(CNN) -- في أوائل العام الماضي، تنقّل إريك وكريستينا شوينديمان بين عدة دول آسيوية لأشهر طويلة خلال رحلاتهما المستمرة. وفي فصل الربيع، عاد الزوجان الأمريكيان المتقاعدان إلى مقر إقامتهما الأساسي في إيطاليا لبضعة أشهر من الراحة والاستقرار المؤقت.
لكن بسبب القيود التي تحدد مدة الإقامة داخل منطقة شنغن بـ90 يومًا فقط، اضطر الزوجان إلى قضاء الأشهر الثلاثة التالية في التنقل بين إنجلترا، والجبل الأسود، والبوسنة والهرسك، وصربيا، وتركيا، والأردن، وقبرص، قبل أن يعودا مجددًا إلى إيطاليا في شهر أكتوبر/ تشرين الأول لقضاء ما تبقى من العام هناك.
يعتمد الزوجان ما يُعرف باسم "تنقّل شنغن" (Schengen Shuffle)، وهو أسلوب حياة يتبعه أشخاص يسعون للبقاء ضمن الحدود القانونية للإقامة داخل منطقة شنغن الأوروبية، التي تضم حاليًا 29 دولة عضوًا. وتسمح هذه القوانين لمواطني غالبية الدول بالبقاء داخل المنطقة لمدة لا تتجاوز 90 يومًا من كل 180 يومًا.
وقد يستمتع البعض باتباع هذا النمط المتمثل في التغيير المستمر للأماكن والثقافات، بينما يجد آخرون أنفسهم مضطرين لذلك أثناء محاولتهم الحصول على إقامة طويلة الأمد في أوروبا. وقد ظهرت مجموعات على منصة "فيسبوك" ومنتديات إلكترونية مخصصة لهذا الأسلوب من السفر، حيث يتبادل المغتربون النصائح والخبرات ويقارنون استراتيجياتهم المختلفة للتعامل مع قوانين الإقامة المعقدة.
وانتقل الزوجان شوينديمان إلى إيطاليا عام 2022 من ولاية فلوريدا الأمريكية، بعد حصولهما على تأشيرات إقامة مخصصة للمتقاعدين أو الأشخاص الذين لا ينوون العمل داخل إيطاليا. لكن بعد عامين، قرر الزوجان تغيير خطتهما.
وتقول كريستينا: "حين أوشكت تصاريح إقامتنا على الانتهاء، أدركنا أننا نفضل التنقّل بين إيطاليا وبقية أنحاء العالم بدلًا من تجديد الإقامة. نحن نحب إيطاليا كثيرًا، لكننا ما زلنا نرغب في السفر خلال غالبية أشهر السنة".
وتضيف أنها وزوجها يقضيان نحو 170 يومًا سنويًا في إيطاليا، أي تقريبًا كامل المدة المسموح بها داخل منطقة شنغن.
وقد تأسست منطقة شنغن عام 1985 بهدف تسهيل حرية الحركة بين الدول الأعضاء، دون الحاجة إلى نقاط تفتيش حدودية أو ختم جوازات السفر بين هذه الدول. لكن القاعدة الأساسية تنص على ألا تتجاوز إقامة الزائر 90 يومًا خلال 180 يومًا متتالية.
ولا يشترط القانون أن تكون الأيام الـ90 متواصلة، بل يجب على المسافرين حساب أيامهم بعناية لتجنب تجاوز الحد المسموح. وعند دخول أي دولة من دول شنغن، تقوم السلطات بالنظر إلى آخر 180 يومًا للتأكد من أن الزائر لم يتجاوز إجمالي 90 يومًا داخل المنطقة.
وكان الأمريكيان إيميلي ويلسون وكريس برودهوم، برفقة كلبهما، يعيشان تجربة مشابهة. إذ قاما بالتنقل خلال عام واحد فقط بين تركيا، وإسبانيا، والنمسا، وإنجلترا، وتايلاند، والبرتغال، وكاليفورنيا.
وتوضح ويلسون أن أحد أسباب هذا النمط من السفر هو الرغبة في اكتشاف أماكن جديدة، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على تأشيرة تسمح لهما بالإقامة لفترة طويلة في البرتغال، وهو البلد الذي يرغبان بالعيش فيه.
وتقول: "درسنا خيارات الإقامة الطويلة مثل تأشيرة D7 البرتغالية، لكن الإجراءات البيروقراطية كانت مرهقة، كما أن الشروط تحد من إمكانية السفر خارج البلاد. لذلك أدركنا أننا لسنا مستعدين للاستقرار الكامل بعد، وأننا لم نستكشف أوروبا بما يكفي".
لكن هذا الأسلوب من الحياة لا يخل من التحديات. فالتنقل المستمر يتطلب البحث الدائم عن سكن مؤقت، والتأقلم مع أماكن جديدة، والتعامل مع قوانين الإقامة والتأشيرات المختلفة.
بالنسبة إلى سيندي فيلهلم، القادمة من ولاية أوهايو الأمريكية، فقد أمضت ثلاث سنوات تتنقل بين الدول الأوروبية قبل أن تحصل أخيرًا على تصريح إقامة طويل الأمد في فرنسا. وخلال فترة تنقلها، أنشأت مجموعة على فيسبوك بعنوان "Schengen Shuffle Expats"، تضم اليوم آلاف الأعضاء الذين يتبادلون النصائح والموارد، بل ويلتقون أحيانًا أثناء السفر.
أما فيما يتعلق بالسكن، فيعتمد المتنقلون على وسائل مختلفة مثل منصة "Airbnb" لإيجارات بيوت العطلات، والمجموعات الخاصة بالمغتربين على "فيسبوك"، ومنصات تبادل المنازل أو رعاية البيوت.
رغم متعة السفر، يواجه الكثيرون تحديًا آخر يتمثل في بناء العلاقات الاجتماعية. وتقول فيلهلم إنها تحاول دائمًا خوض مغامرات جديدة، والانضمام إلى الجولات السياحية، واستخدام القطارات والحافلات للتعرف إلى الناس.
في المقابل، تعتمد ويلسون وزوجها على الانضمام إلى مجموعات محلية عبر الإنترنت فور وصولهما إلى أي وجهة جديدة، وغالبًا ما يجدان مجتمعات نشطة عبر تطبيقات مثل "واتساب"، و"تيليغرام" و"Meetup".
يختار بعضهم وجهات معروفة بوجود مجتمعات للمسافرين الرقميين والرحالة، مثل مدينة ساراندا في ألبانيا أو شيانغ ماي في تايلاند، حيث يسهل تكوين صداقات والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية.
يتطلب الحفاظ على الالتزام بقوانين شنغن دقة كبيرة، إذ أن أي خطأ في الحساب قد يؤدي إلى غرامات باهظة أو منع من دخول أوروبا لسنوات. لذلك يستخدم العديد من المسافرين تطبيقات متخصصة لحساب أيام الإقامة بدقة.
رغم التحديات، يرى الكثيرون أن هذا الأسلوب يوفر تكاليف المعيشة مقارنة بالحياة في الولايات المتحدة، خاصة مع توفر وسائل النقل العامة وإمكانية العيش دون الحاجة إلى سيارة، كما أن الإقامات المؤقتة تُغني عن تكاليف الرهن العقاري والصيانة.
يشتري بعض الأمريكيين الذين يتنقلون بين المدن خطط تأمين صحي دولية، والتي تصبح أقل تكلفة باختيار تغطية عالمية (باستثناء الولايات المتحدة، خاصة أن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ).
بينما يستخدم بعض المتنقلين دخل التقاعد لتأمين معيشتهم، يقوم آخرون بتأجير منازلهم أو العمل عن بُعد.
وتقول ويلسون: "ساعدنا تأجير منزلنا في سداد الجزء الأكبر من فواتيرنا. كما أنشأت موقعاً إلكترونياً عن السفر مع الحيوانات الأليفة، ما شغلني وساعدني على التواصل مع مجتمع من المسافرين الآخرين الذين يصطحبون حيواناتهم الأليفة، لكنه لم يُدرّ عليّ دخلاً كبيراً".
تخطط أيضاً لإطلاق شركة استشارية لمساعدة المسافرين على التخطيط لرحلات طويلة الأمد ورحلات استجمام، ويعمل زوجها على مشروع لأتمتة الأعمال.
تجد ويلسون فائدة أخرى في أسلوب الحياة هذا، أي التشجيع على الاستكشاف.
وتضيف: "لولا قيود مدة الإقامة في منطقة شنغن، لما تمكّنا من توسيع آفاقنا إلى أماكن غير مألوفة، مثل ألبانيا وتركيا. لم نكن نعرف الكثير عن العديد من هذه البلدان، لكنها أصبحت من أكثر تجاربنا التي لا تُنسى".
المصدر:
سي ان ان