في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في البحيرات الجبلية الباردة على جانبي الحدود بين فرنسا وإسبانيا، يعيش ضفدع صغير يُعرَف باسم "ضفدع القابلة الشائع"، الذي يواجه أحد أخطر الأمراض الفطرية في الحياة البرية.
الفطر المسؤول عن هذا المرض يُعرَف باسم "باتراكوكيتريوم ديندروباتيديس"، ويعيش على جلد البرمائيات، ويسبب مرضا يُعرَف باسم الكيتريديوميكوسيس.
وعندما تشتد الإصابة، يتعطل جلد الحيوان، وهو عضو حيوي لا يقتصر دوره على الحماية، بل يساعد أيضا في تنظيم الماء والأملاح، وفي الحالات الحادة، قد تنتهي الإصابة بالموت.
لكنّ الغريب أن كل تجمعات الضفادع لا تنهار بالطريقة نفسها، فبعضها يتعرض لنفوق شديد ومستمر، في حين تبدو تجمعات أخرى قادرة، بطريقة ما، على التعايش مع الفطر.
حاولت دراسة جديدة نُشرت مؤخرا في مجلة "نيتشر كيميكال بيولوجي" (Nature Chemical Biology) فهم هذا الاختلاف من خلال النظر إلى خط الدفاع الأول على جلد الضفدع: الببتيدات المضادة للميكروبات، وهي مواد صغيرة يفرزها الجلد، وتعمل كجزء من المناعة الفطرية، أي الدفاعات التي يُولَد بها الحيوان ولا تحتاج إلى تعلم مسبق.
ركز الباحثون على ضفدع القابلة الشائع في 4 بحيرات في جبال البرانس الغربية في أوروبا. من بين البحيرات الأربع، لاحظ الباحثون في 3 بحيرات وصول العلاقة بين الضفادع والفطر إلى حالة أكثر استقرارا، بينما ظل تجمع بحيرة "لاك دارليه" يعاني من موجات مرضية ونفوق مرتفع، حسب المؤلف الرئيسي في الدراسة، فيليب جيرفيس، أستاذ علم الحيوان في جامعة لندن.
جمع الفريق عينات من 154 شرغوفا و123 ضفدعا حديث التحول، أي بعد خروجه من مرحلة اليرقة. وهذه المرحلة حساسة للغاية في حياة البرمائيات، وفقا للباحث الذي يشرح للجزيرة نت أن الشراغيف (اليرقات) لا تمتلك جلدا سميكا مثل الضفادع الصغيرة، لذلك يكون الفطر أقل فتكا بها. لكنْ مع التحول من شرغوف إلى ضفدع، يتغير الجلد ويصبح أكثر ملاءمة للفطر، وفي الوقت نفسه يعيد الجهاز المناعي ترتيب نفسه. هنا قد تنفتح نافذة خطر قصيرة لكنها قاتلة.
باستخدام تقنيات تحليل بروتيني متقدمة، وجد الباحثون أن جلد الضفادع يحتوي على تنوع كبير من الببتيدات، أكبر بكثير مما كان معروفا سابقا. ومن بين 1152 ببتيدا جرى تحليلها، ركز الفريق على عائلة تسمى "أليتيسيرين"، وهي معروفة بدورها الدفاعي لدى هذا النوع من الضفادع.
ثم اختبر الباحثون قدرة بعض هذه الببتيدات على إيقاف نمو الفطر في المختبر. ولم تكن كل الببتيدات فعالة بالدرجة نفسها؛ إذ أظهرت أنواع معينة فقط قدرة واضحة على تثبيط نمو الفطر.
يشير فيليب إلى أن الضفادع في التجمعات الأكثر استقرارا امتلكت غالبا دفاعا جلديا أكثر نضجا وتنوعا عند التحول. أما في بحيرة "لاك دارليه"، حيث يستمر النفوق، فكانت نسبة أكبر من الضفادع الحديثة التحول تحمل نمطا مناعيا بسيطا، قليل التنوع وفقيرا في الببتيدات القادرة على مقاومة الفطر.
ووفقا للمؤلف الرئيسي للدراسة، تدخل بعض الضفادع أخطر مرحلة في حياتها قبل أن يكتمل درعها المناعي؛ وعندما يحدث ذلك في عدد كبير من الأفراد، يصبح التجمع كله أكثر عرضة للانهيار المرضي، لأن الفطر يجد أجساما حديثة التحول، بجلد مناسب للعدوى، لكنْ بدفاعات كيميائية لم تنضج بعد.
تشير الدراسة إلى أن نضج المناعة لا يرتبط دائما تلقائيا بالتحول الجسدي من شرغوف إلى ضفدع. فقد يتحول الحيوان في الشكل والسلوك، لكنه يظل متأخرا من ناحية الدفاعات الكيميائية على جلده. ويرجح الباحثون أن عوامل مثل درجة الحرارة، وتوفر الغذاء، وكثافة اليرقات، وطول فترة قضاء الشتاء في الماء، قد تؤثر في توقيت هذا النضج.
ورغم أهمية النتائج، يلفت الفريق إلى أن من أهم حدودها أنها اعتمدت على 4 بحيرات فقط، وعلى عينات ميدانية من عامي 2019 و2020، لذلك لا تثبت وحدها علاقة سببية مباشرة بين نمط الببتيدات ومصير كل تجمع.
كما أن اختبار فعالية الببتيدات ضد الفطر جرى في المختبر، بينما الواقع في الطبيعة أكثر تعقيدا، فالجلد يضم أيضا ميكروبات ومواد كيميائية أخرى قد تتفاعل مع المناعة وتؤثر في مسار الإصابة.
كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الدفاعات ثابتة لدى الأفراد، أم يمكن تنشيطها عند الإصابة أو تحت ظروف بيئية معينة. كما لا يعرف الباحثون بعد ما إذا كانت الببتيدات تعمل منفردة، أم أن قوتها الحقيقية تظهر عندما تعمل معا في مجموعات متآزرة على سطح الجلد.
ومُوِّلت الدراسة من جهات عدة، بينها مؤسسة العلوم والتكنولوجيا البرتغالية، ووزارة العلوم والابتكار والجامعات الإسبانية، وبرنامج رامون إي كاخال، ومجلس أبحاث البيئة الطبيعية في المملكة المتحدة، ومجلس الأبحاث الطبية، ومجلس أبحاث التكنولوجيا الحيوية والعلوم البيولوجية، إضافة إلى دعم من إمبريال كوليدج لندن وجامعة كلية لندن. وأعلن الباحثون عدم وجود تضارب مصالح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة