رغم أن المفتي السابق لنظام الأسد أحمد حسون، بقي لسنوات طويلة من أبرز الشخصيات الدينية التي روجت لرواية نظام الأسد في سوريا، إلا أن سنوات الثورة السورية كشفت العديد من أمثاله، الذين شرعنوا بخطابهم جرائم النظام.
وكشف الحكم بالسجن المؤبد على أحمد حسون في 24 أغسطس/آب الماضي، عن جانب من دور رجال دين في سنوات حكم بشار الأسد، حين كانوا جزءا من المشهد السياسي والإعلامي للنظام، وحولوا منابرهم طيلة سنوات، إلى منصات للدفاع عنه وتمجيد رئيسه وشرعنة جرائم قواته.
كان حسون، الذي شغل منصب مفتي الجمهورية من عام 2005 حتى عام 2021، أحد أبرز الوجوه الدينية المرتبطة بالنظام، فحضر خطابه خلال سنوات الثورة في الدفاع عنه، واشتهر بلقب "مفتي البراميل " بعد تأييده قصف النظام لأحياء حلب الشرقية، ودعمه الدورين العسكريين الروسي والإيراني، وهدد أوروبا والولايات المتحدة بإعداد "الاستشهاديين ".
وفي حديث له عام 2021، ربط حسون الوطنية بالبقاء في سوريا، منتقدا من غادروها ومتهما إياهم بالتبعية للخارج، كما أثار جدلا حين قال إن "خريطة سوريا مذكورة ضمن سورة التين في القرآن "، معتبرا أن من ترك البلاد سيلقى عقابا من الله، مستشهدا بآية "ثم رددناه أسفل سافلين "، ليتبعه نفي وزارة الأوقاف صحة هذا التفسير آنذاك، معتبرة أن كلامه لا يستند إلى دراية بقواعد تفسير القرآن.
وفي 24 أغسطس/آب الحالي، وضمن مسار العدالة الانتقالية الذي بدأ بعد الإطاحة بحكم الأسد، أُدين حسون بجناية الاعتداء الذي يسبب الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والتورط في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، والتحريض على القتل قصدا.
ويُعتبر خطاب حسون في هذا السياق، امتدادا لسيطرة نظام الأسدين (حافظ وبشار) على المشهد الديني وإخضاعه لرقابة الدولة وأجهزتها الأمنية، عبر التدخّل في تفاصيل عمل المؤسسة الدينية، وتوجيه المنابر وخطابها بما يخدم رؤية النظام.
هذا الخطاب تبنته شخصيات برزت بشكل واضح خلال سنوات الثورة، وكانت أصواتا مدافعة عن النظام المخلوع، فمدحت الأسد وحرّضت على خصومه وأصدرت مواقف دينية في مواجهتهم، ووصفت الثورة بـ "المؤامرة " والثوار بأنهم "إرهابيون "، وأسهمت بذلك في نقل خطاب السلطة إلى المجال الديني والتأثير في المجتمع السوري.
يعد حسام الدين فرفور، رئيس مجمّع الفتح الإسلامي في دمشق، من أبرز الشخصيات ارتباطا بالنظام المخلوع ووزارة أوقافه، وعُرف بمواقفه الداعمة لبشار الأسد، من بينها حديث جمعهما في أحد مساجد دمشق، حين خاطب بشار الأسد بأنه يتقن "السياسة والفلسفة والدين وعلم الاجتماع والتربية والاقتصاد "، قبل أن يؤكد له "نحن معكم في الخندق ".
بعد سقوط نظام الأسد، صدر قرار بكف يده عن إدارة المجمع، واختفى فعليا من الحضور بالشأن العام.
وتحدث عصام المصري، مدير أوقاف حمص سابقا، في خطبه عن "صمود سوريا في وجه الإرهاب"، وأشاد بالأسد، مخاطبا إياه في خطبة حضرها الأخير بالقول إن "الأسرة الدينية في حمص ستبقى ملتفة حولك تدافع عن وطنها ودينها في خندق الأسد "، واصفا إياه بـ "القائد الشجاع الذي ثبته الله خلال الأزمة".
ولعب المصري دورا في عمليات "المصالحة والتسويات " التي شهدتها حمص وأفضت إلى تهجير كثير من أبنائها إلى الشمال السوري، حتى لُقّب بـ"عرّاب المصالحات"، لحين سقوط نظام الأسد حيث اعتقلته إدارة الأمن العام في فبراير/شباط 2025.
ومنذ بداية الثورة، عُرف خضر شحرور، مدير أوقاف ريف دمشق سابقا، بمواقفه المساندة للنظام، ودعا طلاب الشريعة إلى رفض الخروج ضد بشار الأسد، وروّج لرواية النظام عن "المؤامرة".
وخلال حصار الغوطة الشرقية، شارك شحرور في لجان شكلتها أفرع المخابرات السورية وحليفها الروسي، وعمل على إقناع أهالي عربين وفصائلها بالاستسلام و "المصالحة"، ثم واصل بعد سيطرة النظام على الغوطة الضغط باتجاه هذه "التسويات".
وفي خطبه، اعتبر مأمون رحمة، إمام وخطيب الجامع الأموي الأسبق والذي توفي عام 2023، أن جيش النظام يحارب "الإرهاب"، ووصف التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015 بأنه "مشروع "، وقال إن السوريين "يعتزون ويتشرفون به"، بالإضافة إلى مواقف عديدة مثيرة للجدل، ومنها دعوته من أراد من السوريين السفر لتأدية فريضة الحج في المملكة العربية السعودية، إلى العدول عن الفكرة والصعود بدل ذلك يوم عرفات إلى جبل قاسيون، واصفا إياه بـ "جبل الانتصار والكبرياء".
وفي عام 2019، تحدث مفتي دمشق السابق بشير عيد الباري، الذي توفي عام 2021، عن "مكارم الأسد وصفاته" و "فكره المتطابق مع الإسلام المعتدل"، واعتبر حديثه عن مكافحة الإرهاب "منهجاً" و "برنامج عمل" للسوريين.
وذهب إلى وصف الأسد بأنه "منة الله لأهل الشام "، مشيداً "بأخلاقه ورجاحة عقله".
أما محمد سعيد رمضان البوطي، الذي قُتل بانفجار في مسجد الإيمان بدمشق عام 2013، فكان من الأصوات الدينية التي تبنّت مواقف متماهية مع رواية النظام، معتبرا أن سوريا تتعرض لـ "مؤامرة خارجية"، ووصف المتظاهرين بأن "جباههم لا تعرف السجود"، ودعا إلى الالتفاف حول "الجيش العربي السوري" في مواجهة ما وصفها بـ "العصابات الإرهابية المسلحة "، في تطابق بالتوصيفات مع خطاب النظام.
وظلت توصيفات البوطي هذه مثار جدل بين السوريين، إذ يتمسك مؤيدوه بما ورد في بعض خطاباته من تحريم قتل المتظاهرين، وحديثه بأنه لا يجامل الحكام أو المسؤولين.
في المقابل، تراه شريحة واسعة من السوريين المؤيدين للثورة بمثابة أداة استخدمها النظام لدعم روايته بين المجتمع المحافظ.
وكان وزير الأوقاف السوري محمد عبد الستار السيد من أبرز رجال الدين المقربين من بشار الأسد، حيث وظّف المؤسسة الدينية في سوريا لترسيخ شرعية حكمه، كما شبّه قرارات الأسد ومراسيم العفو عن الذين حملوا السلاح بأفعال النبي. وغادر عبد الستار السيد سوريا عقب سقوط الأسد، حيث توفي في موسكو في فبراير/شباط 2026.
ومن رجال الدين المسيحيين الخوري جورج رفيق حوش، الذي قُتل عام 2022، وكان عضوا في "لجنة المصالحة الوطنية "، ودعا معارضي بشار الأسد خلال الثورة إلى ترك السلاح والعودة لـ "حضن الوطن"، في مقابل دعمه حمل السلاح لـ "العمل المقاوم بلا حدود جغرافية "، وذلك تنديدا بمقتل قائد "فيلق القدس " في " الحرس الثوري الإيراني"، قاسم سليماني.
وقبل هروبه إلى روسيا بأيام، استخدم الأسد، بطريرك السريان الأرثوذكس إغناطيوس أفرام الثاني لنقل رسالة غير مباشرة لدونالد ترامب، وذلك عبر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، حيث نقل إليه ما يراه "تهديدا وجوديا للأقلية المسيحية" في حال انتصر "المتمردون الإسلاميون " على نظام الأسد.
كان لخطاب رجال الدين الموالين للنظام المخلوع أثر في المجتمع السوري، فالكلمة الصادرة من المنبر كانت تصل إلى جمهور ينظر إلى رجل الدين باعتباره مرجعية لها مكانة روحية كبيرة. ومع اصطفاف عدد منهم إلى جانب الأسد، انتقلت مواقفهم إلى طريقة تقديم الثورة والمعارضين والحرب، وربطها بمفاهيم مثل "الوطنية" و "الخيانة" و "الفتنة".
وفي مجتمع يحظى فيه المسجد ورجل الدين بحضور في الحياة العامة، أصبح الخطاب الديني أحد المجالات التي وصلت عبرها رواية النظام إلى الجمهور، فيما خلصت عدة دراسات إلى أن نظام الأسد استخدم الخطاب الديني بعد عام 2011 أداة لتعزيز شرعيته ومواجهة خصومه.
يقول الأكاديمي السوري والباحث المتخصص في الحركات الإسلامية عبد الرحمن الحاج، إن "رجال الدين لعبوا دورا مهما في إضفاء الشرعية على عمليات القمع الممنهجة التي نفّذها نظام الأسد بمختلف أنواع الأسلحة"، معتبرا أن النظام "استخدم الدين سلاحا إضافيا ضد مواطنيه"، فيما تطوع "رجال دين انتهازيون" لتقديم هذه الخدمة، وعلى رأسهم مفتي الجمهورية السابق.
ويضيف أنه في الوقت الذي كان يجب على هذه الشريحة من رجال الدين حماية الإنسان والدفاع عن حقه في الحياة والتعامل الرفيق به، فعل رجال دين عكس ذلك تماما.
ويرى الدكتور الحاج في حديثه لـ "سوريا الآن" أن بعض الزعماء الروحيين قدموا دعما لفظيا عاما لنظام الأسد، مشيرا إلى مصير "المطرانين يوحنا إبراهيم وبولس يازجي في حلب عام 2013، وقبلهما الأب فادي جميل حداد، الذي قُتل في مدينة قطنا في أكتوبر/تشرين الأول 2012، لأنه وقف في وجه الفتنة واستخدام المسيحيين ضد المسلمين في المدينة".
ويشير الباحث إلى وجود "فرق بين أن يقدم رجل الدين دعما عاما وولاء مجبرا عليه لتجنب الاستهداف، وبين تقديم غطاء شرعي لعمليات القمع الوحشية باسم الدين، كما فعل مفتي الجمهورية سابقا أحمد حسون ووزير الأوقاف عبد الستار السيد ورجال دين شيعة كثر مثل عبد الله نظام وغيرهم. وترتب على تقديم هذه الشرعية أمران، هما فقدان المكانة وإضعاف دور الدين في المجتمع، وتزايد انعدام الثقة برجال الدين".
ولا شك، بحسب الباحث، أن ذلك عزز العنف في المجتمع "فالتلاعب بالدين يُفهم في سياق القمع باعتباره اعتداء وجوديا من منظور الضحايا، ما يضاعف رغبتهم في استخدام العنف المضاد. إضافة إلى ذلك، تؤدي هذه الممارسة إلى البحث عن مصادر موثوقة للفتوى أو التعاليم الدينية، ما يعزز دور رجال الدين غير الرسميين وربما المتطرفين".
وكان الحكم الصادر من محكمة الجنايات بدمشق ضد أحمد حسون قبل 10 أيام، هو الأول من نوعه ضد رجل دين ضمن مسار العدالة الانتقالية، في ظل محاكمات علنية، حضورية وغيابية، لمسؤولين سابقين، أبرزهم بشار الأسد الذي صدر بحقه حكم بالإعدام.
وفي أبريل/نيسان 2026، قال وزير الأوقاف السوري الدكتور محمد أبو الخير شكري إن الوزارة عزلت في دمشق وحدها 25 خطيبا ممن كانوا يمجّدون النظام البائد، معتبرا أن من يفعل ذلك "لا يؤتمن على توجيه الناس"، ولن تسمح له الوزارة بالصعود إلى المنابر التي تشرف عليها.
وكانت الوزارة أصدرت في الشهر نفسه قرارا بكف يد أربعة من أفراد عائلة "آل فرفور" عن إدارة مجمع الفتح الإسلامي في دمشق، وهم حسام الدين فرفور، وعلاء فرفور، وضياء فرفور، ومعتصم بالله فرفور، وسحب صلاحياتهم الإدارية والمالية، وإلزامهم بتسليم وثائق ومستندات المجمع.
محمد عبد الستار السيد (وزارة الأوقاف السورية)من جانبه، أكد معاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار في تصريح سابق له عدم وجود عزل لأي خطيب بحسب منهجه في كل سوريا، التي تضم 16 ألف مسجد. وذكر أن هناك ثلاثة أنواع من رجال الدين في عهد نظام الأسد، من كان يفتي ويمجّد مُنع من الخطابة والإمامة، ومن كان يمجّد أو يمدح فقط مُنع من الخطابة دون الإمامة، ومن كان يُجبر على الكلام، وهم "الغالبية الساحقة"، لم يُطلب من أحد منهم ترك منبره. وأوضح أن الوزير منع عزل أي خطيب إلا بقرار منه، حتى يطّلع على السبب بنفسه.
ويميّز الدكتور في القانون العام وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري في سوريا، أحمد قربي، بين أداتين من أدوات العدالة الانتقالية، الأولى هي المحاكمة والمساءلة والمحاسبة، وتشمل من ارتكب انتهاكات جسيمة، مشيرا إلى أن حالة حسون تندرج ضمنها، باعتباره كان في منصب المفتي العام ويبرر قصف المدن بالبراميل وغيرها من الأسلحة، ويصف الثوار بأنهم "جماعات إرهابية مسلحة".
أما الأداة الثانية فهي العزل السياسي أو الإداري، وتطال من لم يرتكب انتهاكا جسيما يوصله إلى مرحلة المحاكمة، وتُعد في لغة القانون "عقوبة مسلكية ".
ويشرح قربي في حديثه لـ "سوريا الآن "، أن "العقوبة تتدرج بحسب جسامة الانتهاك"، ويضرب مثلا بمن اكتفى بتأييد الأسد أو مدح جيشه لمرة أو مرتين، مقابل من ارتكب انتهاكا جسيما، موضحا أن الأدوات المتاحة في هذه الحالات تختلف بين العزل السياسي أو الوظيفي والمحاكمة، مؤكدا أن "هذه الأدوات كلها تندرج ضمن مسار العدالة الانتقالية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة