في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ظل اعتداءات إسرائيل المتواصلة على الأراضي السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد، وكيْلِ التصريحات العدائية للإدارة السورية الجديدة وتهديدها صراحة بالتدخل في الجنوب السوري، تبرز التساؤلات عن دوافع تل أبيب وأهدافها من التصعيد الأخير.
فقد أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 23 فبراير/شباط الجاري تحذيرًا أشبه بإعلان حرب للإدارة الجديدة في دمشق، إذ قال "لن نسمح لقوات النظام السوري الجديد بالانتشار جنوب دمشق"، وطالب بإخلاء جنوبي سوريا من هذه القوات بشكل كامل.
وأكد نتنياهو أن إسرائيل "لن تتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية" في المنطقة، في خطوة تعكس نية للتدخل في الشأن السوري الداخلي، وسط تقارير تكشف عن مساع إسرائيل للعب على وتر التنوع الاجتماعي السوري لتكريس نوع من التقسيم يخدم مصالحها.
وتزامنت هذه التصريحات مع سلسلة هجمات واستهدافات عسكرية شنتها إسرائيل في ريف دمشق وجنوبي سوريا، في وقت تتجه فيه الأوضاع الإقليمية والدولية نحو إعادة ترتيب المشهد السوري بما يتجاوز إسقاط النظام السابق.
وفي هذا التقرير سنناقش السياقات المحلية والإقليمية للسلوك العدائي لإسرائيل تجاه الإدارة في دمشق، ودوافع هذا السلوك وأهداف تل أبيب في سوريا.
ولاحقا لتصريحات نتنياهو، شنت إسرائيل هجمات مساء الثلاثاء 25 فبراير/شباط الجاري على مواقع عسكرية في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة، كما توغلت برا في بلدات وقرى على الحدود الإدارية بين المحافظتين، في اعتداءات أكد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس في بيان أنها "جزء من السياسة الجديدة التي حددناها لإخلاء جنوب سوريا من السلاح، والرسالة واضحة: لن نسمح لجنوب سوريا أن يصبح جنوب لبنان"، وفق وكالة الأناضول.
وإثر تهديدات نتنياهو، تداعى سوريون في معظم المحافظات إلى التظاهر رفضا لهذه التهديدات، وشهدت درعا ودمشق والسويداء ذات الغالبية الدرزية وحمص وطرطوس وحلب مظاهرات عديدة استنكارا للاعتداءات الإسرائيلية.
بدا موقف إسرائيل متوجسا من البديل الجديد لنظام الأسد، حيث سارعت بالتزامن مع سقوطه إلى التوغل في الجنوب السوري واعتبار اتفاقية فض الاشتباك التي وقعت بين دمشق وتل أبيب عام 1974 لاغية بسبب التغيير السياسي الحاصل في دمشق.
ولم تكتف تل أبيب بالدخول إلى المنطقة العازلة، بل سيطرت على مرصد وقمة جبل الشيخ الإستراتيجية، وشنت 300 غارة جوية أدت إلى تدمير جل البنية التحتية العسكرية التي تركها النظام السوري ومستودعات السلاح والصواريخ الإستراتيجية ومراكز البحث العلمي والتصنيع العسكري.
تأتي السياسة الإسرائيلية العدائية ضد سوريا ضمن سياق محلي ودولي غاية في الحساسية، حيث تم الإعلان في اليوم نفسه الذي أطلق فيه نتنياهو تهديداته وتحدث فيه عن حماية إسرائيل لدروز سوريا، عن تشكيل مجلس عسكري لبعض فصائل السويداء التي كانت موالية للنظام السوري قبل سقوطه، وذلك بعيدا عن الجيش السوري الجديد قيد التشكيل.
كما جاء الإعلان عن المجلس متزامنا مع تحقيق خطوات مهمة في إنجاز بناء الجيش السوري الجديد، حيث تم تشكيل لجنة خاصة لترتيب دمج فصائل السويداء ودرعا والقنيطرة ضمن الجيش من خلال تشكيل 3 فرق عسكرية في الجنوب السوري.
كما تزامن التصعيد الإسرائيلي مع تقدم المفاوضات بين الإدارة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وعلى الصعيد الخارجي، تزامنت السياسة الإسرائيلية الجديدة مع حراك سياسي دولي وإقليمي يكرس الانفتاح على العهد الجديد في سوريا، وتقاطر الوفود الأوروبية والغربية على دمشق، وقرار الاتحاد الأوربي برفع جزئي للعقوبات الأوروبية عن سوريا.
ويأتي التصعيد الإسرائيلي مع ورود معلومات نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية عن نية الولايات المتحدة سحب قواتها من شمالي شرقي سوريا، وهو ما تعارضه إسرائيل.
ومن أجل تخفيف ممانعتها لهذا الانسحاب، فإن الولايات المتحدة تشترط على تركيا إعادة تطبيع علاقاتها مع تل أبيب ثمنا سياسيا مقابل هذه الخطوة، لأن هذا الانسحاب إن تمّ فإنه يعني تقوية النفوذ التركي في كامل سوريا.
يبدو أن تل أبيب كانت تتوقع أن تقف عملية ردع العدوان عند مدينة حمص، مما يفضي إلى تقسيم سوريا بين قوات المعارضة في الشمال، والنظام السوري الذي سيسيطر على الساحل ودمشق، مما يسمح لها بالدخول للجنوب السوري وإقامة حزام أمني في المحافظات الجنوبية.
لكن سقوط النظام مر بأسرع مما توقعه المسؤولون الإسرائيليون الذين باتوا يصرحون بشكل واضح بأن "سقوط الأسد لم يكن في صالح تل أبيب".
فرغم أن الحكومة السورية الجديدة أنهت نفوذ المحور الإيراني في سوريا الذي يفترض أنه يصب في صالح إسرائيل، وبإسقاطها النظام قطعت التواصل البري بين حزب الله اللبناني وطهران، فإن الخطاب العدائي والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية لم يتوقفا.
ولعل من أهم الدوافع للعداء هو أن دمشق رغم خروجها من المحور الإيراني، فإنها لا يبدو أنها ستكون جزءا من محور التطبيع الذي تقوده بعض الدول العربية، ولن تتنازل عن الجولان السوري، كما لن تتخلى عن دعم القضية الفلسطينية.
ومن دوافع العداء الإسرائيلي التخوف من تشكل محور تركي سوري ربما يشكل تهديدا للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، وهنا قد تجد تل أبيب أنها باتت محاطة بمحور شيعي من جهة، ومحور سني من جهة أخرى، وكلاهما سيئان بالنسبة لها.
وفي ضوء ذلك، لا ترى تل أبيب في الإدارة السورية الجديدة خطرا مباشرا عليها، خصوصا مع بلد مدمر وممزق ولا يمتلك تسليحا متطورا ولا بنية تحتية قوية، لكن الخطر هو من التموضع الجيوسياسي لسوريا تحت الإدارة الجديدة الذي قد ينتهي إلى تشكل محور إقليمي بقيادة تركيا لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية.
هذا الأمر سيدفع بتل أبيب لاستباق الأحداث بأخذ خطوات عدائية من خلال العزف على فكرة تحالف الأقليات والتغزل بالكرد السوريين والطائفة الدرزية بحجة أنهما في خطر من الحكومة العربية السنية التي تسيطر اليوم على دمشق.
رغم تأكيدات المسؤولين الإسرائيليين للصحافة العبرية أن بقاءهم في الأراضي التي تقدم إليها الجيش الإسرائيلي مؤقت، ويمكن أن ينتهي إذا تم الاتفاق على ترتيبات أمنية مع دمشق بضمانة تركية، فإن من الواضح أن تل أبيب تسير وفق مخطط يستهدف وحدة واستقرار سوريا ومنع المضي في مسار الانتقال السياسي، وهذا ما يتضح في محاولة إسرائيل إثارة النعرات الطائفية في سوريا وإعادة إنتاج النموذج العراقي بعد الاحتلال الأميركي لبغداد عام 2003 بإضعاف دور العراق من خلال تسعير الحرب الطائفية.
تطبيق هذا النموذج في سوريا قد يتمثل في تحويل المحافظات الثلاث في الجنوب السوري، درعا والقنيطرة والسويداء، إلى إقليم فدرالي لا تسيطر عليه دمشق تماما، بحيث يتحول هذا الإقليم إلى حزام أمني لحماية إسرائيل ومنع أي انتشار عسكري وأمني حكومي جنوب العاصمة دمشق.
كما تستهدف تل أبيب من خلال سلوكها العدواني والضغط على الولايات المتحدة منع رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، ودفع دمشق لإبرام اتفاق سلام وتطبيع ينتهي بالتنازل عن الجولان السوري المحتل كجزء من سياسة تصفية الحقوق العربية والفلسطينية، خصوصا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترفت بضم إسرائيل للجولان السوري، ناسفة بذلك كل قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة.
كما تسعى تل أبيب لتأسيس نفوذ طويل الأمد داخل سوريا من خلال التحالف مع بعض المكونات السورية بحجة حمايتها من خطر العرب السنة المزعوم.
رغم المخاوف الإسرائيلية من تشكل محور إقليمي مناهض لإسرائيل، تكون دمشق جزءا منه ومحاولة تل أبيب الاستثمار في الورقة الطائفية والإثنية لتفجير الوضع في سوريا وتحويلها إلى دولة ضعيفة، فإنها في الوقت نفسه تبدي حذرا من الاستثمار الأمني والعسكري في "قسد" لعدة أسباب أبرزها:
كما أن الأغلبية الوطنية من أهالي الجنوب السوري وأهالي السويداء بشكل خاص حسمت مواقفها، وحددت مصيرها المرتبط مع دمشق، ورفضت التدخلات الخارجية من خلال مظاهرات شعبية واسعة.
لذلك، يحاول المسؤولون الإسرائيليون تمرير مصالح تل أبيب الأمنية في سوريا عبر الولايات المتحدة، وربط الانسحاب الأميركي بتقديم تركيا ضمانات أمنية لإسرائيل من خلال نفوذها في سوريا، وإعادة تطبيع العلاقات معها مع تجنب أي انزلاق للفوضى داخل الأراضي السورية الذي من شأنه أن يسمح لإيران بإعادة بناء قواعد نفوذها هناك ومد طريق الإمداد من جديد نحو حزب الله في لبنان.
بالنسبة لدمشق، فمن المرجح ألا تقبل بأي ترتيب أمني جديد مع تل أبيب يسمح للجيش والمخابرات الإسرائيلية بأن يتدخلا في الجنوب السوري، ويجعل من المحافظات الجنوبية منطقة أمنية يمنع على الجيش السوري الانتشار فيها.
وستبقى دمشق متمسكة باتفاقية فض الاشتباك التي ألغتها تل أبيب من طرف واحد، والتي أكدت الأمم المتحدة أنها اتفاقية سارية المفعول، فالاتفاقيات توقع مع الدول وليس مع الأنظمة، ولا تلغى الاتفاقية بمجرد سقوط الأسد كما يصرح المسؤولون الإسرائيليون.
كما تبدو الحكومة السورية عازمة على استعادة توحيد سوريا ضمن توافق وطني سوري يقطع الطريق أمام أي محاولة من تل أبيب لاستهدف الوحدة الوطنية، وسحب ذرائع التدخل الخارجي، وبناء تحالفات إقليمية مع المحيط العربي وتركيا لمواجهة خطر التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية، وربما الذهاب إلى إبرام اتفاق دفاع مشترك مع تركيا وتوسيع الانتشار العسكري التركي على كافة الأراضي السورية.