تستعد الصين لإطلاق المسبار القمري "تشانغ آه-7" (Chang’e-7) في مهمة طموحة تستهدف القطب الجنوبي للقمر، بعدما نُقلت -يوم الأربعاء الماضي- مجموعة المسبار والصاروخ الحامل "لونغ مارش-5" إلى منصة الإطلاق في مركز "ونتشانغ" الفضائي بمقاطعة هاينان جنوبي الصين.
ووفقا لوكالة الفضاء الصينية، ستُحدَّد نافذة الإطلاق في الوقت المناسب، بينما تستهدف تقارير المهمة يوم 24 أغسطس/آب 2026. وكان المسبار قد وصل إلى موقع الإطلاق في أبريل/نيسان الماضي، ووصل الصاروخ في يوليو/تموز، قبل أن تخضع المنظومة لعمليات التجميع والاختبار.
وتأتي المهمة ضمن برنامج الصين المتسارع لاستكشاف القمر، لكنها تتجاوز المهام التقليدية؛ إذ تجمع في عملية واحدة بين مركبة مدارية ومركبة هبوط وعربة جوالة ومركبة قافزة، بهدف إجراء مسح شامل للبيئة والموارد في منطقة القطب الجنوبي.
ويرى عالم القمر جيمس هيد -من قسم العلوم الجيولوجية في جامعة براون الأمريكية- أن "تشانغ آه-7" تمثل أكثر مهمة روبوتية قمرية طموحا وشمولا وتعقيدا حاولت أي دولة أو جهة تنفيذها.
بعد وصول المهمة إلى القمر، ستقضي المركبة المدارية عدة أشهر حوله قبل أن تطلق مركبة الهبوط، التي تستهدف منطقة قريبة من حافة فوهة "شاكليتون" عند القطب الجنوبي، في وقت لاحق من العام.
ومن أبرز عناصر المهمة مركبة قادرة على القفز من المناطق المضاءة بالشمس إلى الفوهات التي لا يصل إليها ضوء الشمس. وتستهدف هذه المركبة البحث عن جيوب من جليد الماء داخل المناطق المظلمة بصورة دائمة، مع استخدام نظام لامتصاص الصدمات يساعدها على الهبوط بأمان على المنحدرات.
ويعتقد العلماء منذ سنوات بوجود جليد مائي في القمر، لكن الباحثين لم يتمكنوا بعد من العثور عليه وتقييم موارده بصورة شاملة.
وقال الأكاديمي يي بيجيان -من الأكاديمية الصينية للعلوم- إن الصين ستبحث عن الماء باستخدام وسائل متعددة، تشمل فحص السطح واستكشاف ما يوجد داخل الفوهات.
ولا تقتصر المهمة على البحث عن الماء، بل ستدرس بيئة القطب الجنوبي وموارده، وتختبر تقنيات الهبوط الدقيق والحركة على الأرجل والقفز، وهي تقنيات قد تكون ضرورية لاستكشاف مناطق قمرية وعرة.
تحمل "تشانغ آه-7" مجموعة متنوعة من الأجهزة العلمية من دول ومؤسسات مختلفة، بينها معدات روسية وإيطالية وسويسرية وتايلاندية، إضافة إلى أجهزة من مؤسسات أمريكية وهونغ كونغية.
ومن أبرز المشاركات جهاز تصوير طيفي فائق الدقة، طورته الوكالة الوطنية لعلوم الفضاء البحرينية بالتعاون مع وكالة الفضاء المصرية، ويحمل اسم "لوناه كام" (LunaHcam)، وسيُركَّب على المركبة المدارية لالتقاط صور عالية الدقة لسطح القمر.
كما تحمل مركبة الهبوط تلسكوبا بصريا واسع المجال، طورته جمعية المرصد القمري الدولي في هاواي بالتعاون مع مختبر أبحاث الفضاء في جامعة هونغ كونغ، ويهدف الجهاز إلى التقاط صور ملونة واسعة المجال للسماء من سطح القمر، بما في ذلك مستوى مجرة درب التبانة، من موقع ثابت خارج تأثير الغلاف الجوي الأرضي.
وقال كوانتين باركر -الأستاذ الفخري في جامعة هونغ كونغ- إن المختبر يفخر بشراكته في هذه المهمة التاريخية، معربا عن أمله في تعظيم العائد العلمي الذي ستقدمه الكاميرا القمرية.
ولا تبدو "تشانغ آه-7" مهمة منفصلة عن طموحات الصين الأوسع؛ فهي تمهد تقنيا وعلميا لهبوط صيني مأهول على القمر، تستهدف بكين تحقيقه بحلول عام 2030، كما ستتبعها مهمة "تشانغ آه-8" المقررة قرابة عام 2028، لاختبار تقنيات يمكن استخدامها في بناء منشآت من التربة القمرية.
وتسهم المهمتان في التحضير لمحطة الأبحاث القمرية الدولية التي تخطط الصين وشركاؤها لتطويرها على مراحل.
أما الكاميرا القمرية، فتحمل أيضا إرث "ستيف دورست" المدير المؤسس لجمعية المرصد القمري الدولي، الذي رحل في فبراير/شباط 2026، بعد عقود من العمل على تطوير المشروع والتعاون مع قطاع الفضاء الصيني. وكان من أبرز مشروعاته الدفع نحو إنشاء مرصد فلكي دائم على القمر، وخاصة قرب القطب الجنوبي القمري، للاستفادة من موقع القمر في الرصد الفلكي.
وهكذا، لا تبدو الرحلة مجرد محاولة للهبوط على جزء مجهول من القمر، بل تجربة علمية وتقنية تجمع دولا ومؤسسات متعددة حول هدف واحد، هو تحويل القمر إلى مختبر مفتوح لدراسة أصل النظام الشمسي وموارده ومستقبل الوجود البشري خارج الأرض.
وفي كل خطوة من هذا النوع، يثبت العلم أن ما يبدو اليوم حدودا بعيدة قد يصبح غدا بداية لعصر جديد من الاستكشاف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة