حين يظهر المشتري في سماء الليل، قد يبدو للعين المجردة مجرد نجم شديد السطوع، لكنه في الحقيقة أكبر كواكب المجموعة الشمسية، ويمكن العثور عليه بسهولة حتى من المدن التي تعاني من التلوث الضوئي.
وتكمن أهمية رصده في أن هذا العالم البعيد يمكن أن يتحول، بمجرد استخدام منظار صغير، من نقطة ضوئية إلى جرم تظهر حوله 4 أقمار، ثم إلى كوكب ذي أحزمة سحابية وعاصفة ضخمة عند النظر إليه بالتلسكوب.
عرف البشر المشتري منذ العصور القديمة، لكنّ عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي كان أول من قدم له رصدا تفصيليا عام 1610، عندما كشف بالتلسكوب عن أقمار تدور حوله. ومنذ ذلك الحين تحول المشتري إلى أحد أهم الأجرام التي ساعدت على توسيع فهم الإنسان للنظام الشمسي.
بالنظر إلى السماء من دون أدوات، يظهر المشتري كنقطة بيضاء أو مائلة إلى الكريمي شديدة السطوع، وغالبا ما يتفوق ضوؤه على معظم الأجرام النجمية، باستثناء الزهرة.
وهناك وسيلة بسيطة لتمييزه: ضوؤه يبدو أكثر ثباتا من النجوم ولا يتلألأ بالطريقة نفسها، لأن ضوء النجوم يتأثر بالغلاف الجوي للأرض بدرجة أكبر بسبب بعدها الهائل. لكنه في هذه الأيام يظهر متأخرا بعد منتصف الليل.
ومع منظار ثنائي العينين يمكن أن تبدأ المفاجأة؛ إذ يظهر قرص المشتري صغيرا، وقد تظهر بالقرب منه أقمار غاليليو الأربعة: آيو، وأوروبا، وغانيميد، وكاليستو. وتبدو هذه الأقمار كنقاط ضوئية صغيرة مصطفة قرب الكوكب، لكنّ مواقعها تتغير بسرعة، لذلك قد تظهر في ليلة على جانبي المشتري، وفي ليلة أخرى مصطفة إلى جهة واحدة.
أما التلسكوب الصغير فيكشف المشتري بصورة مختلفة تماما؛ إذ يصبح قرصه واضحا، وتمكن رؤية حزامين سحابيين داكنين، ومع ظروف رصد جيدة قد تظهر تفاصيل أكثر دقة. وقد يستطيع الراصد أيضا التقاط البقعة الحمراء العظيمة، وهي عاصفة هائلة في نصف الكرة الجنوبي للمشتري.
المشتري ليس له سطح صلب يمكن الوقوف عليه؛ فهو كرة هائلة من الغازات والسوائل، يتكون معظمها من الهيدروجين والهيليوم. وكلما تعمقنا داخله ازدادت كثافة المادة والضغط والحرارة، ولذلك لا تستطيع مركبة فضائية الهبوط عليه كما تفعل على الكواكب الصخرية.
ومن أشهر معالمه البقعة الحمراء العظيمة، وهي عاصفة يبلغ عرضها نحو ضعف عرض الأرض. رصدها علماء الفلك منذ القرن التاسع عشر، مع وجود إشارة أقدم إلى عاصفة دائمة سجلها جيوفاني دومينيكو كاسيني عام 1665، ويُعتقد أنها قد تكون البقعة نفسها.
والمثير أن هذه العاصفة تتقلص؛ فقد انخفض طولها من نحو 39 ألف كيلومتر عام 1879 إلى نحو 14 ألف كيلومتر عام 2024، كما أصبحت أكثر استدارة.
ولا يخلو المشتري حتى من الحلقات، لكنها خافتة ومكونة في معظمها من الغبار، ولذلك لا تمكن رؤيتها بالعين المجردة. ويضم نظام حلقاته 4 حلقات رئيسية، من بينها حلقة الهالة والحلقة الرئيسية وحلقتان واسعتان تُعرفان بحلقتي أمالثيا وثيبي.
يحمل سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026 فرصتين لافتتين لمراقبة المشتري. ففي الفترة من 23 إلى 25 سبتمبر/أيلول، سيظهر المريخ وعنقود خلية النحل والمشتري والنجم قلب الأسد في سلسلة سماوية طويلة ومنحنية قليلا قبل شروق الشمس. وسيكون المريخ والمشتري وقلب الأسد مرئيين بالعين المجردة، بينما يُفضَّل استخدام المنظار لرؤية عنقود خلية النحل (Beehive cluster).
وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول يقترب هلال القمر المتناقص بشدة من المشتري في كوكبة الأسد، في مشهد تمكن رؤيته نهارا بالعين المجردة في حدود الواحدة ظهرا بتوقيت مكة المكرمة.
وفي مناطق من أفريقيا والأمريكتين يمكن أن يحدث أيضا احتجاب قمري للمشتري، إذ يمر القمر أمامه ويحجبه مؤقتا.
ويقدم المشتري بذلك مثالا واضحا على قيمة الرصد الفلكي، كجرم يمكن التعرف إليه بالعين المجردة، ثم اكتشاف أقماره بالمنظار، وفحص غيومه وعواصفه بالتلسكوب، قبل أن يتحول إلى عالم كامل تدرسه المركبات الفضائية.
وقد زارت هذا الكوكب بعثات عدة منذ سبعينيات القرن الماضي، وتواصل مركبة جونو دراسة غلافه الجوي وبنيته الداخلية، فيما تتجه بعثات أخرى إلى أقماره الجليدية.
إن متابعة المشتري ليست مجرد هواية ليلية، بل تجربة صغيرة تضع الإنسان أمام أحد أكبر مختبرات الطبيعة في المجموعة الشمسية، وتذكرنا بأن السماء التي تبدو بسيطة للعين تخفي وراءها عوالم ما زال العلم يكتشف أسرارها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة