعت في كتاب مستقل. كما شاركت في تأليف كتاب عن "مقاومة الاعتقال" مع مروان البرغوثي وعاهد أبو غُلمة".

قال لي بعد أن تناول عدة مجلدات من رفوف مكتبه وقدمها لي لأتصفحها:

"كنت أتابع الإعلام العبري ومصادر إسرائيلية مختلفة، ثم أُحلِّل ما يَرِد فيها من رؤى وأزمات وتقديرات، وأربط ذلك بمسار الصراع. أضع عناوين مثل: "مأزق إسرائيلي سياسي مستمر"، ثم أنقل خلاصة ما تقوله صحف مثل "Jerusalem Post" و"Times of Israel" عن قضية معيّنة، مثل اغتيال شيرين أبو عاقلة، وأضيف أحيانا تعليقات باسم "ناصر ناصر"".

هذه الأوراق لم تبقَ حبيسة الجدران، بل صارت تهُرَّب إلى الخارج بالتقسيط.

"كنّا نكتبها يدويا، ثم نصورها بهواتف صغيرة مهرّبة، فيُخرجها الأهالي في الزيارات، وتُطبع لتُنشر لاحقا".

في 2023، وُلدت من قلب السجن مجلة "حريتنا":

"أصدرنا تسعة أعداد متتالية. كانت أول مرة في تاريخ الحركة الأسيرة تصدر مجلة بهذا الشكل وهذا الانتظام".

ومع تعدد المهام والنشاط، نضج مشروع أوسع: مركز "حضارات" للدراسات.

"أسسناه من داخل السجن، لكنه يعمل اليوم في الخارج، وله موقع قائم منذ ست سنوات تقريبا. كنت أدير المركز من السجن، ومعي فريق من خمسة أو ستة موظفين في الخارج. اعتمدنا كثيرا على الترجمات وعلى مقالات يكتبها أسرى محررون. إخوة كانوا معي في السجن ثم خرجوا -مثل عمار الزبن، ومحمود شريتح، وأحمد التلفيتي، وعبد الله النحال، وغيرهم- شاركوا في التحرير والكتابة".

يبتسم وهو يشرح سبب التسمية:

"اخترت اسم "حضارات" لأنه اسم إنساني واسع، غير مقيّد باتجاه واحد، ويعبّر عن أفق مفتوح للحوار والمعرفة".

العزل الانفرادي: سنتان ونصف مع الظلّ

في تلك اللحظات كنتُ شاردا عن حديثه يغيبُ عني بعضه، كيف لرجلٍ أن يحيل السجن مكانا للتفكير واستشراف المستقبل، ألا يحتاج هذا إلى عافية نفسية لا توفرها بيئة السجن، قلتُ هذا في نفسي، لكن السؤال الذي غلبني على لساني فقُلته دون تفكير: كيف استطعت العيش في العزل الانفرادي لفترات طويلة؟!

" أحالوني على العزل عدة مرات، لكن أطول مدة قضيتها في العزل الانفرادي كانت سنتين ونصفا، من عام 1998 إلى عام 2000، بعد اعتقال المجموعة التي تحدّثنا عنها. كنت في زنزانة مغلقة تماما؛ الأسير العادي يرى في اليوم مئة أو مئة وخمسين وجها، أمّا أنا فكنت أرى بالكاد وجها أو وجهين إن صدف مرور أسير من أمام الباب أو صاح من خلف الشباك".


*

وكيف نجوت من شبح الوحدة والفراغ؟

"استثمرت العزل في دراسة اللغة العبرية والتعلم. كانت هناك بعض وسائل الحياة: راديو، تلفزيون، بلاطة للتسخين نُعِدُّ عليها الشاي والقهوة. لكننا لم نكن نرى الشمس إلا ساعة واحدة في اليوم إن صادف خروجنا وقت الظهيرة".

ثم اتجهت ذاكرته إلى العزل الحديث الذي عاشه قبل إطلاق سراحه فقال:

"العزل الذي عشته بعد الطوفان كان الأقسى، استمر نحو ستة أشهر: لا تلفزيون، لا كهرباء، برد قارس أحيانا، وحرّ خانق أحيانا أخرى، خصوصا في صحراء النقب، غطاء واحد رقيق، ملابس بسيطة، طعام سيئ لا يُشبع ولا يغني من جوع، واقتحامات متكرّرة للزنزانة وضرب وإهانات وصراخ لا ينقطع. كانوا ينقلونني من سجن إلى سجن، وكل انتقال يعني إعادة شريط العذاب".

لقست نفسي من أخبار العذاب، فأردتُ أن أسوق الحديث إلى ذكرى مختلفة، فقلت: على ذكر الطوفان، كيف استقبلتم وقوعه في الساعات الأولى؟

"كنا في سجن رامون – قسم 4. فجأة أحسسنا بشيء يحدث؛ صواريخ، حركة غير مألوفة، ارتباك لدى السجّانين. لم نكن نفهم ما يحدث. تساءلنا: هل اغتالوا أحدا؟ هل وقع حدث كبير؟".

بعد ساعة أو اثنتين اتّضح الأمر:

"اتضح أن القسام هاجم مواقع الاحتلال، وأن شيئا غير مسبوق يحدث. اختلطت عندي مشاعر متناقضة: دهشة وذهول، مفاجأة كاملة، شعور بالفخر، ومع ذلك رهبة حقيقية من السؤال: وماذا بعد؟ كنا نعرف أن الضربة كبيرة جدا، وأن إسرائيل سترد بكل ما لديها. عموما، الناس تعاملت معه بمزيج من الفخر والمفاجأة. أمّا أنا، بحكم متابعتي الدائمة للإعلام العبري واطلاعي على ما كان يجري في المجتمع الإسرائيلي عام 2023 من انقسام حادّ، قرأت الحدث بطريقة مختلفة قليلا".

يروي جملة قالها لزميله في اللحظة الأولى:

"قلت له: اللهم كما كانت البداية قوية، أسأل الله أن تكون النهاية بالقوة نفسها. من اللحظة الأولى لم أنظر فقط إلى المشهد الآني، بل إلى نهاية الحدث ومساره البعيد. دعوت أن تكون الخاتمة بمستوى البداية الأولى".

ثم أخذ يتحدث عن اختلافه في تقدير وحدة الساحات:

"لو سُئلت قبل الطوفان، لما توقعت تدخلا مباشرا من إيران، ولا تحركا واسعا في الضفة والداخل. ذاكرتنا قريبة: في سيف القدس 2021 توحّد الناس في لحظة، لكنها كانت ذروة من الذروات لا قاعدة ثابتة. الضفة لم تكن مهيّأة بالكامل. وعندما يقع حدث ضخم جدا، تتكلم فيه الطائرات والمدفعية، تسكت الحجارة والمولوتوف؛ الضخامة تشلّ أطرافا كان يمكن أن تتحرك في ظروف أقل حدّة".


*

هل يمكن أن تتخذ مثل ذلك القرار؟

"قرار بهذا الحجم تتخذه قيادات كبرى من وزن أبو إبراهيم يحيى السنوار وأبو خالد محمد الضيف، وهؤلاء أصحاب تجارب ضخمة ومسؤوليات ثقيلة. أنا كنت في السجن، ولا أملك المعطيات الأمنية والعسكرية والسياسية التي يملكونها. ما أعلمه أن نِيَّاتهم كانت كبيرة ونبيلة، وأهدافهم عالية. كانوا يتوقعون -كما فهمنا- دخول الضفة، أو تحرُّكا جادا من إيران أو حزب الله. تردد هذه الأطراف غيّر مسار المعركة".

ثم يواصل رافضا أن يُحاكم التاريخ بعين اللحظة:

"على كل حال، لا يجوز الحكم على أحداث تاريخية من هذا الحجم بعد ستة أشهر أو سنة أو سنتين. الثورة الفرنسية احتاجت مئة عام حتى استقر المؤرخون على قراءة متماسكة لتداعياتها. الطوفان سيترك أثرا فكريا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا عميقا على الجميع، وهذا الأثر لن يُفهم بالكامل في المدى القصير".

الأسرى المحرَّرون وقود المراحل الجديدة

ما دمنا نحتاج إلى وقت أطول لتقييم الحدث، فدعنا ننشغل بحاضر المقاومة اليوم، التي تبدو أنها تمر بلحظات مفصلية في مسيرتها، كيف ترى مستقبل الحركة وما موقع المحررين منه؟

"في 1997، حين خرج الشيخ أحمد ياسين، بدأ طور جديد من الإحياء الديني في غزة. في 2000، خرج الشيخ صلاح شحادة، وبدأت الانتفاضة الثانية. في 2006، حين حاولوا إدخال الحركة في لعبة سياسية، ذهب الجناح العسكري وأسر شاليط، وفتح ملف الأسرى من جديد. في 2011، حين خرج يحيى السنوار، تغيّرت معادلات داخلية وخارجية في مسار المقاومة".

يعدّد الأسماء كما لو أنه يفرش خريطة زمنية:

"جرت العادة أن يُجدِّد المحررون حركة المقاومة. قديما قاد الشيخ أحمد ياسين النضال بعد الاعتقال، كما قاده قبل سجنه. لكن المثال الأبرز اليوم هو الشهيد صالح العاروري الذي خرج من السجن فأصبح قائد الضفة ونائب رئيس المكتب السياسي، وكذلك أبو إبراهيم السنوار الذي خرج وأصبح رقما صعبا في المعادلة.

من هنا تأتي رسالتنا اليوم بوصفنا أسرى محرَّرين، نفهم المعادلات وندرك حجم الضغط. وحركتنا حركة كبيرة وعريقة، فيها خلافات في وجهات النظر، وهذا طبيعي. ونحن مُستفرغون لوسعنا ألا تُفسِد هذه الخلافات الودّ، فهذا جزء من تربيتنا ومنهجنا الإسلامي".

قلت له: ولكن الضغوط قد تزيد على قدرة الحركة في التماسك.

"الخلاف والهوى ليسا أمرا جديدا على التجربة الإسلامية؛ في زمن النبي ﷺ نفسه ظهرت مظاهر نفاق وأهواء. فحركة تضم مئات الآلاف من الطبيعي أن تظهر فيها مصالح وأهواء، لكن واجبنا ألا نسمح لهذه الأهواء أن تتحكم في مصير الحركة".

هذا كلام عام، دعني أطرح عليك السؤال الصحفي الذي يحوم غبارُه من تقليديّته، لكني مضطر إلى طرحه في هذا الوقت: ما أولوياتكم؟

"وحدة الحركة، ومنع سيطرة أصحاب الأهواء عليها، والحفاظ على بوصلتها الجهادية".

بعد سكتة خفيفة أضاف:
"غزة اليوم، ولملمة جراحها، أولوية أولى لنا جميعا. لا يمكن أن نتحدث عن ترتيبات داخلية وننسى أن غزة دفعت دما ودمارا لا يُقاس، وأن صمودها كان سببا في حفظ كرامتنا شعبًا وأمةً".

ثم يحدّد ثلاثة مسارات محتملة:
"منطقيا هناك ثلاثة مسارات:

بقاء الوضع كما هو: قيادة واحدة، شكل ليس الأمثل لكنه يحافظ على الوحدة. وليس هو الخيار الأفضل.

توافُق على تغيير داخل إطار الوحدة: يعاد فيها توزيع الأدوار وتُطوَّر آليات اتخاذ القرار. إجراء انتخابات تنظيمية تُجدَّد من خلالها الشرعية في إطار الوحدة".

قاطعته: ومسار انقسام الحركة؟

"هذا ليس ضمن خياراتنا أصلا، ولن نسمح به. مَن يحاول شقّ الحركة سيكون مرفوضا من الجميع، أيًّا كان. هذه حركة الشهداء والمجاهدين، ولا يوجد إنسان مخلص يفكر في شقّها".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا