آخر الأخبار

بين النزوح والحنين.. رمضان السوداني بطعم الصبر

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

الخرطوم- رغم وجوده في مركز إيواء للنازحين من ولاية غرب كردفان في غرب أم درمان بالخرطوم، يتمسك "الطاهر" بإفطار جماعي مع جيرانه في المركز، وممارسة الطقوس التي ورثها وترافقه من دياره التي هجرها بسبب الحرب قبل شهور.

ويعتمد "الطاهر" على ما يحوله له ابنه المهاجر في دولة خليجية من مال، ويقول للجزيرة نت إنه لن يتخلى عن عادته في رمضان، وهي تناول الإفطار بشكل جماعي والمشاركة مع الجيران رغم وضعه الاقتصادي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
* list 2 of 2 لماذا يشعر الصائم بالبرد؟ الفيزياء تكشف أسرار الحرارة المفقودة end of list

الحرب في السودان، رغم تدميرها للبنى التحتية والمؤسسات الخدمية والمنازل وتشريد المواطنين من ديارهم، لم تستطع حمل المواطنين على ترك العادات والتقاليد التي ورثوها عن أجدادهم.

حزن ونزوح

يأتي رمضان هذا العام والحرب لا تزال مستعرة في بعض المناطق، خصوصاً في ولايات كردفان الثلاث وأجزاء من إقليم دارفور، حيث نزح مئات الآلاف إلى مناطق أكثر أمنا.

وعلى الرغم من حرص غالبية المواطنين، سواء أكانوا داخل البلاد أو من نزحوا، على التمسك بموروثاتهم المعتادة في رمضان، لكن الواقع في بعض المناطق شهد تغييرا بسبب الحركة السكانية بالنزوح أو اللجوء؛ وكمثال على ذلك العاصمة الخرطوم، فبعض الأحياء ليست عامرة بالناس، وتتفاوت نسبة العودة السكانية من حي إلى آخر.

يتجلى تأثير افتقاد الأسر لبعض أفرادها بعد التشتت ورحيل الأحبة والأهل، خصوصاً في الأيام الرمضانية الأولى من الشهر، الذي تترافق فيه الواجبات والفروض الدينية مع الطقوس المجتمعية.

وقبيل حلول رمضان، نشطت جمعيات ومنظمات خيرية في غالب مدن السودان وقراه، بجهود خيرية عمادها السودانيون العاملون بالخارج، في تقديم سلال غذائية رمضانية ساهمت في صمود الأسر التي فقدت عائلها أو مصدر دخلها بعدما فقدوا ممتلكاتهم ومدخراتهم.

مصدر الصورة افطار جماعي في إحدى مناطق السودان (مواقع التواصل)

قطع الطرق

يعد الإفطار الجماعي أمام المنازل أو في الطرقات الرئيسية من أبرز عادات رمضان في البلاد؛ وقبيل أذان المغرب، يخرج الأهالي بالطاولات والكراسي، وتُفرش الموائد في الشوارع ليجلس عليها الجيران وعابرو السبيل.

إعلان

ومن عادات السودانيين، ولا سيما في القرى، خروج كل واحد من بيته قبل الأذان حاملاً إفطاره وبكمية تزيد على حاجته، ثم يجلس إما في المسجد أو في الشارع، ناظرا ومنتظرا أي شخص غريب ليفطر معه.

ويُعدّ من العيب أن يمرّ شخص صائم أمام بيت دون دعوته للإفطار، وغالباً ما يتسابق الشباب في استضافة المسافرين وسائقي المركبات قبل موعد الإفطار.

تشترك معظم المناطق خلال رمضان بمسلك يبدو غريبا يحدث قبل موعد أذان المغرب، إذ يقطع السكان الطريق ويعترضون حافلات السفر، وهذه العادة أشبه بـ "الكمين".

هذا الكمين ينصب لإجبار المسافرين الصائمين على النزول وتناول طعام الإفطار، وذلك عن طريق وضع العمامة السودانية في منتصف الطريق وشدها من طرفيها على عرض الطريق، ومن ثم يأتي شباب المنطقة ليرحبوا بالمسافرين الذين قد يبلغ عددهم العشرات بعد توقف مركباتهم.

ويشهد رمضان حركة زيارات بين الأسر، خصوصاً بعد الإفطار أو في عطلات نهاية الأسبوع، وتحرص العائلات على تبادل أطباق الطعام بين الجيران في تقليد اجتماعي يعزز المودة.

كما تُنظم بعض العائلات إفطارات كبيرة تجمع الأقارب في منزل كبير العائلة لتأكيد روابط الرحم. ومن العادات الرمضانية كذلك "التهادي" بين الناس، وذلك بإرسال الطعام والشراب قبل المغرب بين الأُسر، ويقبل الأغنياء من الفقراء هداياهم وأطعمتهم لئلا يشعروهم بالحرج في قبول ما يرسلونه لهم هم بعد ذلك.

حظر التجوال

ويُعد رمضان كذلك شهر المتعة للأطفال الذين يمارسون هواياتهم، وخاصة وقت الإفطار الجماعي، فضلاً عن السماح لهم بالسهر إلى وقت متأخر من الليل، الأمر الذي لا يجوز لهم في غير رمضان.

وبسبب هشاشة الأوضاع الأمنية، أصدر حكام ولايات الخرطوم والشمالية ونهر النيل والنيل الأبيض والبحر الأحمر أوامر طوارئ بتمديد فترة حظر التجوال لتكون من الواحدة وحتى الخامسة صباحا لتمكين المواطنين من ممارسة طقوس رمضان.

كما منع حاكم الخرطوم إقامة الحفلات الجماهيرية في الشوارع العامة والساحات الرئيسية، وحظر إقامة الحفلات داخل الصالات والأندية والمنتجعات والمقاهي إلا بعد الحصول على تصديق رسمي من الجهات المختصة.

عصيدة و"حلو مر"

تعكس الأكلات الشعبية السودانية خلال شهر رمضان جزءاً من التنوع الثقافي الغني الذي تتميز به البلاد، حيث تتنوع الأطباق بشكل كبير في مختلف المناطق. هذه الأطباق ليست سوى نماذج تمثل العادات والتقاليد الغذائية التي تميز كل منطقة، ما يبرز التنوع الكبير في المطبخ السوداني.

وتتباين موائد الإفطار نتيجة للاختلافات الثقافية بين المناطق المختلفة، سواء كانت في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب.

وتبرز "العصيدة" سيدة للمائدة في وجبة الإفطار في وسط البلاد وغربها وجنوبها، ويرافق العصيدة التي تُصنع من دقيق الذرة أو الدخن "ملاح التقلية" الذي يتضمن اللحم المجفف مع البصل المُقلي ومعجون الطماطم، و"ملاح الروب" (النعيمية) الذي يتكوّن من زبدة الفول السوداني والزبادي ومسحوق البامية (الويكة) ويُقدّم ساخناً، ويعتبر منافساً لملاح التقلية.

بينما يميل أهل الشمال والشرق إلى "القراصة" التي تُصنع من دقيق القمح وترافقها "الدمعة" من قطع اللحم الأحمر أو الدجاج المطبوخ بالبصل والطماطم.

إعلان

ويأتي بعد ذلك موعد التسلية، فنجدهم يتسلون من حين لآخر بتناول حبوب الدخن المحمصة (البليلة) أو الحمص المسلوق مع قليل من الملح، ونجد على موائد أسر أخرى التين والزبيب، ووسط ذلك يتم توفير الشاي والقهوة.

أما المشروب المفضل لدى غالب السودانيين فهو "الحلو مر" المصنوع من الذرة المخمرة ونحو ثمانية أنواع من التوابل، بالإضافة إلى عصائر الكركدي والعرديب (وهو من أنواع التمر هندي)، بجانب الفواكه التي تتميز بها مناطق السودان المختلفة.

وفي السحور يفضل السودانيون "الرقاق" الذي يُصنع من عجينة القمح ويُقدم مع الحليب البارد، وكذلك الأرز باللبن.

ورغم تراجع دوره في المدن الكبرى، لا يزال "المسحراتي" حاضرا في بعض الأحياء الشعبية والقرى، حيث يجوب الشوارع قبل الفجر مردداً الأناشيد لإيقاظ الناس للسحور في مشهد يحمل طابعاً تراثياً خاصاً.

فرح ووداع

وفي الأيام الأخيرة من شهر الخير، تشهد المنازل السودانية نشاطاً ملحوظاً وتحركاً ملموساً؛ إذ تبدأ الاستعدادات الخاصة لتحضير حلوى العيد، وتنشغل النساء في عمل "الكعك" و"البسكويت" وغير ذلك من أنواع الحلوى المعروفة عند أهل السودان.

وعادة ما يتم تحضير ذلك بشكل جماعي وتعاوني بين النساء؛ فكل يوم مثلاً يقوم فريق من النسوة مجتمعات بصنع ما تحتاجه الواحدة منهن في بيتها، وفي اليوم التالي يشترك الجميع أيضاً بتحضير الحلوى لأخرى وهكذا.

ويتم توديع رمضان عند أهل السودان بإنشاد القصائد الدينية والمدائح النبوية، وعلى الرغم من الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية وحركة النزوح واللجوء، فلرمضان عند أهل السودان مذاق خاص وطعم مختلف، وعلاقة الناس به علاقة قوية، فهم يحنون إليه، ويحزنون لدى وداعه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار