في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد فيلمه المرشَّح لجائزة الأوسكار "Das Lehrerzimmer" ("The Teacher’s Lounge")، حصد المخرج التركي الألماني إلكر جاتاك جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي المتوتر هذا العام عن فيلمه "Gelbe Briefe" ("Yellow Letters").
يتتبع الفيلم قصة ديريا (أوزغو نامال) وعزيز (تانسو بيجير)، الثنائي الذي لا يتوقف الناس عن الحديث عنه. فهذان الفنانان الشهيران من أنقرة نجم من نجوم المسرح الطليعي، حيث تؤدي ديريا الدور الرئيسي في المسرحية الجديدة التي كتبها زوجها وأخرجها.
في ليلة الافتتاح، تمتنع ديريا عن تحية المحافظ الذي حضر العرض برفقة رجاله. وفي اليوم التالي، ينصح عزيز، وهو أستاذ جامعي، طلابه بالانضمام إلى التظاهرات السلمية المعارضة للحكومة.
خلال ليلة واحدة، يكتشف عزيز أنّ وظيفته أُلغيت، وأنّ عرض المسرحية أُلغي (ظاهريا بسبب تجاهل ديريا للمحافظ)، وأنّ الشرطة بدأت تضايق مالك المنزل والجيران. ويقال على مسامعهم: "يقولون إن المكان مليء بالخونة والإرهابيين".
وبينما يجدان نفسيهما هدفا لرقابة الدولة وملاحقات قضائية قد تفضي إلى حبس عزيز لمدة أربعة أعوام، يقرّر الزوجان وابنتهما المراهقة إزجي (ليلى سميرنا جاباس) الانتقال مؤقتا إلى إسطنبول للإقامة لدى والدة عزيز.
غير أنّ محاولة الأسرة التأقلم مع أوضاعها المعيشية الجديدة وتدبير أمورها المالية تكشف تدريجيا أنّ القمع يفرض تنازلات يمكن أن تساوم على المبادئ والقيم. وأحيانا لا تكفي المحبة وحدها...
منذ البداية، يستخدم جاتاك، الذي شارك في كتابة "Yellow Letters" إلى جانب أيدا مريم جاتاك وإينيس كوستيبِن، أسلوبا سرديا آسرا لكسر "الجدار الرابع"، يعكس الجوهر المسرحي لحياة الشخصيات. ورغم أنّ أحداث الفيلم تدور في تركيا، فإن التصوير جرى في ألمانيا، ولا يتأخر "Yellow Letters" في تقديم لمسة "بريختية" ذكية، من خلال لوحات عناوين مكتوبة تعلن: "Berlin as Ankara" و"Hamburg as Istanbul".
ومن خلال هذه الإحلالات المكانية المصطنعة عن قصد، يلفت جاتاك نظر الجمهور ليس فقط إلى صعوبة إنتاج فن مشحون سياسيا في تركيا، بل أيضا إلى كون هذه الحكاية عملا تخيليا. نعم، نحن أمام دراما عائلية تدور على خلفية من الفاشية، لكن المخرج لا يريد حصر اهتمامه في مآسي بلد بعينه في مواجهة قبضة الاستبداد.
وليس من قبيل الصدفة أن تُترك تفاصيل "الجرائم" المزعومة للزوجين غامضة عمدا، كي تعكس الطابع العبثي والمتغلغل لقمع الحاكم المستبد، كما أنّ اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا يُذكر أبدا. يفتح ذلك الباب أمام مقارنات عابرة للحدود بشأن تهديد حرية التعبير، ويقدَّم كتحذير قوي من أنّ ما يحدث في بلد ما يمكن أن يطرق باب بلد آخر من دون استئذان.
وفوق ذلك، فإن تصوير الفيلم في ألمانيا يمنحه صدى معاصرا مقلقا. فالمسيرة الاحتجاجية التي تساهم في طرد عزيز ترفع أعلام فلسطين، وتذكّر بحقيقة أنّ المسيرات المؤيدة لفلسطين في العاصمة الألمانية قوبلت بعنف الشرطة، وهو ما دفع خبراء الأمم المتحدة إلى مطالبة ألمانيا بوقف تجريم أنشطة التضامن مع الفلسطينيين والعنف الشرطي ضدها (المصدر باللغة الإنجليزية) .
ومن المؤسف أنّ تنفيذ الفيلم في بقية أجزائه لا يرقى إلى هذا اللمعان الميتا-نصي المحفِّز للتفكير.
ما إن يكتمل هذا البناء المشوّق وتُختَتم المرحلة الأولى، حتى يبدو ما تبقى من "Yellow Letters" أكثر تهيّبا بكثير مقارنة بجرأته الأولى. فبعد انتقال ديريا وعزيز وإزجي إلى "Hamburg as Istanbul"، يتباطأ الإيقاع، وتفقد ثيمات السيطرة الفاشية ومخاطر تصاعد القومية المتطرفة حدّتها شيئا فشيئا.
وما هو أسوأ أنّ الرسالة الكامنة القيّمة تصبح مباشرة إلى حد يُضعف التعليق السياسي والدراما في آن واحد. فالمرحلة الثالثة، التي تأتي بلا ذروة حقيقية وبسرعة لافتة، تُضعف الفيلم خصوصا عندما يُضاف خط فرعي يخص إزجي، ينتهي بمطاردة بالسيارة وانهيار في مركز الشرطة، من دون أي توتر يُذكر.
ورغم ما يبعث عليه ذلك من إحباط، تقدّم أوزغو نامال أداء متقنا في دور ديريا. فهي تحمل الفيلم على كتفيها وتحافظ على رهاناته الدرامية حيّة، حتى بينما يقوّضها السيناريو تدريجيا وينزلق إلى إيقاعات سرد تقليدية أكثر.
وفي نهاية المطاف، وعلى الرغم من افتتاحية ملهِمة، ينتهي "Yellow Letters" إلى دراما عائلية صادقة النية لكنها أقل تأثيرا وإلحاحا مما كان يمكن أن تكون عليه. هو فيلم حسن النوايا، لكنه لا يفي تماما بوعوده. فهل استحق فعلا الدب الذهبي؟ ربما كان هو الدب الذهبي الذي "برليناله" هذا العام، الذي يفترض أنه بلا موقف سياسي، يستحقه، إذ يعكس "Yellow Letters" الدراما التي عصفت بالمهرجان ؛ فهو يبدأ بوصفه نداء إلى التحرك، ثم يتراجع، وينتهي به الأمر إلى اللعب في منطقة آمنة أكثر مما ينبغي.
"Yellow Letters" يُعرض حاليا في عدد محدود من دور السينما الأوروبية، وسيواصل انتشاره في الصالات هذا الشهر، قبل أن يتجه إلى مهرجان سيدني السينمائي في شهر يونيو. ولم تُعلن بعد مواعيد عرضه في دور السينما في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة