في مرحلة تتسم باستمرار الضغوط التضخمية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتباطؤ نمو الدخل الحقيقي في عدد واسع من دول المنطقة العربية، لم يعد تحديد الأهداف المالية مجرد رسم غايات رقمية ثابتة، بل تحولت إلى ممارسة واعية للتخطيط المرن وإدارة عدم اليقين.
فالتقلبات المتلاحقة في أسعار الغذاء والطاقة، وتغير سياسات الدعم، وتشديد الأوضاع الائتمانية، أعادت تعريف مفهوم الاستقرار المالي على مستوى الأسر، وقلّصت هامش الخطأ في التخطيط طويل الأجل، خصوصا في اقتصادات تتسم بتفاوت مستويات الدخل واتساع حجم العمالة غير الرسمية.
وما زالت التوجيهات التقليدية، مثل الادخار المنتظم وضبط الإنفاق والبدء المبكر في الاستثمار، صحيحة من حيث المبدأ، إلا أن فعاليتها باتت مشروطة بقدرتها على التكيف مع بيئة اقتصادية غير خطية، تتغير فيها القواعد بوتيرة أسرع مما اعتادت عليه الأسر خلال العقد الماضي.
وبحسب تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تواجه الميزانيات الأسرية في المنطقة ضغوطا متزايدة منذ 2022، نتيجة تزامن التضخم المرتفع مع تباطؤ نمو الأجور الحقيقية وتشديد السياسات المالية والنقدية.
وتشير تقديرات الصندوق إلى أن ارتفاع كلفة الغذاء والطاقة استحوذ على حصة متزايدة من إنفاق الأسر، لا سيما في الدول المستوردة للغذاء، ما أدى إلى تراجع هامش الادخار وزيادة الاعتماد على السيولة قصيرة الأجل لتغطية النفقات الأساسية.
مثل هذه الأوضاع تعزز الحاجة إلى مقاربة مختلفة لتحديد الأهداف المالية، تقوم على تحقيق توازن دقيق بين السعي إلى النمو وتعزيز القدرة على الصمود، بدل الاكتفاء بافتراض مسارات تحسن تدريجية في الدخل أو الأسعار.
غالبا ما تُقدَّم الأهداف المالية باعتبارها محطات طموحة، مثل امتلاك مسكن أو التخطيط للتقاعد أو تمويل تعليم الأبناء، غير أنها تؤدي في الواقع وظيفة أعمق تتمثل في إدارة المخاطر المالية.
وفي الاقتصادات العربية، حيث يتسم الدخل بدرجة أعلى من التقلب، وتبقى شبكات الحماية الاجتماعية محدودة في عدد من الدول، تتحول الأهداف الادخارية إلى أدوات حماية أساسية، لا مجرد وسائل لتحقيق النمو أو تحسين الرفاه المستقبلي.
وتُظهر تحليلات صادرة عن البنك الدولي أن نسبة كبيرة من الأسر في المنطقة تفتقر إلى مدخرات كافية لتغطية نفقات أساسية لعدة أشهر إذا فُقد الدخل، ما يضاعف أثر الصدمات الاقتصادية المفاجئة، ويجعل غياب الأهداف الادخارية الواضحة عامل هشاشة مالي لا يمكن تجاهله.
وفي هذا السياق، تكتسب الأهداف قصيرة الأجل، مثل بناء صندوق للطوارئ أو إعادة ضبط المصروفات الأساسية، أهمية إستراتيجية متزايدة، خصوصا في ظل بيئة تتسم بارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع القدرة على اللجوء إلى الدين كأداة حماية مؤقتة.
أسهمت حالة عدم اليقين الاقتصادي في تآكل الحدود التقليدية بين الأهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، فما كان يُعد هدفا متوسط الأجل، مثل شراء مسكن، قد يتحول إلى مشروع طويل الأمد بفعل ارتفاع تكاليف التمويل وتراجع القدرة الشرائية.
وفي المقابل، يواجه التخطيط للتقاعد تحديات إضافية في المنطقة العربية، مرتبطة بتقلب الأسواق، وتغير أنماط العمل، وغياب أنظمة تقاعد شاملة في بعض الدول، ما يزيد من أهمية المرونة في تحديد الأطر الزمنية للأهداف.
ويشير صندوق النقد العربي إلى أن التخطيط المالي للأسر في المنطقة بات يتطلب مراجعات دورية قائمة على سيناريوهات ضغط واقعية، تشمل استمرار التضخم، أو تقليص الدعم، أو تقلب أسعار الصرف، بدلا من افتراض مسارات دخل مستقرة أو تحسن تدريجي في الأوضاع الاقتصادية.
وعمليا، يعني ذلك إعادة تقييم الجداول الزمنية للأهداف بصورة منتظمة، بدلا من التعامل معها بوصفها مسارات ثابتة لا تتغير.
تحولت الميزانية من أداة لتحسين كفاءة الإنفاق إلى وسيلة لإدارة الأولويات المالية في ظل ضغوط معيشية متصاعدة، وتشير بيانات صادرة عن مؤسسات دولية إلى أن بنود الإنفاق الأساسية، مثل السكن والغذاء والنقل، استحوذت على حصة متزايدة من دخول الأسر في المنطقة العربية، ما قلّص مساحة الإنفاق المرن والادخار الاختياري.
وفي ضوء ذلك، بات خبراء الشؤون المالية يوصون بما يمكن وصفه بالميزانية المتحركة، أي إعادة تقييم نسب الادخار والإنفاق دوريا، بما يحافظ على واقعية الأهداف المالية وقدرتها على الصمود أمام تقلب الأسعار وتغير مستويات الدخل.
غيّر ارتفاع معدلات الفائدة موقع الديون داخل الخطة المالية للأسرة من مسألة ثانوية إلى محور أساسي، وحذّر بنك التسويات الدولية من أن استمرار بيئة الفائدة المرتفعة يفرض ضغوطا غير متكافئة على الأسر التي تعتمد على ديون مرتفعة الكلفة أو التزامات متغيرة الفائدة.
وفي هذا الإطار، يصبح تحديد أهداف واضحة لخفض الديون مرتفعة الكلفة خيارا ماليا رشيدا، بعائد مضمون يعادل في أثره بعض أشكال الاستثمار منخفض المخاطر.
في المقابل، ينظر بعض الخبراء إلى الديون طويلة الأجل منخفضة الكلفة، مثل القروض العقارية القديمة، بوصفها التزامات يمكن إدارتها بحذر لا يلزم تصفيتها فورا.
ما زالت الآليات التلقائية لتحويل مبالغ الادخار من أكثر الوسائل فاعلية في تنفيذ الخطط المالية، غير أن الجمود في تطبيقها قد يؤدي إلى نتائج عكسية في بيئة دخل غير مستقرة.
وتشير دراسات عديدة إلى أن الجمع بين حد أدنى ثابت من الادخار -لا يُمس-، ومستويات إضافية قابلة للتعديل تبعا للظروف المالية، يحقق توازنا أفضل بين الانضباط والمرونة، ويمنع التخلي الكامل عن الخطة عند أول صدمة في الدخل.
لم تعد السياسات النقدية والمالية عاملا بعيد الأثر فحسب، بل أصبحت مؤثرا مباشرا في القرارات المالية اليومية للأسر. فالتغيرات في الإعفاءات الضريبية أو مسارات أسعار الفائدة أو سياسات القروض التعليمية قد تعيد رسم قابلية تحقيق الأهداف خلال فترة زمنية قصيرة.
وتوصي تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمواءمة مراجعة الأهداف المالية مع دورات صنع القرار الاقتصادي، بدل الاكتفاء بالمراجعة السنوية التقليدية، خصوصا لدى الأسر الأكثر تأثرا بتكلفة الائتمان أو برامج الدعم الحكومي.
وفي الاقتصاد العربي الراهن، لم يعد تحديد الأهداف المالية تمرينا على توقع مسار واحد للمستقبل، بل استعدادا واعيا لعدة مسارات محتملة.
وتظل الأهداف الواضحة عنصرا أساسيا، غير أن القدرة على الصمود، وتوافر السيولة، والمرونة في التعديل أصبحت المعايير الحقيقية للنجاح المالي، في بيئة تتغير فيها القواعد قبل أن تكتمل الخطط.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة