قد يبدو العنوان أقرب إلى مفارقة علمية أو حتى استفزازا بصريا، فإدارة الطيران والفضاء الأمريكية ( ناسا) ترسل روبوتا إلى القمر ليشعل النار، لكن خلف هذا العنوان، تقف واحدة من أكثر قضايا سلامة الفضاء حساسية وتعقيدا، وهي: كيف تتصرف النار خارج الأرض؟
ففي الوقت الذي تتهيأ فيه البشرية للعودة إلى القمر عبر برنامج أرتميس، لم يعد السؤال هو "هل نستطيع الوصول؟"، بل "هل نستطيع العيش بأمان هناك؟".
ومن أخطر التحديات في أي بيئة مأهولة مستقبلية هو عنصر بسيط في ظاهره، لكنه كارثي في نتائجه، إنه الاحتراق.
تعمل الجاذبية على الأرض، كعنصر خفي يرسم شكل النار، فالهواء الساخن يرتفع إلى الأعلى، بينما يندفع الهواء البارد إلى الأسفل مكونا تيارا مستمرا يغذي اللهب بالأكسجين (وهي طريقة التوصيل بالحمل)، لهذا السبب تأخذ الشموع شكلها "الدمعي" المألوف.
لكن في الفضاء، أو داخل المحطة الفضائية، يختفي هذا النظام تماما، إذ لا يوجد "أعلى" أو "أسفل"، فتتحول ألسنة اللهب إلى أشكال أقرب إلى الكرات الهادئة، وتصبح أبطأ وأقل حدة.
وقد درست ناسا هذه الظاهرة سابقا في بيئات انعدام الوزن داخل محطة الفضاء الدولية، لكن تلك التجارب كانت قصيرة ومحدودة.
تظهر المشكلة الحقيقية على القمر، حيث الجاذبية ليست معدومة، بل تبلغ نحو سدس جاذبية الأرض، وهذه الحالة الوسطية هي ما يجعلها علميا أكثر تعقيدا من الفضاء نفسه.
في هذه المنطقة الرمادية من الفيزياء، لا تتصرف النار كما على الأرض، ولا كما في انعدام الوزن. فالهواء يتحرك ببطء، بما يكفي لتغذية الاحتراق، لكنه ليس قويا بما يكفي لإطفائه أو تشتيت اللهب.
هذا التوازن الهش قد يجعل بعض المواد التي تُعتبر آمنة على الأرض أكثر قابلية للاشتعال على القمر. وهنا تكمن الخطورة، في بيئة مغلقة مثل مساكن رواد الفضاء، قد يتحول حريق صغير إلى تهديد وجودي.
وتستخدم ناسا حاليا معايير اختبار قابلية المواد للاشتعال، حيث تُعرض المواد للهب محدد على الأرض لتقييم سلوكها. لكن هذه الاختبارات تفترض أن سلوك المادة لن يتغير جذريا في بيئة مختلفة الجاذبية.
المشكلة أن هذا الافتراض لم يُختبر فعليا على القمر. فبين الأرض والقمر يوجد فارق في الفيزياء الدقيقة لتدفق الغازات وانتقال الحرارة، وهي عوامل تتحكم مباشرة في سلوك النار.
هذه "العملية المحسوبة للاحتراق" ليست عشوائية، بل تجربة علمية دقيقة. فداخل الغرفة، ستعمل كاميرات عالية الدقة وأجهزة قياس حرارة ومستشعرات للأكسجين على تسجيل كل تفصيل في لحظة اشتعال اللهب وتطوره.
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل ترتبط مباشرة بتصميم مستقبل "المنازل القمرية"، فكل مادة تستخدم في جدران أو معدات أو بدلات فضائية يجب أن تخضع لمعايير أمان دقيقة، لا تعتمد على افتراضات أرضية فقط.
مع اقتراب إرسال بعثات مأهولة طويلة المدى إلى القمر، ثم لاحقا إلى المريخ، يصبح فهم سلوك الاحتراق جزءا أساسيا من "هندسة الحياة خارج الأرض".
ففي الفضاء، لا يوجد إطفاء حرائق تقليدي، ولا خدمات طوارئ، وأي خطأ في اختيار مادة قابلة للاشتعال قد يعني فقدان مركبة أو طاقم كامل. لذلك، تُعتبر تجربة قابلية اشتعال المواد على القمر خطوة تأسيسية لوضع "قواعد سلامة قمرية" مبنية على بيانات حقيقية، لا نماذج افتراضية.
وما يميز هذه المهمة هو أنها لا تعتمد على محاكاة أو تجارب قصيرة، بل على اختبار مباشر في بيئة قمرية فعلية. وهذا وحده كفيل بتحويل النتائج إلى مرجع علمي طويل الأمد.
كما أن وجود نظام روبوتي ذاتي التشغيل داخل غرفة احتراق مغلقة يعني أن التجربة ستتم دون تدخل بشري مباشر، وهو أمر ضروري في بيئة لا تسمح بالتحكم اليدوي الفوري.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة