في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ظل عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برزت مؤشرات على تقارب جديد بين الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما أثار قلقًا أوروبيًا بالغًا، لا سيما في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
يرى مراقبون أن أوكرانيا باتت بوابة ذهبية لهذا التقارب، إذ طرح ترامب خطة سلام لوقف النزاع، قوبلت برفض وتحفظ أوروبي واضح، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى جعل القارة العجوز مكشوفة أمام ما تعتبره "الأطماع الروسية".
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبّر عن موقف أوروبي واضح خلال لقائه مع ترامب، مشددًا على أن السلام لا يعني "استسلام أوكرانيا" أو "وقفًا لإطلاق النار دون ضمانات"، مؤكدًا أن سيادة كييف خط أحمر لا يمكن المساس به.
في المقابل، كانت تصريحات ترامب أكثر عملية، حيث أشار إلى أن الاتفاق مع أوكرانيا بات وشيكًا، مؤكدًا أن واشنطن أنفقت 350 مليار دولار في هذا النزاع، وهي الآن تريد استرداد أموالها.
فرنسا تلوّح بالقوة النووية.. رسالة ردع أم تصعيد؟
تحت وطأة التهديد الأميركي بسحب القوات من أوروبا، تسعى باريس إلى لعب دور قيادي في حماية الأمن الأوروبي، مستخدمة سلاحها النووي كورقة ضغط.
صحيفة "التليغراف" البريطانية كشفت أن فرنسا تدرس نشر مقاتلات حربية مزودة بأسلحة نووية في ألمانيا، وهو تطور غير مسبوق يعكس حجم المخاوف الفرنسية من تراجع الدور الأمريكي في القارة.
تصريحات ماكرون جاءت متناغمة مع هذه التوجهات، إذ أكد أن على أوروبا أن تتحمل مسؤولياتها الأمنية بشكل مستقل عن واشنطن.
فرنسا، التي تمتلك ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم بواقع 290 رأسًا نوويًا، خصصت منذ عام 2018 نحو 37 مليار يورو لتعزيز قدراتها النووية، في خطوة تعكس استراتيجية طويلة المدى لمواجهة التغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
أوروبا في حالة "طلاق استراتيجي" مع واشنطن
في هذا السياق، يرى رئيس تحرير موقع صوت الضفتين نزار الجليدي خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية أن العلاقة بين أوروبا وأميركا دخلت مرحلة "الطلاق الاستراتيجي"، مشيرًا إلى أن "أوروبا كانت مجرد تابع للولايات المتحدة، لكنها اليوم تجد نفسها خارج الحسابات الكبرى".
وأضاف: "ترامب قالها بصراحة: نريد استعادة أموالنا، بينما أوروبا تدفع فاتورة سياسية واقتصادية باهظة لهذا الولاء الأعمى".
يذهب الجليدي في حديثه إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن التصعيد الفرنسي لا يعدو كونه "محاولة يائسة لإيجاد موطئ قدم في معادلة القوى الجديدة"، مشيرًا إلى أن باريس تسعى للضغط على موسكو وواشنطن على حد سواء.
وقال: "الحديث عن توسيع المظلة النووية الفرنسية ليس سوى وسيلة ضغط لتحقيق ثلاثة أهداف: أولًا، إيجاد مكان لأوروبا في التفاوضات الروسية الأميركية، ثانيًا، إجبار بريطانيا على اتخاذ موقف مماثل، وثالثا، دفع روسيا إلى إعادة النظر في علاقاتها مع أوروبا".
الانعكاسات الاستراتيجية.. أوروبا أمام معادلة صعبة
يبدو أن القارة العجوز تواجه اليوم أحد أكبر تحدياتها الجيوسياسية منذ الحرب الباردة. فمع تعاظم التقارب الأميركي الروسي، تجد أوروبا نفسها أمام خيارين: إما قبول واقع جديد تكون فيه لاعبًا هامشيًا في القرارات الكبرى، أو السعي إلى تعزيز استقلالها الأمني، حتى لو كان ذلك عبر وسائل تصعيدية مثل التلويح بالقوة النووية.
لكن، وفقًا للجليدي، فإن أوروبا ليست في وضع يسمح لها بفرض رؤيتها الخاصة، حيث قال: "الاقتصاد الأوروبي يعاني، والخزائن فارغة، وألمانيا نفسها لم تعد قادرة على تحمل نفقات إضافية".
وأضاف: "الولايات المتحدة اليوم ترسم ملامح نظام عالمي جديد، فيما أوروبا تكتفي بردود الفعل المتأخرة، وهذا ما يدفعها إلى الهامش أكثر فأكثر".
نحو مستقبل مجهول.. حرب أم تسوية؟
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأكبر: هل نحن أمام مواجهة عسكرية شاملة، أم أن هناك تسوية محتملة تعيد التوازن إلى النظام العالمي؟.
المؤشرات الحالية توحي بأن أوروبا باتت الحلقة الأضعف في معادلة القوى الجديدة، فيما تستعد واشنطن وموسكو لرسم خريطة جديدة للعلاقات الدولية.
وفي انتظار ما ستؤول إليه الأيام القادمة، يبقى الثابت الوحيد أن النظام الدولي يشهد تحولات جذرية قد تعيد تشكيل ميزان القوى العالمي لعقود مقبلة.