في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"إذا كان هذا هو حال الحرارة الآن، فماذا سيحدث كلما تقدمنا نحو فصول الصيف؟"، عبارة ترددت كثيرا خلال الأيام الماضية على لسان مواطني بعض دول الشرق الأوسط، الذين بدأوا يشعرون بارتفاعات حادة في درجات الحرارة خلال إبريل/نيسان، بشكل جعلهم يشعرون بوداع مبكر للربيع والخوف من درجات حرارة لا تطاق في يونيو/حزيران ويوليو/تموز وأغسطس/آب على وجه التحديد.
هذه المخاوف ليست جديدة في حد ذاتها، صحيح أنها تصاعدت هذا العام، إلا أنها لا تخرج عن إطار ما يُرصد فعليا في أنماط الطقس خلال السنوات الأخيرة، حيث دخلت المنطقة في "كماشة مناخية" أحكمت قبضتها وتسببت في موجات الحر المبكرة وازدياد حدة التقلبات الجوية في المنطقة.
ويتشكل طرفا الكماشة، بفعل عمليات تسخين نشطة هذه الأيام لسطح اليابسة فوق قارة أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، يقابلها تدفق للهواء البارد من الشمال، وهذا التباين الكبير في الأنماط الجوية، يكون من نتيجته اندفاع كتلة هوائية باردة نحو مناطق غرب البحر الأبيض المتوسط، لا سيما دول المغرب العربي، حيث تسود هناك أجواء باردة مع درجات حرارة أقرب إلى الشتوية، بينما يحدث في أجزاء أوسع من العالم العربي رد فعل ديناميكي لهذه الكتلة الباردة، وهو اندفاع هواء حار قادم من عمق الصحراء الأفريقية باتجاه مصر وبلاد الشام، ما يؤدي إلى ارتفاع تدريجي وملحوظ في درجات الحرارة.
ورصدت العديد من الدراسات قبل سنوات ملامح تشكل هذه الحالة المناخية التي تنتج شعورا مبكرا بارتفاع الحرارة، حيث ربطت تلك الدراسات التسخين النشط لسطح اليابسة فوق قارة أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، والمحرك الأهم في تكوين أحد طرفي الكماشة، بتفاعل معقد بين الاحترار العالمي وديناميكيات الغلاف الجوي الإقليمي.
وتقول دراسة نشرتها دورية "كلايمت داينامكس" (Climate Dynamics)، إنه مع ارتفاع درجات الحرارة عالميا، تتمدد مناطق الضغط الحراري المنخفض فوق الصحارى، خاصة ما يُعرف بـ"المنخفض الحراري الصحراوي" ما يؤدي إلى تعزيز التسخين السطحي.
ويشرح المدرس بقسم علوم الفلك والفضاء والأرصاد الجوية بكلية العلوم جامعة القاهرة الدكتور مصطفى عصام، هذه العملية، قائلا في تصريحات للجزيرة نت إنه "عندما ترتفع حرارة الأرض بشكل عام بسبب التغير المناخي، فإن اليابسة تسخن أسرع من البحار، والصحارى تسخن أسرع من باقي المناطق، لذلك تصبح مناطق مثل الصحراء الكبرى وشبه الجزيرة العربية أكثر سخونة من قبل".
ويتابع: "عندما يسخن سطح الأرض جدا، يرتفع الهواء الساخن إلى الأعلى، ويترك خلفه (منطقة ضغط منخفض)، ومع زيادة الحرارة العالمية يصبح هذا المنخفض أقوى وأوسع مساحة ولا يظل محليا فقط فوق الصحراء، وعندما يتوسع المنخفض يسحب الهواء من المناطق المجاورة ويعيد توجيه حركة الرياح، وينتشر الهواء الساخن على نطاق أوسع، بدلا من أن يبقى محصورا في الصحراء".
وتشير دراسة أخرى نشرتها دورية "جورنال أُف كلايمِت" (Journal of Climate)، إلى الطرف الآخر من الكماشة، حيث تصف كيف أن التغيرات في توزيع الطاقة الحرارية بين نصفي الكرة الأرضية تؤدي إلى اضطراب في حركة الكتل الهوائية وتزايد التباين الحراري بين العروض المدارية (المناطق القريبة من خط الاستواء) والعروض العليا (المناطق البعيدة عن خط الاستواء، باتجاه القطبين).
وتوضح الدراسة أن هذا الخلل في التوازن الحراري ينعكس على أنظمة الضغط الجوي الكبرى، بما في ذلك المنخفض الحراري الصحراوي، الذي يشتد مع عمليات التسخين القوي لسطح اليابسة فوق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، ما يعزز اندفاع الهواء الحار شمالا من عمق الصحراء، وفي الوقت نفسه، تسمح المنخفضات العلوية الممتدة من الشمال بتوغل كتل هوائية باردة نحو غرب البحر الأبيض المتوسط، خصوصا دول المغرب العربي، حيث تسود أجواء أكثر برودة تميل إلى الطابع الشتوي فوق بعض المناطق الجبلية.
ونتيجة لهذا التصادم بين الكتل الهوائية المتباينة، تتشكل حالة من عدم الاستقرار الجوي تمتد إلى مصر وبلاد الشام وأجزاء من الجزيرة العربية، تترافق مع نشاط للسحب الركامية الرعدية ورياح هابطة مثيرة للغبار، إضافة إلى احتمالات لهطول أمطار رعدية محلية.
وتؤكد الدراسات ومنها دراسة نشرتها دورية "ساينتفيك ريبورتس" (Scientific Reports)، أن مثل هذه الحالات تعد جزءا من النمط الانتقالي لفصل الربيع، إلا أن التغيرات المناخية الحالية قد تسهم في زيادة حدة هذا التباين الحراري وتكرار هذه الظواهر، مع استمرار تذبذب الأنظمة الجوية خلال الفترة المقبلة.
وتشير نتائج تلك الدراسة إلى أن الاحترار لم يعد محصورا في فصل الصيف فقط، بل أصبح يمتد عبر مواسم مختلفة نتيجة إعادة توزيع الكتل الهوائية، ما يجعل ارتفاع درجات الحرارة أكثر استمرارية وأقل قابلية للتراجع السريع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة