آخر الأخبار

المستقبل "يُطبع" في مسقط.. أول مختبر من نوعه يدمج طاقة الهيدروجين بالبيوت

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

مسقط – في خطوة تنقل ملف الهيدروجين الأخضر في سلطنة عُمان من ساحة الطموح الحكومي إلى رحاب البحث التطبيقي، أطلقت الجامعة الألمانية للتكنولوجيا في عُمان "جيوتك" مختبر الهيدروجين المطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. ويُوصف المشروع بأنه الأول من نوعه على مستوى المنطقة.

وجرى التدشين تحت رعاية وزير الطاقة والمعادن المهندس سالم بن ناصر العوفي، وبدعم من شركة أوكيو لشبكات الغاز. ويجمع المختبر تحت سقف واحد ثلاث تقنيات يُنظر إليها بوصفها ركائز لمدن المستقبل، في مشروع يتجاوز حدود المبنى التقليدي ليكون منصة بحثية وتطبيقية متقدمة.

وفي تصريح خاص للجزيرة نت، يصف نائب رئيس الجامعة للشؤون الإدارية والمالية الدكتور حسين بن سليمان السالمي المختبر بأنه "تجسيد حي لمستقبل الابتكار المستدام في سلطنة عُمان"، لا مجرد إضافة للمنشآت الأكاديمية. ويرى أن الخطوة تتناغم مع التوجه الوطني نحو تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، ودعم مستهدفات رؤية عُمان 2040 في هذا الجانب.

ولا يقتصر دور المختبر على دراسة الطاقة النظيفة فحسب، بل يقدم نموذجا حيا لبيئة معيشية مستقبلية. ويهدف إلى تطوير حلول الهيدروجين المستدامة، ورفع كفاءة استخدام الموارد، في وقت تسعى فيه سلطنة عمان لتصبح من أكبر مصدري الهيدروجين الأخضر عالميا.

ويستمد المشروع تميزه من دمجه ثلاث منظومات تقنية في آن واحد. فهو يجمع بين تكنولوجيا الهيدروجين الأخضر بوصفها طاقة المستقبل، وتقنية الطباعة الإنشائية ثلاثية الأبعاد بوصفها آلية للبناء المستدام، إضافة إلى التقنيات المتقدمة للبيوت الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.

ويشير السالمي إلى أن المبنى يُعد الأول من نوعه في المنطقة الذي يعتمد بنسبة 100% على الطاقة المتجددة. ويوضح أن ذلك يتحقق عبر التكامل بين منظومة الطاقة الشمسية وتقنيات إنتاج الهيدروجين الأخضر وتخزينه لتلبية احتياجاته التشغيلية. كما يُدار المبنى ذاتيا عبر أنظمة ذكية تضبط استهلاك الطاقة وفق الاحتياجات الفعلية والظروف المناخية.

إعلان

وتسهم تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في خفض الهدر الإنشائي بنسبة تصل إلى 60%، وفق ما أعلنته الجامعة. ويعتمد المبنى على مواد مصنعة بنسبة 100% من الموارد المحلية، بما يدعم الصناعات الوطنية ويقلص البصمة البيئية المرتبطة بالنقل والتصنيع.

مصدر الصورة مقتطفات من مراسم إطلاق المشروع (الجزيرة)

الجانب العلمي.. من التحليل الكهربائي إلى البيوت الذكية

يقوم إنتاج الهيدروجين الأخضر علميا على فصل جزيء الماء إلى أكسجين وهيدروجين عبر التحليل الكهربائي، باستخدام كهرباء من مصادر متجددة. وتكمن قيمة هذا المسار في خلوه من الانبعاثات الكربونية، خلافا للهيدروجين المنتَج من الوقود الأحفوري.

ويوفر المختبر بيئة لاختبار كفاءة أنظمة التحليل الكهربائي وخلايا الوقود، وهي الخلايا التي تعيد تحويل الهيدروجين المخزَّن إلى كهرباء عند الحاجة. ويعمل الباحثون كذلك على تطوير خوارزميات ذكية لإدارة تبادل الطاقة بين مصادر الهيدروجين والشبكات الذكية للمباني.

