أفضت المفاوضات "السورية-الإسرائيلية" في باريس إلى إطلاق "آلية اتصال مشتركة" بين الجانبين على نحو تجاوز الترتيبات الأمنية الكلاسيكية بين بلدين يعيشان حالة خصومة معلنة.
وتحولت العلاقات إلى نوع من التعاون الاستخباراتي والدبلوماسي والاقتصادي على نحو فاق التوقعات أقله في المرحلة الحالية التي تنتهك فيها إسرائيل الأراضي السورية على مدار الساعة.
وفي كلا الحالين يجمع المراقبون على أن إسرائيل قد نجحت في مد ذراعها الأمنية داخل العمق السوري وبشكل رسمي هذه المرة.
اتفاق الضرورة:
يرى المحلل السياسي سميح الفاضل أن الوصول إلى ما يشبه اتفاقاً أمنيا بين سوريا وإسرائيل برعاية أمريكية كان حاجة ملحة لجميع الأطراف وهو سيسهم في خفض التصعيد الذي تمتهنه إسرائيل يومياً في سوريا من خلال إلزام تل أبيب بالنواهي الأمريكية التي تكبح من جماح توسعها وتعد لترتيبات أمنية وجدول زمني يشرع في العودة إلى ما كانت عليه الأمور فبل الثامن من ديسمبر للعام 2024 .
وفي حديثه لـRT أشار الفاضل إلى أن وقف التصعيد الإسرائيلي في سوريا ولو ضمن حدوده الدنيا سيمنح الحكومة السورية الفرصة المناسبة لضبط إيقاع الوضع الداخلي على نغمة الهدوء والركون لسلطة الدولة دون إسقاط للسيادة الوطنية في التعامل مع إسرائيل التي ستتكفل واشنطن في ثنيها عن مشاريعها التوسعية ربطا بالتصريحات الأمريكية التي ما فتأت تمدح بالموقف السوري وحنكة الرئيس أحمد الشرع في التعامل مع الغطرسة الإسرائيلية.
وأعرب المحلل السياسي عن قناعته بأن الشروع في عملية استتباب الأمن في حلب واستئصال الوجود الانفصالي في حيي الأشرفية والشيخ مقصود ما كان له أن يكون لولا هذا الاتفاق الأمني الذي كشف عن وجه إسرائيل المتباكي على الأكراد في حين انها دولة لا تسعى إلا إلى مصالحها ولو احترق السوريين جميعاً بنار الحرب الأهلية وهو أمر يقول الفاضل بأنه يجب على "الأخوة الأكراد" فهمه وشكر الحكومة السورية على تسهيل عملية الفهم هذه حين ساهمت في كشف نظرة إسرائيل الحقيقية لكل المكونات السورية من خلال امتناعها عن التحرك لمساعدة الأكراد كما كان يتوقع هؤلاء واكتفاء وزير خارجيتها بتصريحات بائسة تتباكى عليهم.
وختم المحلل السياسي حديثه لموقعنا بالإشارة إلى أن حالة التعقل هذه ستنسحب كذلك على الدروز في السويداء والعلويين في الساحل بحيث سيشعر هؤلاء بأن الدولة هي مرجعية الجميع وسبيلهم الوحيد للتعايش ضمن منظومة قيمية يحكمها القانون.
خطوة لها ما بعدها:
المفكر السوري لؤي خليل شدد من جانبه على ضرورة التركيز على الحضور الدبلوماسي السوري الرفيع في تفاهمات باريس ممثلاً بوزير الخارجية أسعد الشيباني في الوقت الذي كان السفير الإسرائيلي في واشنطن يقود وفد بلاده الأمر الذي يدفع باتجاه التأكيد على التناغم الإسرائيلي الأمريكي فيما يخص العلاقة مع دمشق مشيراً إلى أن جولة المباحثات هذه جاءت نتيجة قمة فلوريدا بين ترامب ونتنياهو والتي اقتنع فيها هذا الأخير بأن السوريين مستعدون لتقديم تنازلات غير مسبوقة تهدف لطمأنة الجانب الإسرائيلي مقابل وقف التصعيد العسكري ضدهم.
وفي حديثه لـRT لفت خليل إلى أن الإتفاق أفضى إلى تنسيق أمني شامل وتبادل معلومات استخباراتية الأمر الذي يجعله متقدماً على المرحلة الحالية في العلاقة بين البلدين والتي تفترض أن التنسيق سيكون تقليدياً وفي حدوده الدنيا فيما الحقيقة أن حديث البيان الختامي في مباحثات باريس عن إنشاء مركز لتبادل المعلومات الاستخباراتية وعن ضرورة الوصول إلى حالة الإزدهار المتبادل توحي بأن مسار التطبيع بين البلدين قد وصل إلى محطته الأخيرة وأن دخول سوريا في نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية بات مسألة وقت ولا يحتاج لاكثر من تحويل الاتفاقيات.
الاقتصادية والدبلوماسية إلى واقع ملموس:
وشكك المحلل السياسي في إمكانية انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي احتلتها بعد الثامن من ديسمبر وخصوصا في مرتفعات جبل الشيخ الحاكمة والتي أعلن الإسرائيليون صراحة عن تمسكهم بها تحت أي عنوان مشيراً إلى أن الالتفاف على هذا الموضوع سيكون من خلال الحديث عن منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري لكنها عامرة بالمشاريع الاقتصادية التي سيعود ريعها على السوريين ووفق ما يبدو فإن دمشق ستلجأ إليه كأسلوب للتغطية على العجز الميداني والسياسي في مواجهة إسرائيل وفق ما يقول.
وختم المحلل السياسي حديثه لموقعنا بالإشارة إلى أن أحداً لا يطالب الحكومة السورية الآن بمواجهة إسرائيل عسكرياً نتيجة اختلال موازين القوى لمصلحة هذه الأخيرة لكن المواجهة السياسية والدبلوماسية تحتاج إلى مشاركة كل الأطراف في حكم سوريا بعيداً عن حالة الإقصاء التي تمارسها السلطات اليوم والتي تعتقد أن تحييد الداخل بالقوة سيكون نتيجة طبيعية لتحييد إسرائيل بإعطائها كل ما تريد وما يجري في حلب اليوم وما جرى قبله في السويداء نتيجة طبيعية لهذه السياسة.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم