بينما كانت الولايات المتحدة تحتفل بالذكرى الـ200 لاستقلالها عام 1976، كان معظم الناس يتخيلون أن المستقبل سيأتي على هيئة سيارات طائرة ومدن فضائية وأجهزة غريبة، لكن المستقبل لم يأتِ بالطريقة التي تخيلها الناس.
ففي الوقت الذي كانت فيه تلك الأحلام تملأ المخيلة، كان أحد أركان التحول الحقيقي يتشكل بهدوء داخل مرآب صغير في كاليفورنيا حيث انطلقت شركة "آبل"، لتبدأ ثورة غيرت حياة مليارات البشر أكثر مما فعلت أي رؤية خيالية للمستقبل.
ومن هذه المفارقة تنطلق صحيفة واشنطن بوست في تقرير مطول بعنوان "أمريكا عند 300 عام: تخيل نصف القرن المقبل من التغيير"، لتؤكد أن المستقبل لا يأتي عادة بالشكل الذي يتوقعه البشر، وأن الابتكارات التي تعيد تشكيل العالم تبدأ أحيانا بأفكار تبدو صغيرة أو هامشية قبل أن تتحول إلى ثورات تغير مسار التاريخ.
ولهذا ترى الصحيفة أن العقود الخمسة المقبلة قد تحمل تغيرات أشد غرابة من كل ما شهده العالم خلال 50 عاما الماضية، سواء في الذكاء الاصطناعي أو الطب أو الفضاء أو شكل المجتمع نفسه.
ترى واشنطن بوست أن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم نقطة التحول الأهم منذ اختراع المحرك البخاري، بعدما انتقل خلال سنوات قليلة من تقنية محدودة الإمكانات إلى أنظمة قادرة على كتابة النصوص والمساعدة في البرمجة وتحليل البيانات وتقديم المشورة في مجالات متعددة.
وينقل التقرير عن مسؤولين وباحثين في شركات التكنولوجيا أن القدرات التي أظهرتها النماذج الذكية جاءت أسرع مما توقعه مطوروها.
سرعة تطور هذه التكنولوجيا تجعل التنبؤ بما سيحدث بعد عشر سنوات أمرا بالغ الصعوبة
ويقول جيسون زاندر، المسؤول عن أبحاث الحوسبة الكمية في مايكروسوفت إن الذكاء الاصطناعي غيّر طريقة عمله بالكامل، مؤكدا أنه كتب خلال شهرين كمية من الأكواد البرمجية تفوق ما كتبه طوال العقدين السابقين.
لكن الصحيفة تؤكد أن التفاؤل يقابله قلق متزايد، فبينما يرى المتحمسون أن الذكاء الاصطناعي قد يسرّع اكتشاف الأدوية ويزيد الإنتاجية، يحذر آخرون من احتمالات مقلقة تبدأ بفقدان الملايين وظائفهم واتساع الفجوة الاقتصادية، وتنتهي بخروج الأنظمة الذكية عن السيطرة أو تحولها إلى أدوات للمراقبة الشاملة بيد السلطة.
وتلفت واشنطن بوست إلى أن سرعة تطور هذه التكنولوجيا تجعل التنبؤ بما سيحدث بعد عشر سنوات أمرا بالغ الصعوبة، إذ إن المستقبل -حسب التقرير- بات "يندفع نحونا بسرعة تثير القلق".
وفي المجال الصحي، تشير واشنطن بوست إلى أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيغيران طريقة تطوير الأدوية وإجراء الأبحاث الطبية، عبر أتمتة كثير من الأعمال المخبرية التي تستغرق حاليا سنوات.
وبحسب التقرير، فإن مستقبل الطب لن يعتمد على علاج المرض بعد ظهوره، بل على اكتشاف احتمالات الإصابة مبكرا والتعامل معها قبل أن تتطور، وهو تحول يصفه طبيب القلب إريك توبول بأنه انتقال من "العلاج" إلى "الوقاية".
تحذر واشنطن بوست من التداعيات الأخلاقية لتطور تقنيات تعديل الجينات بمساعدة الذكاء الاصطناعي
كما يناقش التقرير الطفرة المتوقعة في أبحاث إطالة العمر، موضحا أن عددا متزايدا من المستثمرين وأصحاب المليارات يضخون أموالا ضخمة في هذا المجال سعيا إلى إبطاء الشيخوخة نفسها، وليس فقط علاج الأمراض المرتبطة بها.
وفي الوقت نفسه، تحذر واشنطن بوست من التطور في تقنيات تعديل الجينات بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فهو يحمل فرصا هائلة للقضاء على أمراض وراثية، إلا أنه يثير أيضا أسئلة أخلاقية عميقة حول إمكانية تعديل الصفات الوراثية التي قد تنتقل إلى الأجيال المقبلة.
وترى واشنطن بوست أن أحد أكبر التحديات المستقبلية قد لا يكون تقنية بل إنسانية، فبعد أن أصبحت الهواتف الذكية جزءا أساسيا من الحياة اليومية، يتزايد القلق من أن يقضي البشر وقتا أطول في التفاعل مع الآلات بدلا من الناس.
وهناك قلق متزايد من أن التفاعل مع الذكاء الاصطناعي قد يعوض البشر عن التواصل الإنساني الحقيقي، مما قد يدفع البعض للانسحاب كليا إلى عوالم افتراضية.
بعض الخبراء يرون أننا سننظر للوراء بـ"رعب" لأننا سمحنا لأنفسنا وأطفالنا باستخدام التكنولوجيا دون معايير حماية كافية
وتلفت الصحيفة إلى حركة ناشئة تهدف إلى استعادة السيطرة على "الانتباه" البشري، في ظل تأكيد بعض الخبراء أننا سننظر للوراء في المستقبل بـ"رعب" لأننا سمحنا لأنفسنا وأطفالنا باستخدام التكنولوجيا دون معايير حماية كافية من تأثيراتها السامة.
كما تشير الصحيفة إلى أن الإنترنت رغم فوائده الكبيرة، أصبح بيئة تنتشر فيها الأخبار الكاذبة والتزييف العميق وخطابات الكراهية والانتهاكات الرقمية، مما يجعل "الانتباه" نفسه موردا نادرا سيصبح الحفاظ عليه تحديا رئيسيا خلال العقود المقبلة.
وتتوقع واشنطن بوست أن يشهد النصف الثاني من القرن الحالي توسعا كبيرا في النشاط الفضائي، مع احتمال إنشاء قواعد دائمة على سطح القمر، وازدياد الاعتماد على الروبوتات في تنفيذ المهام الفضائية.
ويشير التقرير إلى أن برامج مثل " أرتميس" التابعة لوكالة ناسا تهدف إلى بناء حضور بشري مستدام على القمر، تمهيدا لتطوير تقنيات تساعد لاحقا على إرسال بعثات طويلة إلى المريخ.
هناك توقعات بظهور اقتصاد فضائي تبلغ قيمته تريليون دولار، يعتمد على الأنشطة التجارية بين الأرض والقمر
وتلفت واشنطن بوست إلى توقعات بظهور اقتصاد فضائي تبلغ قيمته تريليون دولار، يعتمد على الأنشطة التجارية بين الأرض والقمر، مع تزايد دور الشركات الخاصة في قيادة مشاريع الاستكشاف والبنية التحتية الفضائية، بعد أن كان هذا المجال حكرا على الحكومات.
وفي المقابل، يذكر التقرير أن السفر إلى المريخ سيظل مهمة معقدة للغاية، نظرا لبرودة الكوكب وبعده الشديد وصعوبة توفير مقومات الحياة عليه، مما يجعل الاستيطان الكامل تحديا طويل الأمد.
ورغم الحماس تجاه الفضاء، تؤكد واشنطن بوست أن التحدي الحقيقي سيظل الحفاظ على كوكب الأرض، في ظل تغير المناخ والضغوط البيئية المتزايدة.
وتوضح الصحيفة أن كثيرا من التقنيات التي حسنت حياة البشر مثل الوقود الأحفوري، ساهمت في الوقت نفسه في خلق أزمات جديدة، وعلى رأسها الاحتباس الحراري.
كثير من التقنيات التي حسنت حياة البشر مثل الوقود الأحفوري، ساهمت في الوقت نفسه في خلق أزمات جديدة، وعلى رأسها الاحتباس الحراري
لكن التقرير يشير إلى أن التاريخ يكشف أيضا حدود التنبؤات المتشائمة، ففي سبعينيات القرن الماضي، حذر باحثون من أن النمو السكاني المتسارع سيقود حتما إلى مجاعات تصيب مئات الملايين حول العالم، فيما عُرف آنذاك بنظرية "القنبلة السكانية".
ولكن في السنوات اللاحقة، أسهم تطور التقنيات الزراعية إلى جانب انخفاض معدلات الإنجاب في كثير من الدول، في تغيير تلك التوقعات جذريا.
الصين هي المنافس الأبرز للولايات المتحدة في سباق القيادة العلمية والتكنولوجية وفق التقرير (أسوشيتد برس)وتطرح واشنطن بوست سؤالا محوريا حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل القوة العلمية والتكنولوجية الأولى بحلول عام 2076 أم أن دولا أخرى، وعلى رأسها الصين، ستتقدم عليها.
ويرى التقرير أن التفوق الأمريكي اعتمد تاريخيا على الجامعات الرائدة وتمويل الأبحاث الأساسية، وقدرته على جذب العلماء والمبتكرين من مختلف أنحاء العالم.
لكن الصحيفة تشير إلى أن هذا التفوق ليس مضمونا، خاصة في ظل تقليص التمويل الحكومي للأبحاث خلال السنوات الأخيرة، وخفض ميزانيات بعض المؤسسات العلمية، إلى جانب مغادرة آلاف العاملين في الوكالات العلمية والصحية وظائفهم.
وتختتم واشنطن بوست تقريرها بتأكيد أن المستقبل لا يسير في خط مستقيم، بل يتقدم عبر نجاحات وإخفاقات وقفزات مفاجئة.
وبينما يتوقع البعض سيناريوهات مثالية، ويحذر آخرون من كوارث وجودية، يظل السيناريو الأكثر ترجيحا -بحسب عدد من الخبراء الذين استطلعت الصحيفة آراءهم- هو أن تواصل البشرية التكيف مع الأزمات كما فعلت مرارا عبر التاريخ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة