آخر الأخبار

"أغالب مجرى النهر" لسعيد خطيبي: الخوف قبل العاصفة

شارك

تسعى رواية "أغالب مجرى النهر" للروائي الجزائري سعيد خطيبي إلى محاولة تفكيك الذاكرة الوطنية وإعادة قراءتها من منظور ثقافي واجتماعي.

ويقدم الروائي هنا نصا لا يكتفي باستعادة الماضي، لكنه يسائل الهوية الجزائرية عشية تحولاتها الكبرى في مطلع التسعينيات، وهي الفترة التي وسمت بـ "العشرية السوداء"، وهذا يلخص أهم ما عرف به هذا الكاتب، أي الاشتغال على ثنائية التاريخ والذاكرة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "الفاشية العبرية" من جابوتنسكي إلى "تحسين النسل": تفكيك الهوية الوراثية لـ"الإنسان الإسرائيلي"
* list 2 of 2 رواية "أيتها القُبّرة".. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة والموت؟ end of list

يشرع خطيبي في روايته بتأثيث فضاء سردي لا يكتفي بتذكيرنا بشبح "العشرية" كحدث تاريخي، بل يتخذ منها مختبرا ثقافيا لفهم كيفية تشكل الهوية في لحظات الانكسار.

يضعنا العنوان في حد ذاته أمام استعارة وجودية كبرى؛ فـ"المجرى" هو حتمية التاريخ، و"المغالبة" هي فعل المثقف والروائي والشخصية الهامشية في محاولة يائسة لاستعادة "المعنى" من وسط الركام.

خطيبي هنا لا يكتب رواية عن الحرب، بل يستبطن روح البلاد عشية الانفجار، إنه يكتب رواية عن ثقافة الحرب الضمنية وكيف تتسلل إلى اللغة والجسد والعمارة والمحاضر الرسمية.

الرواية لا تكتفي باستعادة الماضي لكنها تسائل الهوية الجزائرية عشية تحولاتها الكبرى في مطلع التسعينيات

لا يكتب خطيبي هنا عن الحرب بل عن الخوف السابق لها بوصفه مقدمة ضرورية للعاصفة.

في هذا النص، نجد أنفسنا أمام تأريخ جمالي للجزائر في مطلع التسعينيات؛ تلك الفترة التي كانت تميد تحت أقدام ساكنيها، حيث يتحول "مجرى النهر" من مجرد معلم جغرافي إلى قدر تاريخي جارف يهدد باقتلاع الجميع.

والرواية في العمق هي تشريح للذات الجزائرية وهي تقف على حافة الهاوية. إن الخوف هنا هو نسق ثقافي بدأ يتغلغل في البنية.

الخوف في هذه الرواية هو بطل صامت، يحرك الخيوط من خلف الستار، ويجعل من البحث عن الحقيقة رحلة تيه وسط غيوم العاصفة القادمة

وببراعة المحلل الأنثروبولوجي، يغوص خطيبي في تفاصيل "ما قبل الانفجار"، حيث تصبح الشخصيات مثل "عزوز" و"عقيلة" و"ياقوت" شواهد على تحول القيم. إنهم يحاولون مغالبة تيار جارف من التغييرات الاجتماعية والأيديولوجية التي بدأت تكتسح الفضاء العام.

الخوف في هذه الرواية هو بطل صامت، يحرك الخيوط من خلف الستار، ويجعل من البحث عن الحقيقة رحلة تيه وسط غيوم العاصفة القادمة.

إعلان

تبدأ الرواية -الصادرة عن دار نوفل عام 2025- بملامح "بوليسية" مراوغة، لكنها سرعان ما تتخلى عن قشرتها الخارجية لتصبح تحقيقا أنطولوجيا، أي أن خطيبي يستخدم القناع البوليسي ليغري القارئ بالدخول في المتاهة، لكنه بمجرد أن يدخل، يجد نفسه أمام تشريح ثقافي ووجودي للمجتمع.

إنه لا يحقق في جريمة قتل فرد، بل يحقق في "جريمة وأد" وطن وهوية، وهذا هو جوهر العمل الأنطولوجي في الرواية الحديثة؛ حيث يصبح النص حفرا في الكينونة الإنسانية وصراعاتها الكبرى.

ملخص الحكاية: ماذا تروي؟

تدور الرواية حول طبيبة عيون تدعى عقيلة تومي، تعيش حياة تبدو في ظاهرها مستقرة، فهي متزوجة ولديها ابنة صغيرة وعمل مهني ناجح، غير أن هذه الحياة تنفتح فجأة على كابوس التحقيق حين تستدعى إلى مخفر الشرطة بوصفها مشتبها بها في قضية جنائية مرتبطة بزوجها الطبيب الشرعي.

تبدأ الحكاية من لحظة التوقيف، حيث تقاد عقيلة إلى الحجز، وتخضع لإجراءات تفتيش واستجواب قاسية نفسيا تمتد لساعات وأيام، من دون أن تبلغ بتهمة واضحة.

وخلال التحقيق، يتكشف تدريجيا أن زوجها مخلوف متورط في شبكة غير قانونية تتعلق بتجارة الأعضاء البشرية، مستفيدا من عمله في المشرحة، ومن صمت طويل فرضه داخل البيت وخارجه.

بين جلسات الاستجواب، يعود السرد إلى الوراء، كاشفا تفاصيل حياة عقيلة، حيث زواج قام على الخوف أكثر مما قام على المودة، وثمة عنف منزلي صامت وأمومة مثقلة بالقلق، وعلاقة مركبة مع الأب الذي يحمل بدوره تاريخا شخصيا مع السلطة والاستعمار والحرب.

مصدر الصورة الروائي الجزائري سعيد خطيبي (الجزيرة)

لا تسير الرواية نحو حل بوليسي تقليدي ولا تقدم نهاية مغلقة ترضي منطق العدالة السريعة

وتتقاطع هذه الذكريات مع واقع التحقيق، فيتحول المخفر إلى مرآة لحياة كاملة قائمة على الصبر والتأجيل.

تكتشف البطلة شيئا فشيئا أن معرفتها بزوجها كانت منقوصة، وأن صمته لم يكن حيادا، بل ستارا. ومع تصاعد الضغط، تجد نفسها أمام خيار أخلاقي حاسم، إما الدفاع عن الذات والاعتراف بالحقيقة، أو الاستمرار في تحمل تبعات أفعال لم ترتكبها، وذلك حماية لأسرة مهددة بالانهيار.

لا تسير الرواية نحو حل بوليسي تقليدي، ولا تقدم نهاية مغلقة ترضي منطق العدالة السريعة. ما تفعله هو تفكيك المسار الذي أوصل امرأة عادية إلى موقع الاتهام، وتعرية شبكة العلاقات الاجتماعية والمؤسسية التي تجعل البراءة نفسها موضع شك.

وتنتهي الحكاية وقد تغيرت عقيلة، فهي لم تعد المرأة التي دخلت المخفر في البداية، إنما أصبحت ذاتا أكثر وعيا بثمن الصمت وحدود الاحتمال، أي بمعنى أن "تغالب مجرى النهر" ولو داخليا.

تستشرف الرواية بذكاء لحظة الانفجار في التسعينيات، فمن خلال الحوارات والمواقف الضمنية، يكشف خطيبي عن الخراب الجواني الذي سبق العشرية السوداء

بهذا المعنى، تجري الرواية كأنها حكاية امرأة واحدة، لكنها تنفتح على سردية أوسع عن المجتمع والسلطة والخوف، وكيف يمكن لحياة يومية هادئة أن تنقلب، في لحظة واحدة، إلى امتحان وجودي كامل.

إرهاصات الصدام

تستشرف الرواية بذكاء لحظة الانفجار في التسعينيات، فمن خلال الحوارات والمواقف الضمنية، يكشف خطيبي عن الخراب الجواني الذي سبق العشرية السوداء.

ففي حالة عزوز وتناقضاته، يمثل الشخصية التي تحاول الحفاظ على "توازنها" في وسط مضطرب، لكنه يدرك أن "الأبناء أورثوا حزنا".

وهذه الجملة "كان يمكن أن تصير ابني" التي وجهت لإدريس، تعكس انقطاع التواصل بين الأجيال؛ جيل الثورة الذي بنى الدولة، وجيل الشباب الذي شعر باليتم والاغتراب داخل وطنه، مما دفعه للارتماء في أحضان التطرف أو الهجرة.

إعلان

إن البحث عن الحقيقة في قضية "مخلوف تومي" أو "ياقوت" ليس بحثا عن قاتل مادي بقدر ما هو تعرية لـ "الأنساق المضمرة" التي تحرك المجتمع.

ويبرز "الآخر" في هذا النص بوصفه كيانا متشظيا؛ فهو تارة "الآخر الكولونيالي" الذي ترك لغته وبيروقراطيته كأدوات قمع لا تزال تعمل، وتارة هو "الآخر الأيديولوجي" الذي نبت في الداخل كعدو حميم يهدد بنسف السلم الأهلي.

ولا يمكن فصل المكان في الرواية عن دلالاته الثقافية؛ فبوسعادة والعاصمة ليستا مجرد جغرافيا، بل هما تعبير عن تمزق "الأنا" بين الهامش والمركز. ولعل انتقال السرد بين هذه الفضاءات يكشف عن "ترييف" المدينة واجتياح القيم الراديكالية للفضاءات المدنية التي كانت يوما ما واحات للتعددية.

وبهذا المعنى فإن النهر الذي يغالبه الأبطال هو أيضا نهر "التحولات الديموغرافية" التي أعادت صياغة الشخصية الجزائرية وفق أنساق هجينة، تجمع بين الحداثة المجهضة والسمات التقليدية المستعيدة لقوتها. فهل يمكن مغالبة النهر؟

تتخذ علاقة الأنا بالآخر تتخذ في الرواية بعدا انعكاسيا؛ حيث يغدو الآخر هو الشاهد والمتمم لهوية الذات، فالشخصيات تعيش في حالة "شيزوفرينيا" ثقافية؛ فهي تستخدم لغة المستعمر القديم في إدارتها وتفكيرها، بينما تتبنى خطابا هوياتيا منغلقا في حياتها اليومية.

هذا التناقض هو ما يمكن وصفه بشخصية "ما بعد الكولونيالية" المأزومة، حيث تفشل الدولة الوطنية في خلق هوية متجانسة، فتصبح السيادة مجرد قشرة خارجية بينما يظل الداخل ممتلئا بـ"أشباح الآخر".

يبرع الروائي خطيبي في استخدام الوثيقة داخل النص الروائي. المحاضر، التواريخ (مثل 9 يونيو/حزيران 1990)، والرسائل، ليست زينة سردية، إنما هي أدوات حفر تهدف إلى مساءلة الأرشيف الرسمي.

وتقترح الرواية تاريخا موازيا يكتبه المهمشون والنساء والضحايا، في مواجهة "مجرى" التاريخ الذي يكتبه المنتصرون أو القتلة. وتصبح "مغالبة النهر" في جوهرها محاولة لإنقاذ الذاكرة الفردية من الذوبان في الذاكرة الجمعية المفروضة قسرا.

الخاتمة التي يقدمها النص ليست مغلقة، بل هي مشرعة على القلق. إن الجملة العميقة "كان يمكن أن تصير ابني" التي تقال في لحظة مكاشفة، تختزل يتم الأجيال الجزائرية. جيل الثورة الذي يمثله "عزوز" يجد نفسه عاجزا عن حماية "الأبناء" من تيار التطرف أو الهجرة.

هذا الانقطاع الثقافي بين الأجيال هو النهر الحقيقي الذي جرف معه أحلام الدولة الوطنية، وترك الشخصيات في حالة "مغالبة" أبدية لتيار لا يرحم.

تقترح الرواية تاريخا موازيا يكتبه المهمشون والنساء والضحايا، في مواجهة "مجرى" التاريخ الذي يكتبه المنتصرون أو القتلة

استراتيجية الصمت

يعتمد خطيبي استراتيجية الصمت في السرد؛ فما لا يقال في المحاضر الرسمية هو الحقيقة الفعلية. وهذا التضاد الثقافي يعكس طبيعة المجتمعات تحت القمع، حيث تصبح "المسافات البيضاء" في النص هي المكان الوحيد الذي تسكن فيه الحقيقة.

ومنذ الصفحات الأولى، يدخل القارئ إلى فضاء الاحتجاز والتحقيق بوصفها حالة ممتدة من القلق، وهي تعيد ترتيب معنى العيش في مجتمع تحكمه الشبهة، وتتحول فيه الحياة الخاصة إلى ملف مفتوح.

إن اختيار خطيبي لبطلة تعمل طبيبة عيون ينهض بوظيفة رمزية عميقة. فالعين، بما هي أداة معرفة واعتراف، تصبح نقطة توتر مركزية في الرواية. البطلة التي اعتادت معالجة البصر، تجد نفسها موضوعا لنظرات تفتيش ومساءلة، ويغدو جسدها ساحة قراءة قسرية.

الجسد هنا لا يستدعى باعتباره مادة حسية أو عنصر صدمة، بل بوصفه أرشيفا حيا تتراكم فيه آثار الخوف والإذلال والانتظار والقلق الصامت. ويكتب خطيبي هذه المشاهد بلغة دقيقة محكومة بإيقاع بطيء، كأنها محاضر غير رسمية تدون ما لا تسمح اللغة الإدارية بتدوينه.

ولا تظهر السلطة في الرواية في رمز واحد واضح، إنها منظومة متكاملة تعمل عبر الإجراءات، والأسئلة المكررة، والصمت الطويل. كما أن التحقيق لا يتقدم بحثا عن حقيقة محددة، بل يعيد إنتاج موقع المشتبه به داخل شبكة من الافتراضات الجاهزة.

إعلان

وفي هذا السياق، يتحول الزمن إلى أداة قمع بحد ذاته، إنه زمن الانتظار، وزمن التأجيل، وزمن التعليق بين براءة محتملة وإدانة مؤجلة. وهنا تكتسب الرواية قوتها من قدرتها على التقاط هذا العنف البطيء الذي يمارس بلا صراخ.

السلطة في الرواية لا تظهر في رمز واحد واضح، إنها منظومة متكاملة تعمل عبر الإجراءات، والأسئلة المكررة، والصمت الطويل

على المستوى الاجتماعي، تنفتح الرواية على تفاصيل الحياة الزوجية والعائلية، من دون تحويلها إلى هوامش تكميلية. فالزواج والأمومة والعلاقة مع الأب، جميعها مساحات تتقاطع فيها السلطة العامة مع السلطة الخاصة.

ويظهر العنف المنزلي والصمت والتواطؤ اليومي بوصفها امتدادات لمنطق أوسع، لا بوصفها حالات فردية معزولة. ومع ذلك، يحافظ السرد على مسافة أخلاقية واضحة؛ فهو لا يصدر أحكاما مباشرة، بل يراكم الوقائع الصغيرة، ويتركها تعمل في وعي القارئ.

لغة خطيبي في هذا العمل تتسم بصرامة لافتة. الجملة غالبا قصيرة أو متوسطة الطول، محكمة البناء، تخلو من الزخرفة الزائدة.

وثمة أثر للكتابة الوثائقية، من دون أن يفقد النص توتره الداخلي. وهذا التوازن يمنح الرواية طابعا مزدوجا، فهي تقرأ كاعتراف داخلي طويل، وكذلك كملف سردي يفضح هشاشة العدالة حين تدار بمنطق الاشتباه الدائم.

مغالبة النهر في الرواية تنتهي بنوع من التسليم الحزين أو المواجهة الصامتة، حيث يدرك الأبطال أن التيار أقوى منهم

سؤال ثقافي

في المحصلة، تقدم "أغالب مجرى النهر" رواية ناضجة، تتجنب الخطابة وتبتعد عن الإدانة المباشرة، وتنجح في تحويل تجربة فردية إلى سؤال ثقافي واسع حول الجسد والسلطة والمعنى.

إنها إضافة لافتة إلى السرد العربي المعاصر، وتؤكد أن الرواية قادرة، حين تكتب بوعي فني صارم، على مساءلة الواقع من داخله، وبأدوات الأدب وحده.

وفي هذه الرواية، يضعنا خطيبي أمام مرآة قاسية، فالرواية لا تقدم حلولا، بل تقدم تشخيصا ثقافيا لعلل الهوية.

إن مغالبة النهر في الرواية تنتهي بنوع من التسليم الحزين أو المواجهة الصامتة. ويدرك الأبطال أن التيار أقوى منهم، لكن فعل "المغالبة" في حد ذاته هو الذي يمنحهم كينونتهم الإنسانية.

في الختام، تظل "أغالب مجرى النهر" نصا يتجاوز الحكاية البسيطة ليدخل في صلب المساءلة الفكرية للراهن العربي. إنها رواية تكتب تاريخ الصمت بكلمات تضج بالحياة وبالألم في آن واحد، لتؤكد أن الأدب هو الأرشيف الوحيد الذي لا يمكن تزويره.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار