في ليلة 14 أبريل/نيسان 1912، اصطدمت سفينة تيتانيك بجبل جليدي في شمال المحيط الأطلسي، لتغرق بعد ساعات حاملة معها أكثر من 1500 شخص، لكن الكارثة لم تنتهِ عند حطام السفينة في قاع البحر، فقد كشفت للعالم أن امتلاك وسيلة للاتصال في حالات الطوارئ لا يكفي إن لم تكن هناك قواعد موحدة تضمن وصول نداء الاستغاثة والاستجابة له بسرعة.

ومنذ ذلك الحين، بدأت سلسلة من التغييرات التي نقلت عمليات الإنقاذ من مجرد جهاز لاسلكي على متن السفينة إلى منظومة عالمية تعتمد الاتصالات الرقمية، والأقمار الاصطناعية، وتحديد المواقع.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "كوالكوم" الأمريكية تشتري تقنيات "شرائح هواوي" الصينية.. ماذا يعني ذلك؟
* list 2 of 2 وسط مخاوف من هجمات الذكاء الاصطناعي.. ويكيبيديا تؤكد تعرضها للهجوم end of list

من نداء الاستغاثة إلى تنظيم البلاغات

خلافا للاعتقاد الشائع، لم تبتكر تيتانيك إشارة الاستغاثة "إس أو إس" (SOS)، إذ كانت الإشارة جزءا من لوائح الاتصالات اللاسلكية الدولية المعتمدة قبل الكارثة، لكن غرق السفينة أظهر الحاجة الماسة إلى تحسين تنظيم الاتصالات البحرية. فبعد أشهر من الحادثة، اجتمع المؤتمر الدولي الثاني للإبراق اللاسلكي في لندن عام 1912.

وبحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، أقر المؤتمر أولوية نداءات الاستغاثة على الاتصالات الأخرى، وخصص موجة مشتركة لإشارات استغاثة السفن، كما ألزم السفن بفترات صمت لاسلكي منتظمة ليتمكن المشغلون من الاستماع إلى نداءات الطوارئ، وهكذا تحولت الاستغاثة من مجرد قدرة تقنية على إرسال الإشارة إلى نظام محكم له قواعد تحدد كيفية استقبالها والتعامل معها.

مصدر الصورة الصورة تظهر أحد قوارب النجاة التي حملت الناجين من تيتانيك بعد غرقها (الأرشيف الوطني الأمريكي)

الكارثة لا تغيّر اللاسلكي فحسب

أظهر حادث تيتانيك أيضا أن الوقاية من الكوارث يجب أن تبدأ قبل وقوعها، فبعد الغرق، أُطلقت دوريات منتظمة لرصد الجبال الجليدية في منطقة الضفاف العظمى قرب نيوفاوندلاند، وكانت السفن تبث مواقع الجليد وتحذيراتها عبر اللاسلكي إلى السفن المارة.

وبحلول عام 1914، أنشئت الدورية الدولية للجليد رسميا، بالتزامن مع اعتماد أول اتفاقية دولية لسلامة الأرواح في البحر، المعروفة اختصارا باتفاقية سولاس (SOLAS)، ويصف خفر السواحل الأمريكي كارثة تيتانيك بأنها القوة المحركة التي دفعت إلى تأسيس هذه الدورية، في حين أصبحت الاتفاقية لاحقا الإطار الأساسي لتطوير معايير السلامة البحرية الدولية.

إعلان

ولم تقتصر التغييرات على الاتصالات ورصد الجليد، إذ أدت التحقيقات التي أعقبت الكارثة إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية في قطاع النقل البحري، كان من بينها فرض قواعد جديدة تتعلق بقوارب وسترات النجاة على سفن الركاب، وفقا للأرشيف الوطني الأمريكي.

من اللاسلكي إلى الأقمار الاصطناعية

على مدى العقود التالية، تطورت طبيعة الاتصالات البحرية تدريجيا، وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أتاحت تقنيات الاتصالات الرقمية والأقمار الاصطناعية آفاقا جديدة للبحث والإنقاذ.

وتشير المنظمة البحرية الدولية إلى أن تطوير الاتصالات الرقمية عبر الأقمار الاصطناعية أدى إلى ظهور أدوات حديثة، من بينها منارات تحديد مواقع الطوارئ اللاسلكية المعروفة بـ"إيبيرب" (EPIRB)، والتي وفّرت لسلطات البحث والإنقاذ وسيلة أكثر فاعلية للتعامل مع حالات الطوارئ وتحديد مواقعها بدقة.

وفي عام 1979، أنشئت المنظمة الدولية للاتصالات البحرية عبر الأقمار الاصطناعية "إنمارسات" (Inmarsat) تحت رعاية المنظمة البحرية الدولية، بهدف توفير اتصالات فضائية بحرية، قبل أن تتطور هذه الجهود لاحقا إلى منظومة متكاملة للاستغاثة والسلامة.

مصدر الصورة أفراد من الدورية الدولية للجليد، التي أنشئت بعد الكارثة لمراقبة الجبال الجليدية في شمال الأطلسي وتحذير السفن من مخاطرها (خفر السواحل الأمريكي)

عندما أصبحت الاستغاثة منظومة عالمية

تمثل التحول الأكبر في إقرار النظام العالمي للاستغاثة والسلامة البحرية المعروف اختصارا بـ"جي إم دي إس إس" (GMDSS)، الذي اعتمدت متطلباته الأساسية ضمن اتفاقية سولاس عام 1988، وبدأ تطبيقه تدريجيا منذ عام 1992، إلى أن دخل حيز التنفيذ الكامل عام 1999.

وبحسب المنظمة البحرية الدولية، يجمع هذا النظام بين الاتصالات الأرضية والفضائية، ويوفر للسفن وسائل متعددة لإرسال إنذارات الاستغاثة واستقبال معلومات السلامة البحرية، كما يعتمد على أجهزة متطورة مثل منارات إيبيرب ومنظومات أخرى تساعد سلطات البحث والإنقاذ على تحديد موقع الطوارئ والتعامل معه بسرعة.

وهنا تغيرت الفلسفة الأساسية للاستغاثة: لم يعد المطلوب فقط أن يستقبل شخص ما نداء السفينة بالصدفة، بل أصبح الهدف أن تصل إشارة الطوارئ تلقائيا إلى الجهات المختصة، وأن تتوفر بيانات دقيقة تساعدها على تحديد مكان الحادث وتنسيق عملية الإنقاذ.

من سفينة قريبة إلى شبكة إنقاذ متكاملة

في زمن تيتانيك، كان نجاح الاستغاثة يعتمد بدرجة كبيرة على وجود سفينة قريبة قادرة على استقبال النداء والوصول إلى الموقع، أما منظومة "جي إم دي إس إس" الحديثة، فتربط وسائل الاتصال والاستغاثة بأنظمة بحث وإنقاذ عالمية، بحيث يمكن تنسيق عمليات الإنقاذ بغض النظر عن مكان وقوع الحادث.

وتوضح المنظمة البحرية الدولية أن هذا النظام يتكامل مع الاتفاقية الدولية للبحث والإنقاذ البحري المعروفة بـ"سار" (SAR) لعام 1979، والتي وضعت إطارا دوليا لتنسيق عمليات إنقاذ الأشخاص المعرضين للخطر، بما في ذلك تعزيز التعاون بين الدول عند الحاجة.

مصدر الصورة إحدى وسائل المراقبة الحديثة التي تستخدمها الدورية الدولية للجليد لرصد الجبال الجليدية (خفر السواحل الأمريكي)

ماذا بقي من تيتانيك في هاتفك؟

ليس صحيحا أن الهاتف الذكي أو نظام تحديد المواقع العالمي "جي بي إس" (GPS) جاء نتيجة مباشرة لغرق تيتانيك، فهذه تقنيات تطورت عبر مسارات علمية وصناعية مستقلة خلال القرن التالي، لكن الصلة تكمن في المبدأ الذي أسهمت الكارثة في ترسيخه، وهو أن الاتصال في حالات الخطر يجب أن يكون منظما، وموثوقا، وقادرا على إيصال بيانات تساعد على الإنقاذ.

إعلان

فمن اللاسلكي الذي حمل نداءات تيتانيك الأخيرة، انتقل العالم إلى الاتصالات الرقمية، ثم الأقمار الاصطناعية، ومنارات تحديد الموقع، وأنظمة البحث والإنقاذ العالمية. وبعد أكثر من قرن، أصبحت أجهزة صغيرة في أيدينا قادرة على الجمع بين الاتصال وتحديد الموقع ونقل البيانات، بينما تعمل خلفها شبكات دولية معقدة للبحث والإنقاذ.

وهكذا لم تكن تيتانيك نقطة انطلاق لكل تقنية نستخدمها اليوم، لكنها كانت إحدى أبرز الكوارث التي كشفت للعالم التكلفة الباهظة لضعف التنسيق في حالات الطوارئ، وأسهمت في دفع الملاحة البحرية نحو عصر جديد لا تكتفي فيه الاستغاثة بإعلان وجود الخطر، بل تعمل على تحديد مكانه وتسريع الوصول إلى مَن يحتاج النجدة.