ويضم المبنى نظام عزل متطورا مصمما للتكيف مع مناخ السلطنة، إلى جانب أجهزة استشعار وأنظمة مراقبة وتحكم تتابع الأداء وتحسن كفاءة التشغيل باستمرار. وبذلك يغدو المبنى مختبرا حيا لقياس أداء حلول منخفضة الكربون في ظروف تشغيل واقعية.

وحددت الجامعة أربعة أهداف للمشروع، تشمل توطين المعرفة وبناء القدرات الوطنية، وتوفير بيئة بحث تطبيقية، ووضع أطر علمية للبناء الذكي المستدام، ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة عبر تحويل البحوث إلى تطبيقات صناعية ترفع القيمة المحلية المضافة.

كما يرى السالمي، في تصريحه الخاص، أن المشروع يعزز التكامل بين التعليم والبحث العلمي والقطاع الصناعي. ويوضح أنه يفتح آفاقا أمام الطلبة والباحثين للإسهام في حلول لتحديات الطاقة والاستدامة، ويوفر بيئة حية للتجريب والتعاون بين الأكاديميين والشركاء الصناعيين.

ويؤكد أن المبادرة تنطلق من قناعة بأن المؤسسات الأكاديمية يجب أن تكون في طليعة قيادة التغيير، لا مجرد ناقلة للمعرفة. ويضيف أن الهدف تقديم حلول عملية تبرهن أن بيوت المستقبل يمكن أن تكون صديقة للبيئة وذكية ومعتمدة على طاقة الهيدروجين النظيفة، بما يسهم في بناء القدرات الوطنية ودعم مستهدفات الحياد الكربوني بحلول عام 2050.

أين تقف عُمان عالميا؟

ومن جانبها، تقول نائبة رئيس الجامعة المساعِدة للبحث والابتكار الدكتورة ياسمين سويسي، في تصريح خاص للجزيرة نت، إن السلطنة تحتل "موقعا واعدا ومتقدما" في قطاع الهيدروجين الأخضر عالميا، مدعومة برؤية إستراتيجية واضحة.

وتشير سويسي إلى أن عُمان بدأت الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، مستفيدة من وفرة مصادر الطاقة المتجددة، خاصة الشمسية والرياح، ومن موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، وقربها من خطوط الملاحة الكبرى؛ مما يسهل الوصول إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

وتعدد عوامل تأهيل السلطنة للريادة، ومنها انخفاض تكلفة إنتاج الهيدروجين على المدى الطويل، والبنية الأساسية المتطورة في موانئ مثل الدقم وصحار وصلالة، ووجود إإستراتيجية وطنية واضحة وإطار مؤسسي يعزز ثقة المستثمرين.

وتميز سويسي التجربة العُمانية بتبنيها نهجا متكاملا لا يقف عند الإنتاج، بل يشمل البحث والابتكار وتأهيل الكفاءات وتعزيز الشراكات. وتلفت إلى أن السلطنة تستهدف إنتاج مليون طن سنويًا من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2030، وصولا إلى نحو 8.5 ملايين طن بحلول عام 2050.

مصدر الصورة يكتسب الحديث عن اقتصاد الهيدروجين عمقا علميا حين يغادر الخطط الرسمية إلى البحث المحكم (رويترز)

جهود وطنية متشعبة

لا يأتي المختبر معزولا، بل ضمن منظومة وطنية تتشكل منذ سنوات. ففي عام 2022، أُسِّست شركة "هايدروم" بوصفها الجهة الوطنية المسؤولة عن تخطيط قطاع الهيدروجين الأخضر، وتخصيص الأراضي، واستقطاب المستثمرين عبر مزادات تنافسية. وتسعى الشركة إلى تخصيص أكثر من 50 ألف كيلومتر مربع لمشاريع الهيدروجين.

إعلان

وعلى صعيد التصدير، وقعت السلطنة اتفاقية لإنشاء أول ممر تجاري عالمي للهيدروجين الأخضر المسال، ينطلق من ميناء الدقم إلى ميناء أمستردام الهولندي، ومنه إلى مراكز صناعية أوروبية. وتخطط عُمان لتصدير أول شحنة عام 2029.

وامتد النشاط إلى أدوات التمويل، إذ أعلن جهاز الاستثمار العُماني، بالشراكة مع صندوق "عُمان المستقبل" وشركة "تمبل ووتر" الصينية، إطلاق أول صندوق متخصص في تحول الطاقة برأسمال مبدئي يبلغ 77 مليون ريال عُماني (نحو 200 مليون دولار).

وبحسب تقرير سابق لوكالة الطاقة الدولية "الهيدروجين المتجدد من عُمان: اقتصاد منتِج في مرحلة انتقال"، فإن السلطنة تستهدف إنتاج مليون طن على الأقل سنويا من الهيدروجين المتجدد بحلول عام 2030، ثم نحو 3.75 ملايين طن بحلول عام 2040، وصولا إلى ما يقارب 8.5 ملايين طن بحلول عام 2050، وهو رقم يفوق إجمالي الطلب الأوروبي الحالي على الهيدروجين. ويرى التقرير أن عُمان في طريقها لتصبح سادس أكبر مصدر للهيدروجين عالميا، والأكبر في الشرق الأوسط، بحلول عام 2030. ويتطلب بلوغ هدف عام 2030 وحده استثمارات تراكمية تناهز 33 مليار دولار.

دراسات جامعية

ويكتسب الحديث عن اقتصاد الهيدروجين عمقا علميا حين يغادر الخطط الرسمية إلى البحث المحكم. فقد خلصت دراسة أعدها فريق من الباحثين بجامعة السلطان قابوس، بالتعاون مع باحثين دوليين، إلى أن السلطنة تقف على أعتاب تحول طاقي واسع يستلزم بنية تحتية ضخمة واستثمارات بمليارات الدولارات.

ونُشرت الدراسة عام 2024 في مجلة "البيئة والتنمية والاستدامة" الصادرة عن دار "شبرينغر"، تحت عنوان "الانتقال إلى طاقة الهيدروجين المستدامة في عُمان". وتناولت أربعة محاور: الموارد الطبيعية، والمشروعات القائمة والمخططة، والسياسات الوطنية، والقدرات المؤسسية والبحثية.

وبحسب السيناريو الذي استعرضته الدراسة لبلوغ الأهداف الوطنية بعيدة المدى، يُتوقع أن تحتاج السلطنة إلى نحو 5200 محلل كهربائي لبلوغ قدرة تحليل كهربائي تناهز 180 غيغاواط بحلول عام 2050. ويتطلب تشغيل هذه المنظومة توسعا غير مسبوق في الطاقة المتجددة، يشمل تركيب ما يقارب 300 مليون لوح شمسي، ونحو ألف توربينة رياح، باستثمارات تُقدَّر بعدة مليارات من الدولارات.

غير أن الفريق البحثي ذيل خلاصته بتحذير منهجي. فقد شدد على حاجة عاجلة لسن سياسات محددة والاستثمار في برامج بحثية مبتكرة، لبناء سلسلة إمداد مستدامة للهيدروجين الأخضر، مع الانتباه إلى قضايا السلامة والبيئة التي قد تنشأ عن هذا الاستثمار.

وتؤكد الدراسة أن مستقبل الهيدروجين في عُمان لا يقوم على وفرة الشمس والرياح وحدها، بل على القدرة على بناء منظومة متكاملة تشمل التشريعات والبحث العلمي والبنية المؤسسية وسلاسل الإمداد والكوادر الوطنية. ومن هنا تحديدا تنبع أهمية المختبرات الجامعية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار