يعيش نادي بوردو الفرنسي واحدة من أصعب اللحظات في تاريخه، بعدما رفضت المحكمة الإدارية في باريس طلب النادي تعليق قرار استبعاده من البطولات الوطنية، لتؤكد بذلك استمرار العقوبة التي أبقت الفريق في دوري "ريجيونال 1″، المستوى السادس في هرم كرة القدم الفرنسية.
وجاء القرار في توقيت بالغ القسوة على النادي، إذ علم اللاعبون بالخبر قبل دقائق فقط من خوض مباراة ودية أمام ستاد بوردو، مساء الجمعة، على ملعب هايلان.
وبحسب صحيفة "ليكيب" (L’Equipe) الفرنسية، كان لاعبو بوردو ينهون عملية الإحماء عندما خرج ستيف شمل من غرفة تبديل الملابس وأبلغ زملاءه بالقرار بعبارة مقتضبة "انتهى الأمر!".
وسرعان ما تحولت أجواء المباراة الودية إلى مشهد حزين، وسط حالة من الصدمة بين اللاعبين وغضب في المدرجات، بعدما تلقى النادي ضربة جديدة في محاولاته إنقاذ مستقبله الرياضي.
وكانت الأزمة قد بدأت قبل ذلك بفترة، بعدما قررت هيئة الرقابة المالية في كرة القدم الفرنسية (DNCG) استبعاد بوردو من المسابقات الوطنية بسبب وضعه المالي، قبل أن يؤكد القضاء الفرنسي القرار بعد رفض الطعن الذي تقدم به النادي.
وأدى ذلك إلى فقدان النادي رخصته الاحترافية التي احتفظ بها منذ عام 1937، كما ترتب عليه فسخ عقود اللاعبين وإغلاق مركز التكوين، في ضربة قاسية لنادٍ لطالما اشتهر بأكاديميته وبإنتاج المواهب.
وبذلك وجد بوردو نفسه مضطرا إلى بدء الموسم في دوري "ريجيونال 1″، بعدما كان قبل سنوات قليلة فقط ينافس في دوري الدرجة الأولى الفرنسي والمسابقات الأوروبية.
لكن الخطر الأكبر لم يعد رياضيا فقط، إذ بات النادي مهددا بمصير أكثر قسوة يتمثل في التصفية القضائية، إذا لم يتمكن من تجاوز أزمته المالية وضمان استمراره.
وتعود جذور الانهيار إلى سنوات من الصعوبات المالية، تفاقمت بعد تراجع الموارد وتراكم الالتزامات، قبل أن يدخل النادي في مرحلة إعادة هيكلة ومحاولات متتالية لإنقاذه.
وفي إطار محاولات إعادة بناء النادي، انتقلت ملكيته إلى مستثمرين جدد، لكن استمرار بوردو خارج المسابقات الوطنية يضع مستقبل المشروع الجديد أمام اختبار صعب، في ظل مخاوف من تراجع الإيرادات وفقدان الموارد اللازمة لضمان استمرار النشاط.
ولم يعد السؤال المطروح داخل النادي متعلقا فقط بموعد العودة إلى المستويات الأعلى، بل أصبح أكثر أساسية: هل سيتمكن جيروندان بوردو من البقاء أصلا؟
وتضاعفت المخاوف بعد قرار المحكمة الإدارية في باريس، الذي أغلق أحد آخر المسارات التي كان النادي يعوّل عليها لتعليق قرار الاستبعاد.
انعكست الأزمة مباشرة على اللاعبين والجماهير، إذ لم يكن من السهل عليهم استيعاب أن ناديا بهذا التاريخ سيبدأ مرحلة جديدة في أدنى مستويات كرة القدم الفرنسية تقريبا.
فاللاعبون الذين كانوا يستعدون لخوض مباراة ودية وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف تماما، بينما عبّر المشجعون عن غضبهم وحزنهم على ما آلت إليه أوضاع ناديهم.
ويبدو مستقبل بوردو الآن مرتبطا بقدرته على إيجاد حل مالي وقانوني يجنبه التصفية، وإعادة بناء فريق قادر على المنافسة من جديد، بعدما تعرضت بنيته الرياضية لضربة قوية خلال فترة قصيرة.
وبالنسبة لجماهير النادي، فإن الخوف الأكبر هو أن تتحول الأزمة الحالية من مجرد سقوط رياضي مؤلم إلى نهاية فعلية لأحد أعرق أندية كرة القدم الفرنسية.
وتزداد قسوة المشهد عند مقارنة الوضع الحالي بالتاريخ الطويل لجيروندان بوردو، الذي أُسّس عام 1881، وأصبح على مدار أكثر من قرن أحد أبرز أندية كرة القدم الفرنسية.
وتُوج بوردو بلقب الدوري الفرنسي 6 مرات، كان آخرها عام 2009 بقيادة المدرب لوران بلان، كما أحرز كأس فرنسا 4 مرات، وكأس الرابطة الفرنسية 3 مرات.
وعلى الصعيد الأوروبي، بلغ الفريق نهائي كأس الاتحاد الأوروبي عام 1996، كما ترك بصمته في دوري أبطال أوروبا والمسابقات القارية خلال فترات مختلفة من تاريخه.
وكان النادي أيضا محطة مهمة لعدد من نجوم كرة القدم الفرنسية والعالمية، وفي مقدمتهم زين الدين زيدان، الذي لعب لبوردو بين عامي 1992 و1996، إلى جانب جان تيغانا وبيكسنتي ليزارازو وكريستوف دوغاري، وغيرهم من اللاعبين الذين تركوا بصمتهم في الكرة الفرنسية.
لهذا تبدو صورة بوردو الحالية أكثر إيلاما: نادٍ تُوج بطلا لفرنسا 6 مرات، ونافس كبار أوروبا، وأنجب واحتضن نجوما عالميين، يجد نفسه اليوم في الدرجة السادسة ويصارع لتجنب التصفية القضائية.
المصدر:
الجزيرة