في صيدا، حيث يفترض أن تبدأ ليالي الصيف مع غروب الشمس، تبدو بعض المقاهي والمطاعم أقل ازدحاما مما اعتاد عليه أصحابها. طاولات تنتظر زبائن لا يأتون بالأعداد المتوقعة، وحركة في الأسواق فقدت جزءا من زخمها، فيما يحاول أصحاب المؤسسات أن يجعلوا من كل زبون عائدا يساعدهم على تغطية نفقات تشغيل لم تنخفض مع تراجع المداخيل.
وفي بيروت، تبدو الصورة أكثر وضوحا في الفنادق والمطاعم. مؤسسات استعدت لصيف كان يفترض أن يواصل مسار التعافي الذي بدأ العام الماضي، فإذا بالموسم يصل متأخرا، مثقلا بتداعيات الحرب والقلق الأمني، قبل أن يفقد جزءا كبيرا من زخمه.
هكذا يمكن اختصار صيف السياحة اللبنانية في 2026: موسم تأخر انطلاقه، ثم اصطدم بالحرب، وانتهى بخسائر ثقيلة.
فالقطاع الذي كان يعوّل على صيف هذا العام لتعويض جزء من خسائر السنوات السابقة، تلقى ضربة مبكرة مع تجدد الحرب في لبنان، وما رافقها من اضطراب في حركة السفر وإلغاء الحجوزات وتراجع ثقة المسافرين.
وكان رئيس اتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق، بيار الأشقر، قد قال في بيان في يونيو/حزيران الماضي إن نحو 50% من الحجوزات أُلغيت، فيما واجهت الحجوزات المتبقية تداعيات الحرب وارتفاع أسعار تذاكر السفر.
لكن بعض الحركة عادت لاحقًا مع وصول أعداد من المغتربين، من دون أن تنجح في إنقاذ موسم بدأ متأخرًا.
المفارقة أن صيف 2026 جاء بعد عام حمل مؤشرات واضحة على تعافي السياحة اللبنانية، فبحسب أرقام جمعتها وزارة السياحة، بلغ عدد السياح الوافدين إلى لبنان عام 2025 نحو مليون و635 ألفا و490 سائحا، مقابل مليون و131 ألفا و100 سائح في 2024، بزيادة بلغت 44.6% في عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه.
كما سجلت بيانات مصرف لبنان ( البنك المركزي) تحسنا في تدفقات خدمات السفر، وهو المؤشر الذي يستخدمه المصرف لقياس الإيرادات المرتبطة بخدمات السفر. وبحسب الأرقام الرسمية، بلغ مجموع الجانب الدائن من هذا البند في 2025 نحو 4.65 مليارات دولار، مقابل نحو 4.57 مليارات في 2024.
لكن هذا المسار تعرض لانتكاسة في 2026، فالحرب لم تضرب قرار السفر إلى لبنان فقط، بل قلّصت الفترة التي كان يفترض أن تعمل خلالها المؤسسات السياحية بأعلى طاقتها.
ويقول الأشقر إن الموسم السياحي الفعلي لم يبدأ إلا في 15 يوليو/تموز، أي بعد ضياع جزء أساسي من الفترة التي يعوّل عليها القطاع لتحقيق القسم الأكبر من دخله السنوي.
وبذلك، لم تعد المشكلة في عدد الوافدين وحده، وإنما في توقيت وصولهم ومدة إقامتهم وحجم إنفاقهم والأسابيع التي خسرها القطاع من موسمه.
في يوليو/تموز، بدأت الحركة تتحسن نسبيا مع وصول أعداد من المغتربين، لكن معدلات الإشغال بقيت بعيدة عن مستوى موسم صيفي طبيعي.
وبحسب الأشقر، بلغ إشغال فنادق بيروت نحو 40%، بينما تراوحت النسب في المناطق الجبلية بين نحو 60% في عطلات نهاية الأسبوع و30% في الأيام العادية.
وكانت هذه الأرقام تعكس مفارقة القطاع: هناك زبائن يصلون، لكنهم لا يستطيعون تعويض أسابيع كاملة من الركود.
فالمنشأة السياحية لا تبدأ إنفاقها مع وصول السائح، بل تكون قبل ذلك قد دفعت كلفة العمال والتجهيزات والمواد الأولية والطاقة والصيانة، وبنت حساباتها على موسم صيفي ممتد. وعندما يتأخر الطلب، تبقى النفقات قائمة بينما تتقلص الإيرادات.
في سوق صيدا القديمة، لا يقيس أبو خليل الموسم بعدد الزوار فقط بل بعدد الطاولات التي امتلأت، ومدة بقاء الزبون، وما ينفقه خلال جلسته، ومن هذه التفاصيل اليومية، يلمس تبدلا واضحا في سلوك المستهلكين.
يقول للجزيرة نت إن الحركة لم تتوقف، لكنها فقدت كثيرا من كثافتها، فاللبناني المقيم يواجه قدرة شرائية محدودة، والمغترب الذي يصل إلى لبنان بات أكثر حذرًا في إنفاقه، ويعني تراجع أعداد الزوار تلقائيا عددا أقل من الزبائن.
أما أحمد البزري، صاحب مطعم "سكاي"، فيرى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بيوم ضعيف أو بأسبوع سيئ، بل بموسم تبدلت حساباته منذ البداية.
ويوضح للجزيرة نت أن المؤسسات السياحية تستعد للصيف قبل وقت طويل؛ فتشتري المواد، وتوظف العمال، وتجهز المطاعم، وترفع قدرتها التشغيلية على أساس توقعات بموسم نشط، قبل أن تجد نفسها أمام طلب أقل بكثير من المتوقع.
ويواجه عمر، صاحب مقهى، المعادلة نفسها: هل يخفض عدد العاملين لمواجهة تراجع الإيرادات، أم يبقيهم على أمل تحسن الحركة؟ في الحالتين، تبقى الكلفة قائمة، بينما لا يأتي العائد بالمستوى الذي بُنيت عليه الاستعدادات.
ولا تتوقف الخسارة عند حدود المطعم أو المقهى، بحسب عمر للجزيرة نت، إذ إن السائح الذي لا يصل إلى المدينة لا يستأجر سيارة، ولا يشتري من متجر، ولا يجلس في مقهى، ولا يحجز غرفة، ولا يستخدم خدمات المرشدين أو شركات السياحة.
فالسائح الواحد ليس زبونا لمؤسسة واحدة، بل حلقة في سلسلة إنفاق مترابطة؛ وكل تراجع في أعداد السائحين ينعكس على مجموعة واسعة من الأعمال التي تعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على حركة السياحة.
بالنسبة إلى نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري طوني الرامي، فإن الأزمة تتجاوز موسما صيفيا ضعيفا.
فالقطاع، وفق الرامي، يحتاج أولا إلى الاستقرار الأمني والسياسي حتى يتمكن من استعادة نشاطه، وتأتي هذه الأزمة بعد سنوات من الانهيار المالي والاضطرابات السياسية والاجتماعية والحروب، التي دفعت عددا كبيرا من المؤسسات إلى العمل بصورة موسمية بدل التشغيل طوال العام.
وحذر الرامي، في حديثه للجزيرة نت، من أن القطاع السياحي بات في حالة "إدارة أزمة"، في ظل تراكم الأعباء التشغيلية وضعف القدرة الشرائية.
ولا تتعلق المشكلة بالطلب وحده؛ فالمؤسسات نفسها تواجه كلفة تشغيل مرتفعة، في وقت فقدت فيه السياحة الداخلية جزءا من قدرتها على تعويض غياب السائح الخارجي.
أهمية السياحة بالنسبة إلى لبنان لا تتوقف عند الفنادق والمطاعم، فالقطاع يشكل قناة مهمة لدخول العملات الأجنبية، وتتحرك إيراداته بعدها في النقل والتجارة والخدمات والإقامة وغيرها.
ولهذا تبدو تداعيات موسم 2026 أوسع من خسائر أصحاب المؤسسات، فالبنك الدولي توقع في أحدث تقرير له أن ينكمش الاقتصاد اللبناني 6.4% خلال 2026، بعد أن عكست الحرب الجديدة مسار التعافي الهش الذي تحقق في 2025، مشيرًا إلى أن انهيار السياحة وضعف الاستهلاك وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع حالة عدم اليقين كلها عوامل تضغط على الاقتصاد.
وقدّر البنك الدولي أن استئناف الحرب سيكلف لبنان نحو 3.571 مليارات دولار من إيرادات السياحة والاستهلاك المحلي خلال 2026 مقارنة بالمسار الذي كان متوقعًا في حال عدم تجدد الحرب. وهذا الرقم لا يمثل خسائر السياحة وحدها، بل يجمع بينها وبين الاستهلاك المحلي.
وهنا تكمن صعوبة التعويض: فالسياحة اللبنانية تعتمد بدرجة كبيرة على أشهر الصيف، والمؤسسات تحتاج إلى موسم ممتد لتغطية نفقاتها والاستعداد للسنة التالية.
ربما لم تنتهِ الحركة السياحية تماما، لكن موسم 2026 انتهى بعيدا عن الصورة التي كان القطاع يراهن عليها.
فالمشكلة لم تكن في غياب الزبون بالكامل؛ فبعض المغتربين عادوا، وتحسنت حركة المطار، وارتفعت نسب الإشغال في بعض المناطق خلال عطلات نهاية الأسبوع، لكن هذه التحسينات جاءت متأخرة، ولم تمحُ أثر أسابيع من الخوف والإلغاءات والركود.
ولا يحتاج القطاع اليوم إلى تخفيض الأسعار والعروض فقط، بل إلى استعادة ما هو أصعب: الثقة، فالسائح القادم من مسافة بعيدة لا يبني قرار السفر إلى لبنان على سعر الفندق وحده، بل على سؤال أكثر بساطة: هل البلد آمن بما يكفي لأقضي فيه عطلتي؟
وبين مقهى ينتظر زبونه، ومطعم يحاول تغطية كلفة موظفيه، وفندق يبحث عن نزيل لم يصل، يطوي لبنان صيف 2026 السياحي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة