في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عرضت شبكة أوروبية للروبوتات 15 نظاما مدعوما بالذكاء الاصطناعي داخل البرلمان الأوروبي في بروكسل، في وقت تدفع فيه الشيخوخة ونقص العمالة القارة إلى البحث عن حلول تتجاوز استعراض الآلات.
داخل قاعة البرلمان الأوروبي في بروكسل، لم تكن الروبوتات معروضة خلف حواجز زجاجية. بل ظهر بعضها كذراع آلية تفكك مضخة مياه لاستعادة مكوناتها وإعادة تدويرها، وروبوتات تساعد في ترتيب أدوات المائدة وتحميل غسالة الصحون، وأخرى تتحرك فوق العوائق أو تنقل الأشياء في فضاء يحاكي المنزل والمصنع.
لكن خلف هذه المشاهد، التي بدت أقرب إلى استعراض تقني، كان سؤال اقتصادي أكبر حاضرا: من سيشغل الوظائف التي قد يتركها تراجع أعداد العاملين في أوروبا؟
في 2 سبتمبر/أيلول، عرضت الشبكة الأوروبية للتميز في الروبوتات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي (euROBIN)، 15 نظاما وتطبيقا روبوتيا داخل البرلمان الأوروبي. وجمعت الفعالية باحثين وشركات وصناع قرار، في محاولة لدفع الروبوتات الذكية من المختبرات إلى سوق أوروبية قادرة على منافسة الولايات المتحدة والصين.
توزعت العروض على ثلاثة مجالات، وهي التصنيع والإنتاج ضمن الاقتصاد الدائري، ومساعدة الأفراد في حياتهم اليومية، واللوجستيات والنقل.
ومن أبرزها عرض تفكيك مضخات مياه آليا؛ وهي مهمة تهدف إلى استعادة المكونات والمواد القابلة لإعادة الاستخدام. ويقول معهد فراونهوفر الألماني، المشارك في العرض، إن هذا الاستخدام قد يساعد في إعادة التدوير تحت ضغط نقص العمالة الماهرة وارتفاع التكاليف وتشدد المتطلبات البيئية.
لكن ما ظهر في بروكسل لا يعني أن أوروبا باتت تملك عمالا آليين جاهزين للعمل في كل منزل أو مصنع. فالروبوتات نجحت في مهام محددة ومعدّة سلفا، وهي التقاط أكواب، ترتيب أدوات، تفكيك قطعة ميكانيكية، أو التنقل في بيئة مراقبة.
أما الانتقال من عرض قصير إلى نوبة عمل كاملة في مستودع أو مصنع أو منزل، فيتطلب قدرة أعلى على التعامل مع المفاجآت، والاختلاف بين الأماكن، والأعطال، وسلامة البشر الذين يعملون إلى جوار الآلات.
تأتي هذه الرهانات في ظل تغير ديمغرافي واضح. فبحسب البنك المركزي الأوروبي، قد تؤدي شيخوخة السكان المحليين إلى انكماش قوة العمل في منطقة اليورو بنحو 11 مليون شخص بحلول عام 2035، ما لم يستمر صافي الهجرة وارتفاع المشاركة في سوق العمل بمستويات قادرة على التعويض.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن الرقم لا يعني وجود 11 مليون وظيفة شاغرة تلقائيا، ولا يعني أن الروبوتات هي الحل الوحيد. فالبنك المركزي يشير إلى أن الهجرة ورفع مشاركة النساء وكبار السن ومن هم خارج سوق العمل يمكن أن توسع عرض العمالة أيضا.
خلال السنوات الثلاث الماضية، ساهم القادمون إلى منطقة اليورو في شغل أكثر من 3 ملايين وظيفة إضافية، بينما شغل من كانوا خارج سوق العمل نحو 2.5 مليون وظيفة أخرى، 60% منها للنساء، وفق البنك المركزي الأوروبي.
