كيف بدت درب التبانة عند الفجر الكوني؟ محاكاة “ميغاترون” تكشف ماضيها المضطرب
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن مجرة درب التبانة في طفولتها تشبه القرص الحلزوني الواسع الذي نراه اليوم، بل نشأت -وفق محاكاة حاسوبية جديدة- من بيئة كونية مضطربة تعج بآلاف الأنظمة المجرية الصغيرة التي تفاعلت واندمجت تدريجيا خلال المليارات الأولى من عمر الكون.
وتوصل فريق بقيادة هارلي كاتز -الأستاذ المساعد في علم الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو- إلى هذه الصورة باستخدام مشروع المحاكاة "ميغاترون" (MEGATRON) الذي استغرق تشغيله نحو 3 أعوام على حواسيب فائقة. وعرض الباحثون نتائجه في 6 أوراق علمية نُشرت في دورية "ذي أوبن جورنال أوف أستروفيزيكس".
مصدر الصورة
ويقول كاتز إن المحاكاة تتيح للمرة الأولى التنبؤ مباشرة بالشكل الذي ربما ظهرت به درب التبانة المبكرة أمام تلسكوبات مثل "هابل" و"جيمس ويب"، وهو ما يسمح بمقارنة النماذج النظرية بالمجرات القديمة التي ترصدها التلسكوبات حاليا.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 فوهة قمرية عملاقة تكشفها ناسا.. تشكلت حديثا وتفوق الكولوسيوم حجما
* list 2 of 2 746 إنسانا عبروا حدود الأرض.. كيف تغير مفهوم السفر إلى الفضاء؟ end of list
آلاف اللبنات لبناء مجرتنا
بدلا من افتراض أن درب التبانة بدأت جسما واحدا منتظما، تتبعت المحاكاة آلاف الأنظمة الأصغر التي تفاعلت واندفعت الغازات بينها ثم اندمج بعضها ببعض. وكانت تلك الأجرام شديدة التنوع؛ فبعضها شهد ولادة مكثفة للنجوم، وبعضها كان غنيا بالغاز، في حين توقفت أنظمة أخرى عن إنتاج النجوم أو كانت في طريقها إلى ذلك.
وأدخل العلماء في النموذج مجموعة واسعة من العمليات الفيزيائية، تشمل الجاذبية وديناميكا الغازات والإشعاع والكيمياء وتطور النجوم. ثم تركوا النموذج يتطور لمعرفة مدى قدرته على إنتاج خصائص تشبه ما يرصده العلماء في الكون القريب حاليا.
ومع مرور الزمن الكوني، أخذت البيئة المجزأة تصبح أكثر انتظاما، وساعدت عمليات الاندماج المتكررة وتدفق الغاز في بناء هياكل أكبر، وصولا إلى قرص مجري يشبه درب التبانة الحالية.
ومن أغرب تنبؤات "ميغاترون" احتمال وجود أجرام تبدو في الأرصاد مثل المجرات، رغم أنها لا تحتوي على نجوم. فبعضها ربما امتلك نجوما في السابق قبل أن تنفجر أو تنهار وتخلف ثقوبا سوداء، بينما قد تكون أنظمة أخرى مكوَّنة أساسا من الغاز.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة عند تفسير الأجرام الشديدة البعد التي يرصدها "جيمس ويب"، إذ تشير المحاكاة إلى أن اكتشاف مصدر ضوئي في الكون المبكر لا يعني بالضرورة أنه مجرة تقليدية مليئة بالنجوم.
بصمات أول نجوم الكون
وتقدم المحاكاة أيضا تفسيرا محتملا للتركيب الكيميائي الغريب لبعض المجرات الخافتة. ففي العادة تنخفض وفرة الحديد كلما صغرت كتلة المجرة، لكن هذه العلاقة تبدو أقل وضوحا لدى أضعف المجرات المعروفة.
وتشير نتائج "ميغاترون" إلى أن نجوم "الجمهرة الثالثة" (Population III)، وهي أول أجيال النجوم التي يُفترض أنها تشكلت بعد الانفجار العظيم، ربما أدت دورا في ذلك. وكانت هذه النجوم تتكون أساسا من الهيدروجين والهيليوم، قبل أن تنتج النجوم العناصر الأثقل وتنشرها في الكون.
مصدر الصورة
وعند انفجار بعض هذه النجوم الأولى، ربما أنتجت كميات كبيرة من الحديد. وكانت المجرات الأكبر قادرة بجاذبيتها على الاحتفاظ بجزء منه، بينما فقدت الأنظمة الأصغر قدرا أكبر من تلك العناصر إلى الفضاء المحيط.
ولم يرصد العلماء حتى الآن أي نجم من "الجمهرة الثالثة" بصورة مباشرة، لكن إحدى دراسات المشروع تحاول تحديد المناطق التي قد توجد فيها آثار أو بقايا محتملة لهذه النجوم القديمة.
كيمياء المجرة نجما بنجم
ولا تقتصر أهمية "ميغاترون" على تتبع اندماج المجرات، إذ يقول الباحثون إنها المرة الأولى التي يحاكون فيها إثراء العناصر الكيميائية الفردية الناتجة عن النجوم بعد الانفجار العظيم، بالتزامن مع نماذج تفصيلية للجاذبية والكيمياء والإشعاع والعمليات النجمية.
وتتبعت المحاكاة كيفية ولادة النجوم وموتها وإطلاقها العناصر الجديدة، إلى جانب حركة الغاز بين المجرات والوسط المحيط بها وتأثير الإشعاع والجاذبية فيه. كما أدخل الباحثون عمليات فيزيائية غير متوازنة (Non-equilibrium Physics)، بدلا من افتراض بقاء الأنظمة الكيميائية دائما قريبة من حالة التوازن.
وأظهرت النتائج أن هذه التفاصيل غيرت بصورة ملحوظة سلوك الغاز في الوسط المحيط بالمجرة، وهو الخزان الواسع من المادة الذي يحيط بالمجرات ويتفاعل معها.
وتكشف المحاكاة أن العمليات التي حدثت بعد الانفجار العظيم بوقت مبكر تركت بصمات ما زال علماء الفلك قادرين على قياسها في المجرات القريبة اليوم. وبذلك تربط "ميغاترون" بين ولادة النجوم الأولى وتكوين العناصر وتدفقات الغاز، والخصائص الحالية للمجرات.
لكن النموذج لا ينجح في إعادة إنتاج جميع المشاهدات، وهو أمر يراه الباحثون مفيدا، لأن الاختلافات بين المحاكاة والواقع قد تكشف عناصر مفقودة في فهم العلماء لتشكل النجوم والتطور الكيميائي ونشوء المجرات.
وتقدم "ميغاترون" في النهاية صورة مختلفة لطفولة مجرتنا: درب التبانة لم تولد مجرة واحدة مكتملة، بل نمت من شبكة مضطربة تضم آلاف الأنظمة الصغيرة، اندمجت وتطورت على مدى مليارات السنين حتى بنت المجرة التي تضم نظامنا الشمسي اليوم.