دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- أصبح تناول الطعام بمفردك محل جدل في العاصمة الكورية الجنوبية سول، حيث أثار مطعم نودلز غضب الزبائن الذين أتوا بمفردهم أواخر العام الماضي، بعدما أفادت تقارير بأنه وضع لافتة تقول إن على الفرد إما أن يطلب لشخصين أو أن يحضر صديقًا أو شريكًا.
جاء في اللافتة، بحروف عريضة: "نحن لا نبيع الشعور بالوحدة"، ما أثار استياء الكثيرين، إلى حد وصفه البعض بالتمييز، خاصة أن الأسر المكوّنة من شخص واحد شكّلت أكثر من 36% من إجمالي المنازل في كوريا الجنوبية عام 2024، وهو رقم قياسي.
وكتب أحد المسافرين تعليقًا على "إنستغرام" أنه "في بعض الأماكن، اضطررت لانتظار مرافق، وأحيانًا وافق أشخاص كوريون على مشاركة الطاولة معي. هذا ليس الخيار الأفضل، لكنه أفضل من لا شيء".
بالنسبة لماغي وونغ، وهي كاتبة متخصصة في السفر والطعام لدى CNN، فإن استكشاف المدن والمطاعم بمفردها يُعد جزءا من عملها. وقد أتيحت لها الفرصة لتناول الطعام وحدها في أماكن عديدة وبمستويات مختلفة من الأسعار، بما في ذلك كوريا الجنوبية، دون مشاكل تُذكر. لكن تجربتها الأخيرة، عند مدخل مطعم شبه خالٍ وبسيط في سول رفض استقبالها كونها بمفردها، تسلط الضوء على وصمة قديمة لا تزال تؤثر على الزبائن حول العالم.
في عام 2023، أثارت بعض مطاعم مدينة برشلونة الجدل بعد رفضها استقبال الزبائن المنفردين، مفضّلة الاحتفاظ بالطاولات لمجموعات أكبر. وفي أواخر العام الماضي، تصدّر مطعم تركي في مدينة ليفربول عناوين الأخبار بعد أن رفض استقبال امرأة بمفردها خلال أوقات الذروة.
وليس من المستغرب أن يكون الخوف من تناول الطعام وحدك شائعًا لدرجة أن له اسمًا: "رهاب تناول الطعام منفردًا".
وقالت غلوريا تشونغ وينغ هان، وهي كاتبة ومتخصصة في تنسيق الطعام والسفر تقيم في هونغ كونغ، إن هذا الضغط غالبًا ما يكون نابعًا من الداخل. وبالنسبة لها، فإن تناول الطعام بمفردها يعزز التجربة الغذائية، رغم أنها تقضي نحو 40% من وقتها في تناول الطعام وحدها خلال رحلاتها.
وأشارت إلى أن تناول الطعام بمفردك في مطعم أوروبي صاخب قد يجعلك تشعر بالعزلة أكثر من الجلوس لتناول وجبة فاخرة متعددة الأطباق وحدك، مؤكدة أن تجربة سول كان يمكن تفاديها، مع مراعاة بعض الأمور.
رغم من ثقافة المشاركة بالطعام في كوريا الجنوبية، مثل الشواء الكوري والأطباق الكبيرة المشتركة، إلا أن هناك خيارات كثيرة مناسبة للأفراد، خاصة في المناطق التجارية مثل غانغنام أو جونغنو، إضافة إلى مطاعم النودلز والمقاصف. كما يتيح تطبيق " Naver Maps" البحث عن أماكن مناسبة للأفراد.
لكن يبدو أن الأمور تتحسن عالميًا، إذ انه بحسب بيانات منصة "OpenTable"، ارتفع الإقبال على تناول الطعام الفردي بنسبة 19% عالميًا في عام 2025، وهو أكبر نمو بين جميع أنواع الحجوزات.
ولا يقتصر الأمر على الزيادة في العدد، بل أن الزبائن المنفردين ينفقون أكثر أيضًا، بمتوسط 90 دولارًا للفرد، أي أعلى بنسبة 54% من المتوسط العام.
قالت لور بورنيه، وهي نائب رئيس النمو الدولي لدى "OpenTable"، إن "الطاولة لشخص واحد لم تعد مجرد خيار، بل أصبحت اتجاهًا عالميًا"، موضحة أن هذا التحول يعكس ثقافة جديدة قائمة على الاستقلالية والاستكشاف.
وتقود هذه الظاهرة فئة المسافرين، خاصة في مدن كبرى مثل نيويورك ولندن، حيث أصبحت المطاعم أكثر اهتمامًا بتلبية احتياجات الأفراد، من خلال توفير مقاعد في حانة أو قوائم تذوق مخصصة لشخص واحد.
يُعد مطعم "Cervo’s" في نيويورك مثالًا ناجحًا، حيث يوفر أجواءً ترحيبية للجميع، بما في ذلك الزبائن المنفردين. وأوضح أحد مالكيه أن الشعور بالراحة أثناء تناول الطعام وحدك يأتي من الانغماس في طاقة المكان.
لكل مدينة قواعدها الخاصة لتناول الطعام بمفردها، بما في ذلك هونغ كونغ. Credit: Vernon Yuen/NurPhoto/Shutterstockرغم اختلاف ثقافات المدن، فإن تناول الطعام منفردًا أصبح أكثر قبولًا. في طوكيو، مثلًا، يُعد هذا الأمر جزءًا من الثقافة، مع وجود مطاعم مصممة خصيصًا للأفراد. أما في هونغ كونغ، فيُنظر إلى الأمر بشكل عملي، حيث يُستفاد من كل مساحة متاحة.
رغم أن التجربة الأولى قد تكون صعبة، إلا أن كثيرين يكتشفون لاحقًا متعتها. ولفتت بورنيه إلى أن هذا الاتجاه يعكس أيضًا تزايد الاهتمام بالعناية الذاتية، مضيفة: "أصبح الناس أكثر استعدادًا للاستثمار في أنفسهم وخوض تجارب جديدة وربما إعادة تعريف معنى التواصل، ليشمل التواصل مع الذات أيضًا".
المصدر:
سي ان ان