تتسارع التطورات في اليمن مع تفاقم الأزمة في الجنوب، وسط صراع مفتوح على النفوذ بين الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، في مؤشر على تصدع تحالف دولي إقليمي واسع في الحرب اليمنية.
اتهم التحالف الذي تقوده السعودية الإمارات بمساعدة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي على الفرار من اليمن بعد أن اختفى عن محادثات أزمة كانت مقررة في الرياض، غداة إقالته من مجلس القيادة الرئاسي وتوجيه تهمة الخيانة له، في تصعيد جديد للخلاف بين الرياض وأبوظبي.
وتتضارب الروايات حول مكان الزبيدي. المجلس الانتقالي يؤكد أنه في عدن يشرف على العمليات العسكرية والأمنية، في حين تقول الرياض إن الزبيدي غادر البلاد عبر الصومال إلى أبوظبي بمساعدة الإمارات.
الأحداث ترافقها ضربات جوية نفذها التحالف السعودي في جنوب اليمن استهدفت مواقع للمجلس الانتقالي، خصوصاً في محافظة الضالع، في سياق محاولات الحكومة اليمنية استعادة السيطرة على مناطق كانت تحت سيطرة الانفصاليين.
المجلس الانتقالي الجنوبي يرفض الخطوات السعودية ويؤكد صموده، في ظل دعوات لاستفتاء على استقلال الجنوب خلال سنتين.
ويشهد اليمن منذ سنوات حرباً أهلية بدأت بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، وتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية عام 2015 للقتال ضد الحوثيين، بينما لعبت الإمارات دوراً بارزاً في دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتحالفاته العسكرية.
وقد عرف اليمن تاريخاً طويلاً من عدم الاستقرار، في ظل حروب أهلية وصراعات نفوذ تداخلت فيها العوامل العشائرية والمناطقية والحزبية. ولم تستقر أي خارطة للانقسام السياسي ـ الجغرافي منذ انتهاء الاستعمار البريطاني في جنوب البلاد وسقوط النظام الملكي في شمالها. فما أبرز الأسئلة المطروحة اليوم لفهم طبيعة الصراع الدائر في اليمن؟
في أبريل/نيسان 2022، أعلن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي نقل صلاحياته الرئاسية إلى "مجلس القيادة الرئاسي"، وهو مجلس قيادي يتألف من ثمانية أعضاء برئاسة رشاد العليمي، وذلك "لاستكمال تنفيذ مهام المرحلة الانتقالية"، وفق القرار الرئاسي.
وجاء تشكيل المجلس عقب مشاورات يمنية عقدت في الرياض، في إطار دعم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة لإحياء المسار السياسي وإنهاء الحرب الأهلية.
ويتولى مجلس القيادة الرئاسي إدارة شؤون الدولة سياسياً وعسكرياً وأمنياً خلال المرحلة الانتقالية، كما كُلّف بالتفاوض مع جماعة الحوثي للتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في مختلف أنحاء اليمن، والعمل على التمهيد لحل سياسي نهائي وشامل.
وبموجب القرار، يتولى رئيس المجلس القيادة العليا للقوات المسلحة، وتمثيل اليمن في الداخل والخارج، وإعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة وفقاً للدستور والقانون، ما لم يعترض على ذلك ثلثا أعضاء المجلس.
رشاد العليمي هو رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن منذ تشكيله في أبريل/نيسان 2022، بعد أن نقل الرئيس عبد ربه منصور هادي صلاحياته إلى المجلس. وكان العليمي قد شغل سابقاً منصب مستشار رئيس الجمهورية عام 2014.
بدأ نشاطه السياسي في سن مبكرة من بوابة التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري.
ولد العليمي عام 1954 في قرية بمحافظة تعز، وتلقى تعليمه الأولي على يد والده، القاضي محمد بن علي العليمي، قبل أن يكمل دراسته الثانوية في العاصمة صنعاء. لاحقاً، حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة عين شمس في مصر عام 1988.
وشغل العليمي عدداً من المناصب الإدارية والأمنية منذ ثمانينيات القرن الماضي، من أبرزها وزير الداخلية عام 2001، ثم رئيس اللجنة الأمنية العليا ونائب رئيس الوزراء عام 2006. وفي عام 2008، تولى منصب نائب رئيس الوزراء ووزير شؤون الدفاع والأمن، إضافة إلى منصب وزير الإدارة المحلية.
أصيب في تفجير مسجد النهدين بدار الرئاسة عام 2011، الذي استهدف الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح وعدداً من كبار المسؤولين أثناء أدائهم صلاة الجمعة. وتلقى العلاج في السعودية وألمانيا قبل أن يتعافى من إصابته.
وعقب تحالف علي عبد الله صالح مع جماعة الحوثي، غادر العليمي اليمن إلى السعودية. وكان عضواً في حزب المؤتمر الشعبي العام الذي أسسه صالح، كما شارك في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد بعد انتفاضة عام 2011.
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي في 11 مايو/أيار 2017، بإعلان من سياسيين وشخصيات قبلية وعسكرية في مدينة عدن.
وأعلن حينها عيدروس الزبيدي، محافظ عدن السابق، في كلمة بثها التلفزيون المحلي، وإلى جانبه علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة، عن تشكيل كيان سياسي حمل اسم "هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي"، برئاسته.
وقال الزبيدي إن الهيئة، التي ضمّت 26 عضواً، من بينهم محافظو خمس محافظات جنوبية ووزيران في الحكومة اليمنية آنذاك، ستتولى إدارة وتمثيل المحافظات الجنوبية داخلياً وخارجياً.
ونصّ القرار التأسيسي للمجلس، في مادته الثالثة، على استمرار الجنوب في الشراكة مع التحالف العربي، ووفق ما جاء في نص القرار، في مواجهة ما وصفه بـ"المد الإيراني" في المنطقة، إضافة إلى الشراكة مع المجتمع الدولي في الحرب على الإرهاب.
في المقابل، أعلنت حكومة الرئيس اليمني آنذاك عبد ربه منصور هادي رفضها تشكيل المجلس، مؤكدة في بيان رسمي صدر عقب اجتماع لهادي مع مستشاريه في الرياض رفضها "رفضاً قاطعاً" لهذا الكيان.
وكان هادي قد أصدر، في أواخر أبريل/نيسان 2017، قراراً بإقالة الزبيدي من منصب محافظ عدن، ما أثار احتجاجات واسعة في عدد من المحافظات الجنوبية.
ويتبنى المجلس الانتقالي الجنوبي مشروع إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن، على غرار الوضع القائم قبل تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990.
وفي ضوء تطورات عسكرية وأمنية لاحقة، ولا سيما في حضرموت، أعلن المجلس وثائق وخطوات سياسية وصفها بأنها مرحلة انتقالية تمتد لسنتين، بما في ذلك ما سماه "إعلاناً دستورياً"، في إطار رؤيته لإقامة دولة في الجنوب، دون أن تحظى هذه الخطوات باعتراف داخلي أو دولي.
هو رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي منذ تأسيسه عام 2017، وأحد أبرز قادة التيار الانفصالي في جنوب اليمن.
عينه الرئيس اليمني آنذاك عبد ربه منصور هادي محافظاً لعدن في أواخر عام 2015، عقب اغتيال المحافظ جعفر محمد سعد، قبل أن يقيله من منصبه في أبريل/نيسان 2017، في قرار شكل نقطة تحول في مسيرته السياسية.
برز اسم الزبيدي مبكراً في الحراك الجنوبي. ففي عام 2011، أعلن عودة النشاط المسلح لما عرف بـ"حركة تقرير المصير" في جنوب اليمن. وفي مطلع عام 2014، أسس ما سمي بـ"المقاومة الجنوبية"، التي أعلنت انطلاقتها ببيان بثته قناة تلفزيونية مرتبطة بالحراك الجنوبي، يملكها الرئيس الجنوبي الأسبق علي سالم البيض.
شارك الزبيدي في القتال ضد قوات الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وجماعة الحوثي في محافظات الضالع ولحج وعدن، خلال مراحل مختلفة من الصراع.
ولد عيدروس قاسم الزبيدي عام 1967 في محافظة الضالع جنوبي اليمن. درس في كلية الطيران وتخرج برتبة ضابط، وعمل في الدفاع الجوي والقوات الخاصة حتى اندلاع حرب 1994 بين الشمال والجنوب. وخلال تلك الحرب، قاتل إلى جانب القوات المطالبة بانفصال الجنوب، قبل أن يغادر اليمن إلى جيبوتي عقب فشل المشروع الانفصالي.
عاد الزبيدي إلى اليمن عام 1996، وأسس لاحقاً "حركة تقرير المصير"، التي تبنت العمل المسلح ضد القوات الحكومية في الجنوب. وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام، قبل أن يشمله عفو رئاسي أصدره علي عبد الله صالح عام 2000.
بعد ذلك، تراجع الزبيدي عن العمل العسكري، واتجه إلى النشاط السياسي ضمن قوى "اللقاء المشترك"، قبل أن يصبح لاحقاً أحد أبرز رموز الحراك الجنوبي، الذي انطلق عام 2007 مطالباً بانفصال الجنوب وإحياء دولة "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" التي انتهت مع تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990.
تدعم السعودية مجلس القيادة الرئاسي الحالي برئاسة رشاد العليمي. ومنذ اندلاع النزاع مع جماعة الحوثي، ساندت المملكة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، واستضافتها في الرياض بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء.
وقادت السعودية العمليات العسكرية للتحالف منذ عام 2015، وتحملت العبء الأكبر في مواجهة الهجمات العابرة للحدود، إذ تعرضت خلال سنوات الحرب لمئات الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
وأكدت المملكة، في أكثر من مناسبة، تمسكها بوحدة اليمن وسيادته، مع إقرارها بخصوصية القضية الجنوبية وضرورة معالجتها في إطار حوار وطني شامل.
كما رعت مبادرات سلام، من أبرزها اتفاق الرياض عام 2019، الذي نص على تقاسم السلطة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بانفصال جنوب البلاد عن شمالها.
دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي منذ تأسيسه، رغم معارضة الرئيس اليمني آنذاك عبد ربه منصور هادي وحكومته المدعومة من السعودية عام 2017.
وكانت الإمارات قد نشرت قواتها في جنوب اليمن مع انطلاق عملية "عاصفة الحزم" عام 2015، ولعبت دوراً بارزاً في طرد جماعة الحوثي من عدد من مناطق الجنوب.
وسّعت أبوظبي نفوذها في الجنوب، وعلى الرغم من إعلانها سحب قواتها المقاتلة عام 2019، فإنها حافظت على حضورها من خلال دعم شبكة من القوات المحلية الحليفة لها، ما مكّنها من بسط نفوذها على مناطق استراتيجية، من بينها عدن، وموانئ ساحلية، وجزيرة سقطرى.
وفي سياق متصل، كشف تحقيق استقصائي لبي بي سي عن تورّط دولة الإمارات في تمويل عمليات اغتيال بدوافع سياسية في اليمن، وهو ما ساهم، بحسب التحقيق، في تعقيد النزاع بين الفصائل المتناحرة، التي عادت إلى واجهة الاهتمام الدولي على خلفية التوترات في البحر الأحمر.
في المقابل، نفت حكومة دولة الإمارات تلك المزاعم، واعتبرت أن ما ورد في التحقيق غير صحيح، مؤكدة أنها لا تستهدف أشخاصاً لا صلة لهم بالإرهاب، وأن هذه الاتهامات لا تستند إلى أساس.
في كانون الأول/ديسمبر 2025، شن المجلس الانتقالي الجنوبي عملية عسكرية امتدت إلى المحافظات الشرقية، ولا سيما حضرموت والمهرة، وسيطر خلالها على منشآت حيوية ومعسكرات عسكرية.
واعتبر هذا التحرك تصعيداً خطيراً، إذ وسع نفوذ المجلس الانتقالي إلى مناطق محاذية للحدود السعودية والعمانية، بما مثل تحدياً مباشراً لنفوذ الرياض ومصالحها الأمنية.
وردت السعودية بخطوات حازمة، إذ أصدرت وزارة خارجيتها بياناً نددت فيه بما وصفته بـ"ضغط دولة الإمارات الشقيقة على قوات المجلس الانتقالي للتمرد والتصعيد عسكرياً قرب الحدود الجنوبية للمملكة"، معتبرة أن هذه الخطوات "بالغة الخطورة" وتشكل تهديداً للأمن الوطني السعودي لا يمكن التهاون معه.
وفي هذا السياق، نفذ التحالف بقيادة السعودية ضربة جوية محدودة استهدفت ميناء المكلا في حضرموت، بعد رصد سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي، قالت الرياض إنهما أفرغتا أسلحة ومركبات عسكرية دعماً لقوات المجلس الانتقالي من دون تنسيق مسبق.
وأكدت السعودية أن الضربة دمرت المعدات المستهدفة من دون وقوع أضرار جانبية أو إصابات، لكنها حملت رسالة واضحة بشأن استعداد المملكة للتصدي عسكرياً لأي دعم خارجي للفصائل المناوئة لها داخل اليمن.
وبالتزامن، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي تعليق الترتيبات والاتفاقات الدفاعية مع الإمارات، مطالباً بانسحاب جميع القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، كما أعلن فرض حالة طوارئ وحظراً مؤقتاً على المنافذ للسيطرة على الوضع الأمني.
من جانبها، أعلنت دولة الإمارات إنهاء وجودها العسكري في اليمن، مؤكدة، في بيان لوزارة الدفاع، أن قواتها أنهت مهامها العسكرية هناك عام 2019 بعد استكمال الأهداف المحددة ضمن الأطر الرسمية المتفق عليها. وأضاف البيان أن ما تبقى من وجود اقتصر على فرق متخصصة في مكافحة الإرهاب، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين.
وأوضح البيان الإماراتي أنه، "نظراً للتطورات الأخيرة وما قد يترتب عليها من تداعيات على سلامة وفاعلية مهام مكافحة الإرهاب"، قررت وزارة الدفاع إنهاء ما تبقى من هذه الفرق في اليمن، بما يضمن سلامة عناصرها وبالتنسيق مع الشركاء المعنيين.
في المقابل، رفض المجلس الانتقالي الجنوبي، الحليف للإمارات، الانسحاب من حضرموت والمهرة، مؤكداً تمسكه بمواصلة ما وصفه بـ"استعادة دولة الجنوب"، في تحد مباشر للتحذيرات السعودية.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة