قديما، كانت عملية إغراق سفن العدو أمرا صعبا ومعقدا حيث احتاج الأمر إما لالتحام مباشر مع العدو بعرض البحر أو قصف مدفعي أو لوضع متفجرات تحت سفنه. لكن خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تغير الوضع بشكل كامل بفضل المهندس والمخترع الإنجليزي روبرت وايتهاد (Robert Whitehead).
فعقب جملة من الأبحاث والاستنتاجات التي وضعها أثناء تواجده بالنمسا، تمكن الأخير من ابتكار الطربيد الحديث الذي سرعان ما تحول لسلاح رئيسي بالنسبة للسفن الحربية والغواصات.
عقب مسيرة دراسية ناجحة بمعهد الميكانيك بمانشستر، اتجه المهندس الإنجليزي روبرت وايتهاد، المولود ببولتون (Bolton) يوم 3 يناير 1823، نحو فرنسا أين عمل بحوض بناء السفن بتولون (Toulon) لصالح مؤسسة فيليب تايلور وأبنائه. لاحقا، انتقل روبرت وايتهاد نحو ميلانو بإيطاليا أين عمل أيضا بمجال الهندسة لوهلة قبل أن يحط الرحال فيما بعد بالنمسا وتحديدا بمنطقة تريستي (Trieste) المطلة على البحر الأدرياتيكي.
أثناء فترة تواجده بالنمسا، كسب روبرت وايتهاد شهرة بفضل إتقانه لعمله. وعلى إثر ذلك، استدعي للعمل مع مؤسسة Fonderia Metalli بمنطقة ريجيكا (Rijeka) التي كانت معروفة حينها بفيومي (Fiume). إلى ذلك، مثلت البحرية النمساوية إحدى حرفاء المؤسسة التي عمل لصالحها المهندس الإنجليزي.
وبفضل هذا الرابط، تطورت علاقة روبرت وايتهاد بعدد من المسؤولين بالبحرية النمساوية وعلى رأسهم المهندس والملازم جيوفاني لوبيس (Giovanni Luppis) الذي التقى به خلال بداية ستينيات القرن التاسع عشر.
بتلك الفترة، كانت لدى جيوفاني لوبيس فكرة لبناء نوع من القوارب الصغيرة المتفجرة التي يتم التحكم فيها عن بعد من أجل استهداف سفن العدو. وفي الأثناء، وضع هذا الملازم النمساوي عددا من التصاميم والمقترحات لتحويل فكرته لحقيقة. إلى ذلك، لم تكن فكرة جيوفاني لوبيس واضحة حيث افتقرت للدقة والتكنولوجيا اللازمة بتلك الفترة.
ومستغلا فكرة جيوفاني لوبيس، اتجه المهندس الإنجليزي روبرت وايتهاد لإدخال تغييرات شاملة على فكرة القارب المليء بالمتفجرات ليضع بذلك تصاميم ما عرف بالطربيد ذاتي الدفع الذي لقب حينها بطربيد وايتهاد.
حسب تصاميم النماذج الأولية لطربيد وايتهاد، بلغ طول الأخير 340 سنتيمتر وقدر عرضه بحوالي 36 سنتيمتر. وقد بلغ وزن هذا الطربيد 845 رطلا وزود بمروحة خلفية ومحرك يعمل بالهواء المضغوط سمح له ببلوغ سرعة 7 عقد.
بناء على حسابات وايتهاد، كان هذا الطربيد قادرا على حمل شحنة متفجرات بلغ وزنها نحو 50 كلغ كما كان قادرا على إصابة أهداف تبعد 700 متر. بحلول العام 1870، أدخل روبرت وايتهاد تحسينات على طربيده الذي أصبح قادرا على بلوغ سرعة 17 عقدة.
مثل طربيد وايتهاد أمرا فريدا من نوعه حيث كان الأخير قادرا على الانطلاق وإصابة العدو وهو تحت الماء دون أن يغرق أو يغير من مساره. وخلال سبعينيات القرن التاسع عشر، اتجهت العديد من الدول لشرائه بهدف إنتاجه وتسليح سفنها به. وفي الأثناء، مثلت الولايات المتحدة الأميركية أبرز من حصل على هذا الطربيد حيث اتجهت الأخيرة لتحسين تصميمه بهدف جعله أكثر فاعلية.
حسب العديد من المصادر، استخدم طربيد وايتهاد بنجاح لأول مرة خلال الحرب الروسية العثمانية عام 1878 حيث استخدمه الروس حينها لإغراق احدى السفن العثمانية.
المصدر:
العربيّة