صنعاء- أثارت القرارات الأخيرة التي أصدرها رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن رشاد العليمي، أصداءً واسعة على المستوى المحلي والإقليمي، لا سيما أن هذه القرارات والإجراءات الرئاسية، قد حظيت بتأييد فوري من قبل المملكة العربية السعودية قائدة التحالف العربي الداعم للشرعية.
وسارعت الرياض للإعلان عن تأييدها، ومطالبة الإمارات بالاستجابة السريعة لها، ومغادرة اليمن فورا قبل انتهاء مهلة الـ24 ساعة التي حددها لها قرار الرئيس العليمي، الأمر الذي اضطر أبو ظبي للاستجابة والإعلان بعد ساعات من قرار العليمي عن إنهاء ما بقي من وجودها العسكري في اليمن.
غير أن معارضي حكومة الشرعية أثاروا انتقادات وشكوكا قانونية حول مدى دستورية بعض الإجراءات، وما إذا كانت هذه القرارات تتجاوز صلاحيات الرئيس أو تتطلب آليات مؤسسية إضافية.
أحدثت قرارات العليمي الأخيرة خلافا داخل مجلس القيادة الرئاسي الحاكم الذي انقسم إلى فريقين، أحدهما يضم رئيس المجلس رشاد العليمي ومعه ثلاثة من أعضائه السبعة، هم سلطان العرادة، وعبد الله العليمي، وعثمان مجلي.
بينما أعلن الأربعة الباقون، وهم عيدروس الزبيدي، وعبد الرحمن المحرمي، وفرج البحسني، وطارق صالح، في بيان مشترك، رفضهم قرارات العليمي المتعلقة بإعلان حالة الطوارئ وإنهاء الوجود العسكري الإماراتي.
وطعن الأعضاء الأربعة في قرارات العليمي بدعوى أن "ما صدر عن رئيس مجلس القيادة يُعد مخالفة صريحة لإعلان نقل السلطة، وتفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، وتُحمّل من أصدرها المسؤولية الكاملة عن ما يترتب عليها من تداعيات".
ويرى الناشط الحقوقي والخبير القانوني طارق الأمين أن "قرارات العليمي الأحادية تنتهك مبدأ العمل الجماعي لمجلس القيادة الرئاسي"، مشيرا إلى أن إطار عمله -كما أُنشئ بعد إعلان نقل السلطة في عام 2022- "يقوم على اتخاذ القرارات بالاتفاق أو الإجماع بين أعضاء المجلس، أو وفقا لنظام داخلي واضح يحدد آليات اتخاذ القرار".
ولذلك فإن "هذه القرارات الأخيرة قد اتُّخذت من جانب واحد من قبل رئيس المجلس، دون اتفاق واضح أو نشر لموقف الأغلبية، ما يُعد انتهاكا صريحا لهذه الآليات" حسب قوله. و"هذا ما أعلنه أربعة من أعضاء المجلس وصفوا هذه القرارات بأنها خرق للاتفاق الحاكم للمجلس، وعدم احترام للدستور المؤقت أو المرجعيات الانتقالية".
ويؤكد الأمين للجزيرة نت أن "أية إجراءات فردية أو أحادية، بما فيها إعلان حالة الطوارئ أو إنهاء اتفاقيات كبرى، تعد غير قانونية وتخالف المبادئ الدستورية المتعارف عليها خلال المرحلة الانتقالية، ما لم تتوافق مع هذه المرجعيات".
ويحذّر من أن "اتخاذ القرارات السيادية بأوامر فردية يعزز من التوترات، ويضعف سيادة القانون والمؤسسات، ويفتح الباب أمام تحديات جديدة، قد تُستخدم لاحقًا للطعن في هذه القرارات أمام جهات قضائية أو تحدث ردّ فعل سياسي واسعا" حسب قوله.
في 7 أبريل/نيسان 2022، أعلن الرئيس اليمني آنذاك عبد ربه منصور هادي نقل كامل صلاحياته وصلاحيات نائب الرئيس إلى هيئة جديدة تسمى "مجلس القيادة الرئاسي"، وتم تعيين رشاد العليمي رئيسا للمجلس ومعه 7 أعضاء جميعهم بدرجة نواب للرئيس.
وتضمّن الإعلان يومها نقل جميع سلطات الرئيس التنفيذية والسيادية إلى هذا المجلس، وفي مقدمتها إدارة الدولة سياسيا وعسكريا وأمنيا خلال المرحلة الانتقالية، واعتماد السياسة الخارجية، وقيادة القوات المسلحة، وتمثيل الدولة داخليا وخارجيًّا، وإعلان الطوارئ والتحرك العسكري، وتعيين القضاة ورئيس وأعضاء الحكومة والمحافظات والسفراء وغير ذلك.
وهذا ما ذهب إليه المحامي والخبير القانوني علي هزازي، الذي يجزم بأن رشاد العليمي "هو الخليفة الدستوري لرئيس الجمهورية والمفوض بكامل صلاحياته دون استثناء، وفق ما نصت عليه المادتان (1/أ) و (1/ز) من إعلان عبد ربه منصور هادي".
وفي حديثه للجزيرة نت، يؤكد هزازي، الذي يشغل منصب رئيس دائرة حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني بمكتب رئاسة الجمهورية، أن "الصلاحيات التي منحت لرئيس مجلس القيادة الرئاسي ليست شكلية، بل تمثل جوهر السيادة التنفيذية للدولة خلال المرحلة الانتقالية".
يوضح هزازي أن "الأصوات المشكّكة بدستورية القرارات الصادرة عن رئيس مجلس القيادة بنت حجتها على قاعدة عامة، وهي أن مجلس القيادة الرئاسي يعد هيئة جماعية توافقية، ولا يجوز التفرد بالقرار".
لكنه يؤكد عدم صحة هذه الحجة "لأن إعلان نقل السلطة لعام 2022 نص صراحة على الاختصاصات الحصرية لرئيس مجلس القيادة الرئاسي منفردا، وهي المنصوص عليها في المادة (1/ز) من الإعلان".
ومن بين هذه الاختصاصات:
ولا يبتعد هذا التفسير كثيرًا عن ما يراه المحامي والخبير القانوني أمين الخديري، الذي يؤكد كذلك أن النص القانوني لإعلان نقل السلطة يشير بوضوح إلى أن السلطة التنفيذية العليا أصبحت مجلسًا جماعيًّا، وأنه تم نقل هذه الصلاحيات بإرادة الرئيس السابق هادي، استنادًا إلى الدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.
ويقول الخديري للجزيرة نت إن "العليمي ليس مجرد رئيس هيئة استشارية، بل يمتلك صلاحيات ومسؤوليات تنفيذية كاملة في إدارة شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية".
بدوره، انتقد الخبير القانوني وأستاذ القانون العام الدكتور صالح الصريمي، محاولات خصوم الحكومة الشرعية إثارة مسألة مشروعية القرارات الصادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي.
واعتبر الصريمي في حديثه للجزيرة نت أن "إثارة مسألة مشروعية هذه القرارات -في هذا الظرف تحديدا- تعد تحركا استباقيًّا للطعن في مشروعية قرارات قادمة يُتوقَّع صدورها قريبا، وعلى رأسها إقالة المسؤولين الذين أيّدوا أو تواطؤوا مع "تمرد" المجلس الانتقالي، إضافة إلى قرارات أخرى تصب في إصلاح مسار الشرعية، وتفكيك مراكز النفوذ الخارجة عن الدولة".
ويتساءل الصريمي "لماذا لم يتم الطعن في مئات القرارات التي صدرت عن الدكتور رشاد العليمي طوال أكثر من 4 سنوات"، ليضيف "هذا الانتقائية في الطعن تكشف بوضوح أن القضية ليست قانونية في جوهرها، وإنما سياسية وظيفية، تُستَخدم عند الحاجة لتعطيل قرارات بعينها، وليس لحماية الدستور أو النظام القانوني".
ونوه الصريمي إلى أن "المضي في هذا النهج، والطعن في مشروعية قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، قد يقود -من حيث لا يدرك البعض- إلى إعادة البلاد إلى مربع الرئيس عبد ربه منصور هادي، بوصفه الرئيس الشرعي الوحيد والمنتخب".
ودعا الخبير القانوني إلى "احترام منطق الدولة والتعامل مع القرارات السيادية بمعيار واحد، بعيدًا عن التوظيف السياسي، وإلا فإننا نكون أمام سابقة خطيرة تهدد ما تبقى من بنية الشرعية ومؤسساتها"، مؤكدًا أنه "من السهل العودة إلى هادي لاعتماد القرارات التي صدرت عن العليمي وتفويت الفرصة لمن يطعن في مشروعيتها".
أما المحامي والناشط الحقوقي عبد الرحمن برمان، فقد أشار إلى أن "قرار نقل السلطة في اليمن أعطى العليمي صلاحيات إدارة حالة الطوارئ وحماية سيادة ووحدة الدولة وتمثيل الدولة في الشؤون الخارجية، وهنا يبرز اسم العليمي بصفته رئيس مجلس القيادة الرئاسي بصلاحيات واسعة خصوصا في حالة الطوارئ".
ووصف برمان في حديثه للجزيرة نت إعلان الرئيس العليمي لحالة الطوارئ بأنه "قرار حكيم"، واعتبره "نقطة قانونية حاسمة، لكون حالة الطوارئ تعني قانونيا انتقال الدولة بأكملها إلى نظام استثنائي يسمح بتوسيع صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة -الذي هو الآن رشاد العليمي- ويمنحه صلاحية اتخاذ قرارات عاجلة وفردية لدرء أي خطر يداهم البلاد، دون الرجوع إلى المؤسسات الدستورية والقانونية، أو الجماعية".
وأكدّ أن "هذا الأمر مشروع في الفقه الدستوري ويُعمل به في كافة الدول الديمقراطية في حالات الطوارئ، ويجيز للرئيس اتخاذ القرارات السيادية لمواجهة أي خطر داهم أو تهديد لأمن وسيادة البلد دون أن يحتاج لانتظار التوافق حولها".
ونوّه برمان إلى أن "ثمة أسبابا مهمة جدا تعطي المشروعية الدستورية والقانونية للقرارات التي اتخذها رئيس المجلس الرئاسي، وأولها التحركات العسكرية الانفرادية التي قام بها عيدروس الزبيدي ومن معه من قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، بتحريك قوات عسكرية واجتياح المدن ومداهمة معسكرات حكومية كالمنطقة الأولى، وقتل جنود وضباط الجيش الوطني، ونهب مخازن السلاح في المعسكرات".
واعتبر الناشط الحقوقي أن هذه الأفعال تشكل تمردا مسلحا، وتهديدا مباشرا للنظام الدستوري وللوحدة الوطنية.
المصدر:
الجزيرة