لذلك، لا ينبغي تقديم الروبوتات بوصفها بديلا حتميا عن البشر، بل كأحد الخيارات التي تراهن عليها أوروبا لتغطية أعمال متكررة أو مرهقة أو دقيقة، خصوصا في الصناعة واللوجستيات وإعادة التدوير وبعض الخدمات المساندة.
يشرح جورجيو ميتا، المدير العلمي للمعهد الإيطالي للتكنولوجيا، أن الفكرة من الروبوتات الشبيهة بالبشر هي قدرتها على العمل في عالم صُمم أصلا للإنسان: الأبواب، والسلالم، والمطابخ، والأدوات، وخطوط الإنتاج.
بمعنى آخر، بدل إعادة تصميم كل مصنع أو منزل ليتناسب مع آلة متخصصة، تأمل الشركات والباحثون أن يتكيف الروبوت مع البيئة البشرية القائمة.
لكن هذه الفكرة لا تزال رهانا أكثر من كونها واقعا واسعا. فالروبوت الشبيه بالبشر قد يملك ميزة التعامل مع الأدوات التي صنعها البشر، لكنه يظل بحاجة إلى موثوقية عالية، وكلفة تشغيل مقبولة، وتدريب، وإشراف بشري، قبل أن يتحول إلى جزء ثابت من سوق العمل.
ولم تكن فعالية بروكسل عن الروبوتات وحدها، بل عن موقع أوروبا في سباق صناعي جديد. فقد ناقش المشاركون بناء قطاع أوروبي للروبوتات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، بوزن اقتصادي يشبه وزن صناعة السيارات في القارة اليوم.
وهذا يفسر انعقاد العرض داخل البرلمان الأوروبي تحديدا، فالمسألة ليست تقنية فقط، بل تتصل بالاستثمار، وسلاسل التوريد، والملكية الفكرية، وقدرة أوروبا على تحويل أبحاثها إلى شركات ومنتجات وأسواق، بدل تطوير التقنية داخل القارة ثم تسويقها في مكان آخر.
يبقى التحدي الأهم خارج منصة العرض: ماذا يحدث عندما تعمل هذه الأنظمة قرب البشر؟
لدى الاتحاد الأوروبي بالفعل قانون للذكاء الاصطناعي يعتمد تصنيفا للمخاطر. ويشمل الاستخدامات عالية المخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي المرتبطة بسلامة المنتجات والبنية التحتية، وكذلك بعض أدوات إدارة العمالة والتوظيف. وتُلزم القواعد الأنظمة عالية المخاطر، عند تطبيقها، بتقييم المخاطر، وتوثيق عملها، وضمان الإشراف البشري والصلابة والأمن السيبراني.
لكن قانون الذكاء الاصطناعي لا يختصر كل أسئلة الروبوتات في مكان العمل. فهناك مسائل عملية أخرى، مثل المسؤولية عن ضرر مادي أو إصابة، فهل تستخدم الشركات الروبوت لسد نقص حقيقي في العمالة أم لتقليص الوظائف؟ ومن يضمن أن مكاسب الإنتاجية لا تذهب إلى الشركات وحدها؟
بينما تطرح الروبوتات الجسدية أسئلة السلامة والمسؤولية في مكان العمل، يفتح وكلاء الذكاء الاصطناعي العاملون في العالم الرقمي بابا آخر من المخاطر: ماذا يحدث حين يمتلك النظام صلاحيات رقمية واسعة، ويسعى إلى إنجاز هدفه بطرق لم يتوقعها مطوروه؟
اقرأ أيضا: ماذا حدث حين حاول الذكاء الاصطناعي الغش في الامتحان؟
إذا، ما عرضته بروكسل لا يثبت أن الروبوتات ستزيح العامل البشري قريبا، لكنه يكشف أن أوروبا تنظر إليها بجدية أكبر كجزء من استجابة محتملة لشيخوخة السكان وتقلص الأيدي العاملة.
وقد يكون السؤال الأدق ليس: هل ستأخذ الروبوتات الوظائف؟ بل، أي وظائف ستؤديها، ومن يضع قواعد عملها، وكيف توزع مكاسبها بين الشركات والعاملين والمجتمع؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة