من أعماق الكون السحيقة، وعلى مسافة تتجاوز 8 مليارات سنة ضوئية، رصد علماء الفلك إشارة راديوية استثنائية بدت وكأنها منارة كونية لا تخبو. فبينما تضعف معظم الإشارات القادمة من هذا البعد الهائل، وصلت هذه الإشارة إلى الأرض شديدة الوضوح والقوة، في ظاهرة نادرة وصفها العلماء بأنها "ميغا ليزر" كوني أو غيغاميزر (Gigamaser).
ويعتقد الباحثون أن مصدرها مجرتين بعيدتين في حالة تصادم عنيف، حيث تعمل سحب الغاز الغنية بجزيئات الهيدروكسيل (OH) كمضخم طبيعي للموجات الراديوية، فتطلق إشعاعا يمكن رصده عبر مليارات السنين الضوئية، في مشهد يكشف عن واحدة من أكثر الظواهر تطرفا في الفيزياء الفلكية.
الموجة الراديوية المكتشفة كانت عند طول موجي يبلغ حوالي 18 سنتيمترا، وهو طول مرتبط بجزيئات الهيدروكسيل، وهي مجموعة بسيطة من الأكسجين والهيدروجين موجودة في الغازات الكثيفة. هذه الجزيئات تعمل كمضخم طبيعي للإشعاع، مثل الليزر ولكن في موجات الراديو، مما يجعل الإشارة واضحة حتى بعد سفرها عبر 8 مليارات سنة ضوئية.
ومن العجيب أن النظام الذي أرسل هذه الإشارة عبارة عن مجرة مزدوجة في حالة تصادم عنيف. هذا التصادم يضغط الغازات فيخلق مناطق كثيفة وغنية بالهيدروكسيل، ما يجعلها مثالية لتضخيم الإشعاع الراديوي. كما أن سرعة تكوين النجوم في هذا النظام عالية جدا، ما يزيد من نشاط الغاز ويعزز الإشارة.
وقد صلت الإشارة إلى الأرض أكثر وضوحا بسبب وجود مجرة بيننا وبين المصدر تقع على نفس خط الرؤية، وتعمل كعدسة طبيعية. إذ تقوم هذه العدسة الجاذبية بتكبير الإشارة لتبدو أكثر قوة، مثل مكبر ضوئي طبيعي، لكنه لا يخلق ضوءا جديدا، بل يزيد من تركيز الضوء القادم وزيادة لمعانه ووضوحه.
وتم هذا الاكتشاف باستخدام تلسكوب "ميركات" (MeerKAT) الموجود في جنوب أفريقيا، وهو واحد من أكثر التلسكوبات الراديوية حساسية وقوة في العالم، ويتكوّن من 64 صحن لاقط، يبلغ قطر كل منها 13.5 مترا.
ويُشغّل التلسكوب من قبل مرصد جنوب أفريقيا لعلم الفلك الراديوي "ساراو" (SARAO)، ويعمل في نطاق الأطوال الموجية السنتيمترية، كما يُعد مشروعا تمهيديا لمصفوفة الكيلومتر المربع للتلسكوبات الراديوية ( Square Kilometre Array ).
وقد أسهم تلسكوب "ميركات" في تحقيق أبحاث رائدة، من بينها إنتاج صور عالية الدقة لمركز مجرة درب التبانة، واكتشاف مجرات راديوية عملاقة، إضافة إلى دراسة النجوم النابضة.
ومثل هذه الاكتشافات تساعد العلماء على فهم طبيعة المجرات المندمجة، وكيف يمكن للغازات والجزيئات أن تضخم الإشعاعات على نطاق كوني واسع، وتفتح المجال لاكتشاف أنظمة مشابهة في المستقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة