في عالم كرة القدم، يُفترض أن يكون توقيع العقد مع ناد كبير هو لحظة الاستقرار والوصول إلى القمة، لكن بالنسبة لفئة متزايدة من اللاعبين المحترفين، يتحول هذا العقد إلى "تأشيرة سفر" مفتوحة لا تحمل وجهة نهائية.
هؤلاء هم "سجناء الإعارات"، الذين يمتلكون عقودا بملايين الدولارات مع أندية النخبة، لكنهم يقضون مسيراتهم الاحترافية في صالات المطارات وبين صناديق الشحن، يرتدون قمصان أندية مختلفة في كل موسم، ويخوضون صراعا مريرا لإثبات الذات في بيئات تكتيكية تتغير قبل أن يحفظوا أسماء زملائهم في غرف الملابس.
هذه الظاهرة لم تعد استثناء، بل تحولت إلى استراتيجية مالية تتبعها أندية كبرى، مما خلق فجوة عميقة بين القيمة السوقية للاعب واستقراره المهني.
جسّد البرازيلي لوكاس بياثون المأساة الصامتة لما يسمى بـ "جيش الإعارات".
عندما وصل اللاعب إلى تشيلسي عام 2011 قادما من ساو باولو بصفته "خليفة كاكا"، لم يكن يتخيل أن عقده الممتد لعشر سنوات سيكون بمثابة "تذكرة قطار" لا تتوقف.
تنقل بياثون بين سبع إعارات رسمية شملت دوريات متباينة تماما في فلسفتها؛ من خشونة الدوري الإنجليزي في فولهام وريدينغ، إلى تقنيات "الليغا" في ملقا، وصولاً إلى تكتيكات "الكالتشيو" في كييفو فيرونا، ومروراً بالدوري الألماني والهولندي والبرتغالي.
المثير للصدمة في سجلات "ترانسفير ماركت" أن بياثون، طوال عقد من الانتماء لتشيلسي، لم يظهر بقميص النادي في الدوري الإنجليزي سوى لـ 16 دقيقة فقط موزعة على مباراتين، مما يعكس كيف يمكن للأندية الكبرى أن "تخزن" الموهبة وتقتلها ببطء لتحقيق مكاسب مادية من رسوم الإعارة.
على نقيض بياثون الذي ضاع في الزحام، يبرز روميلو لوكاكو كأغلى ضحية لنظام الإعارات في التاريخ الحديث. فبعد أن استعاده تشيلسي في صفقة قياسية بلغت 115 مليون يورو (نحو 135 مليون دولار) عام 2021، تحول المهاجم البلجيكي في غضون أشهر قليلة إلى "عبء".
وبسبب تصريحاته الشهيرة التي انتقد فيها تكتيكات المدرب توماس توخيل آنذاك، وجد النادي اللندني نفسه أمام معضلة: لاعب براتب يتجاوز 350 ألف جنيه إسترليني (نحو 450 ألف دولار) أسبوعيا، ولا يوجد ناد في العالم يستطيع شراء عقده كاملا دون خرق قواعد اللعب المالي النظيف.
هنا، تحولت الإعارة إلى "منفى اختياري"؛ فأُرسل لوكاكو إلى إنتر ميلان ثم إلى روما في صفقات إعارة "مؤقتة" تهدف بالأساس إلى تخفيف فاتورة الأجور عن خزينة تشيلسي، بينما ظل اللاعب يعيش في حالة قلق دائم، مدركاً أن مستقبله معلق بمكالمة هاتفية بين مديري الأندية في نهاية كل موسم.
في أغسطس/آب 2018، دفع تشيلسي 80 مليون يورو (نحو 93 مليون دولار) لكسر عقد كيبا أريزابالاغا مع أتلتيك بلباو، ليصبح أغلى حارس مرمى في تاريخ كرة القدم، لكن السعر الفلكي لم يضمن له المكانة؛ بل أصبح قيدا يمنعه من الانتقال النهائي.
اليوم، يعيش كيبا حياة "الحارس المستعار" الذي يُستدعى فقط في حالات الطوارئ القصوى؛ ففي موسم 2023-2024، طار إلى ريال مدريد لتعويض إصابة تيبو كورتوا المفاجئة، وبمجرد انتهاء "المهمة المؤقتة"، أعاده النادي الملكي دون تفكير في شرائه، ليجد نفسه معاراً من جديد لنادي بورنموث.
كيبا يمثل ظاهرة "الرهينة المالية"؛ فالأندية التي ترغب في ضمه لا تستطيع تحمل سعره أو راتبه، والنادي الذي يملكه لا يريده، لتبقى الإعارة هي الحل الوحيد لعدم جلوس 80 مليون يورو (نحو 93 مليون دولار) على مقاعد البدلاء.
بين مدريد وميونخ يبرز اسم النجم الكولومبي خاميس رودريغيز لكيفية تحول "النجم السوبر" إلى ضحية لمزاجية المدربين وحسابات الميزانية.
بعد تألقه في مونديال 2014، اصطدمت طموحاته برؤية زين الدين زيدان في ريال مدريد. وبدلاً من بيعه وفقدان أصول النادي، قررت الإدارة المدريدية إدخالهفي "نظام الإعارة الطويل"، فأُعير لبايرن ميونخ الألماني لمدة عامين متتاليين (2017-2019).
خلال هذه الفترة، عاش خاميس في حالة "انفصام كروي"؛ فهو يقدم مستويات طيبة في ميونخ لكن قلبه وعقده في مدريد.
هذا التذبذب وعدم اليقين بشأن "المنزل الدائم" أدى إلى تآكل شغفه الكروي، وبمجرد انتهاء الإعارة الثانية، وجد نفسه غريبا في كل مكان، ليبدأ رحلة انحدار قادته إلى دوريات أقل تنافسية في سن مبكرة.
يظل الإسباني ألفارو موراتا الحالة الأكثر إثارة للجدل في سوق الانتقالات؛ فهو المهاجم الذي تطلبه أندية النخبة دائماً (يوفنتوس، تشيلسي، أتلتيكو مدريد)، ومع ذلك نادراً ما يستقر في ناد واحد لأكثر من موسمين.
تم استخدام موراتا كأداة مالية بامتياز عبر نظام "الإعارة مع أحقية الشراء"؛ حيث دفع يوفنتوس وحده قرابة 20 مليون يورو (نحو 23.5 مليون دولار) كرسوم إعارة فقط لاستعادة خدماته لعامين دون شرائه نهائيا.
هذا النمط من التنقل جعل موراتا يواجه اتهامات دائما بـ "برود المشاعر" تجاه الجماهير، وهي نتيجة حتمية للاعب يدرك أن قميصه الحالي ليس سوى "زي مؤقت" سيرتديه لشهور قبل أن يرحل إلى محطة جديدة، مما أفقده الكاريزما التي يتمتع بها المهاجمون الأساطير الذين يبنون تاريخهم في ناد واحد.
بعيدا عن الأرقام والبيانات المالية، تبرز المأساة الإنسانية التي يغفلها المحللون. يتحدث اللاعبون المعارون دائماً عن "فقدان البوصلة"؛ فالاستقرار الأسري يتحول إلى حلم بعيد المنال.
يتذكر لوكاس بياثون معاناته مع نقل أثاث منزله وتسجيل أطفاله في مدارس مختلفة بخمس لغات مختلفة خلال سنوات قليلة.
فنياً، يعاني اللاعب من "الاحتراق الذهني"؛ فعليه في كل أغسطس/آب أن يبدأ من الصفر، يبني علاقات جديدة مع زملاء يعرف يقينا أنه سيفارقهم في مايو/أيار، ويحاول إقناع مدرب جديد بأسلوب لعبه.
هذا الضغط النفسي، مضافاً إليه شعور اللاعب بأنه "منبوذ" من ناديه الأصلي، يؤدي في الغالب إلى تراجع حاد في الطموح، ليتحول النجم من مشروع أسطورة إلى مجرد موظف.
أمام استغلال الأندية الكبرى لنظام الإعارات لتكديس المواهب ومنع المنافسين من الحصول عليها، تحرك الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بصرامة.
مع دخول موسم 2024-2025، أصبح لزاما على كل ناد عدم تجاوز 6 إعارات دولية سنويا (للاعبين فوق 21 عاماً)، مع حظر كامل لما يُعرف بـ "الإعارة الفرعية".
هذه القوانين ليست مجرد تنظيم إداري، بل هي محاولة لاستعادة أخلاقيات اللعبة وحماية المسيرة الاحترافية للاعبين من التحول إلى "سلع للإيجار"، وإجبار الأندية على الاستثمار الحقيقي في اللاعب أو تركه يرحل نهائياً لبناء مستقبله، لعل ذلك يضع حداً لمأساة الحقائب التي لا تُفرغ أبداً.
المصدر:
الجزيرة