في كأس العالم لكرة القدم لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات جامدة تُحفظ في سجلات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بل تتحول مع مرور الزمن إلى شواهد تاريخية تكشف كيف تغيّرت اللعبة نفسها، وكيف تبدلت موازين القوى، وكيف نجحت بعض الأجيال في ترك بصمة تبدو أحيانًا أقرب إلى الخلود.
فمنذ انطلاق النسخة الأولى في أوروغواي عام 1930 وحتى الوصول إلى نسخة قطر 2022 التي شهدت أعلى معدل تهديفي في تاريخ البطولة، تحولت المونديالات المتعاقبة إلى أرشيف ضخم يحمل داخله قصصًا عن العبقرية الفردية، والسيطرة الجماعية، والانهيارات التاريخية، واللحظات التي غيّرت وجه كرة القدم العالمية بالكامل.
وعندما تُفتح سجلات كأس العالم يبقي المنتخب البرازيلي الأكثر هيمنة في تاريخ كأس العالم، كونه المنتخب الوحيد الذي شارك في جميع النسخ الـ22، والأكثر تتويجًا باللقب بخمس بطولات. كما يتصدر السجلات التاريخية بعدد المباريات والانتصارات والأهداف، إضافة إلى امتلاكه أطول سلسلة انتصارات متتالية في المونديال. في تاريخ كأس العالم بـ11 انتصارًا متتابعًا بين نسختي 2002 و2006، فضلًا عن امتلاكه أطول سلسلة لا هزيمة بـ13 مباراة بين 1958 و1966.
ورغم الهيمنة البرازيلية التاريخية، تبقى ألمانيا المنتخب الأكثر استقرارًا واستمرارية في كأس العالم، بفضل حضورها الدائم في الأدوار المتقدمة عبر الأجيال المختلفة. فقد شاركت في 20 نسخة، وحققت اللقب أربع مرات، وخاضت 112 مباراة مونديالية سجلت خلالها 232 هدفًا، إلى جانب بروز أساطير مثل لوتر ماتيوس وميروسلاف كلوزه وغيرد مولر.
أما على مستوى الأرقام الفردية، فإن الصراع التاريخي بين الهدافين يظل أحد أكثر الملفات إثارة في تاريخ المونديال. ويتصدر الألماني ميروسلاف كلوزه القائمة التاريخية برصيد 16 هدفًا ، متفوقًا على رونالدو، كما حقق رقمه القياسي في 2014. ورغم صعوبة كسره، فإن زيادة عدد المباريات، بالإضافة إلى ظهور لاعبين مميزين مثل كيليان مبابي، تجعل تحطيمه ممكنًا.
وفي قلب هذا الصراع يقف ليونيل ميسي ، الذي قاد الأرجنتين للتتويج بمونديال 2022، وحقق عدة أرقام قياسية، أبرزها خوض 26 مباراة كأكثر لاعب مشاركة، إلى جانب تسجيل 13 هدفًا، والمشاركة في خمس نسخ، والوصول إلى 2315 دقيقة لعب، ليقترب من رقم بيليه في إجمالي المساهمات التهديفية.
ورغم امتلاك ميسي أرقامًا مميزة في العصر الحديث، فإن بعض السجلات الفردية لا تزال عصية على الكسر، أبرزها رقم الفرنسي جوست فونتين بـ13 هدفًا في نسخة واحدة (1958)، يليه كوتشيس (11 هدفًا) ومولر (10 أهداف)، بينما اكتفى مبابي بـ8 أهداف في 2022، ليبقى رقم فونتين صامدًا حتى اليوم.
يبقى الروسي أوليك سالينكو اللاعب الوحيد في تاريخ كأس العالم الذي سجل خمسة أهداف في مباراة واحدة، بعدما حقق هذا الإنجاز أمام الكاميرون في مونديال 1994.
أما الهاتريك فيحظى بمكانة خاصة في تاريخ المونديال، حيث سجل عدة لاعبين ثلاثيات متكررة مثل كوتشيس وفونتين ومولر وباتيستوتا، لكن يبقى الإنجاز الأبرز لجيف هيرست، الوحيد الذي أحرز هاتريك في نهائي كأس العالم عام 1966.
في سجل الأعمار، تبدو أرقام كأس العالم وكأنها تجمع بين أقصى حدود البدايات والنهايات. فالأسطورة البرازيلية بيليه لا يزال أصغر من سجل هدفًا في تاريخ البطولة، حين هز شباك ويلز في مونديال 1958 بعمر 17 عامًا و239 يومًا، بينما يحتفظ نورمان وايتسايد بلقب أصغر لاعب مشاركة بعمر 17 عامًا و41 يومًا. وعلى النقيض، يتصدر المصري عصام الحضري قائمة أكبر اللاعبين مشاركة، بعدما خاض مواجهة السعودية في نسخة 2018 بعمر 45 عامًا و161 يومًا، في حين يبقى الكاميروني روجيه ميلا أكبر من سجل هدفًا، بعدما تجاوز 42 عامًا في مونديال 1994.
وتكشف أرقام حراس المرمى عن طبقة مختلفة من التميز؛ إذ يتقاسم الإنجليزي بيتر شيلتون والفرنسي فابيان بارتيز الرقم القياسي في الشباك النظيفة بعشر مباريات لكل منهما، بينما ارتبطت بعض النسخ بحراس صنعوا البطولة بأكملها تقريبًا، مثل الألماني أوليفر كان في 2002، الذي يبقى الحارس الوحيد المتوج بالكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال.
ولا تتوقف الأرقام عند الأفراد، بل تمتد إلى المباريات نفسها، حيث شهدت البطولة نتائج بدت أقرب إلى الجنون الكروي. فأعلى مباراة تهديفية انتهت بفوز النمسا على سويسرا (7-5) في نسخة 1954، بإجمالي 12 هدفًا، بينما سجلت المجر واحدة من أعنف الانتصارات باكتساح السلفادور (10-1) في 1982، إلى جانب انتصارات تاريخية عريضة، مثل فوز ألمانيا على السعودية (8-0) في 2002، ويوغوسلافيا على زائير (9-0) في 1974.
وفي المقابل، تعكس الأرقام السلبية وجهًا آخر من تاريخ البطولة؛ إذ تتصدر قائمة أكثر المنتخبات تعرضًا للخسارة بـ28 هزيمة، بينما تملك بلغاريا أطول سلسلة بلا فوز، امتدت إلى 16 مباراة بين 1962 و1994، في حين دخلت منتخبات مثل كوريا الجنوبية وتونس والسعودية هذه القوائم قبل أن تكسرها لاحقًا.
أما على صعيد الانضباط، فقد تحولت بعض المباريات إلى معارك حقيقية؛ إذ دخلت مواجهة البرتغال وهولندا في مونديال 2006 التاريخ كأكثرها طردًا بأربع بطاقات حمراء، بينما سجلت مباراة هولندا والأرجنتين في ربع نهائي 2022 رقمًا قياسيًا في البطاقات الصفراء بلغ 18 بطاقة، في انعكاس واضح لحجم التوتر في الأدوار الحاسمة.
عندما يتعلق الأمر بالجماهير، يكشف كأس العالم عن تطور الظاهرة الكروية عالميًا؛ إذ ما تزال مباراة أوروجواي والبرازيل في نهائي 1950 بملعب ماراكانا تسجل الرقم القياسي للحضور بنحو 173 ألف متفرج وفق الأرقام الرسمية، مع تقديرات تاريخية تقترب من 200 ألف. أما نسخة الولايات المتحدة 1994 فهي الأعلى حضورًا بأكثر من 3.5 ملايين مشجع.
وفي المقابل، شهدت نسخة 1930 حضورًا محدودًا للغاية، حيث لم يتجاوز عدد مشجعي مباراة بيرو ورومانيا نحو 300 متفرج، وهو الأدنى في تاريخ المونديال. بينما سجلت نسخة قطر 2022 أعلى حصيلة تهديفية في تاريخ البطولة بـ172 هدفًا، إلى جانب نهائي الأرجنتين وفرنسا الذي يعد من أبرز النهائيات، كما أصبحت المغرب أول منتخب أفريقي يبلغ نصف النهائي، وقطر أول مستضيفة تخسر الافتتاح.
وتؤكد الأرقام أن تطور البطولة يعكس تغيّر كرة القدم عبر الزمن، إذ أصبحت الأرقام الحديثة أكثر صعوبة بسبب تقارب المستويات، ما يجعل بعض السجلات قابلة للكسر مثل عدد الأهداف، بينما تبقى أخرى أقرب إلى التاريخ الرمزي. وفي هذا السياق، يحتفظ هاكان شاكور بأسرع هدف في تاريخ المونديال بعد 11 ثانية في نسخة 2002، كما سجل إيبّي ساند أسرع هدف بديل بعد 16 ثانية في 1998. ويظل بيليه اللاعب الوحيد المتوج بكأس العالم ثلاث مرات أعوام 1958 و1962 و1970.
تبقى أرقام كأس العالم أكثر من مجرد إحصاءات؛ فهي ذاكرة حية لكرة القدم، توثق تطور اللعبة وتصنع الأساطير، وتحول لحظات عابرة إلى محطات خالدة في تاريخ الرياضة . ولا تقتصر هذه السجلات على الأهداف والمباريات، بل تمتد إلى تفاصيل دقيقة؛ إذ يحتفظ التركي هاكان شاكور بأسرع هدف في تاريخ المونديال بعد 11 ثانية في نسخة 2002، بينما سجل الدنماركي إيبّي ساند أسرع هدف بديل بعد دخوله بـ16 ثانية في نسخة 1998.
وفي سجل الأبطال، يبقى بيليه اللاعب الوحيد الذي توج بالبطولة ثلاث مرات أعوام 1958 و1962 و1970، في إنجاز يعكس صعوبة الاستمرارية على القمة، بينما يتصدر ليونيل ميسي قائمة أكثر اللاعبين مشاركة بالدقائق بـ2315 دقيقة، ويملك ميروسلاف كلوزه رقم أكثر الانتصارات بـ17 فوزًا، ويتقاسم ميسي ومارادونا الرقم القياسي في التمريرات الحاسمة بثماني لكل منهما.
ومع اقتراب مونديال 2026 بمشاركة 48 منتخبًا، تبدو بعض السجلات مرشحة لإعادة التشكل في ظل زيادة عدد المباريات واتساع قاعدة المنافسة، بينما يرجّح أن تظل أرقام أخرى صامدة، بوصفها نتاجًا لظروف استثنائية يصعب تكرارها.
المصدر:
DW