عند النظر في ما تلتقطه عدسات الكاميرات لحظات تصادم الجسيمات في مصادم الهادرونات الكبير، نرى رشقات كثيفة من الجسيمات تتطاير في كل اتجاه، وكأننا أمام انفجار ناري هائل غير محكوم بأي قواعد أو نظام.
لكن الفيزياء الحديثة ترى غير ما نراه، بل وتقول إن هناك شيئا مختلفا يكاد يتوارى خلف هذا المشهد الصاخب، إذ يوجد نظام رياضي عميق يمكن قياسه بلغة "الإنتروبيا"، أو مقياس الفوضى.
دراسة جديدة نُشرت في دورية "فيزيكال ريفيو دي" (Physical Review D)، تحاول معرفة ما تحمله الجسيمات التي نراها بعد تصادمها في مصادم الهادرونات الكبير من بصمة للفوضى التي كانت موجودة داخل البروتون قبل التصادم، وكأنها خطوات أقدام تدل على طريق صاحبها.
تتكون الذرة من بروتونات موجبة الشحنة وإلكترونات سالبة الشحنة متساوية في العدد، مما يعادل الشحنات فيمنح الذرة استقرارها. الهادرونات هي الجسيمات الكبيرة مثل البروتون، ويتكون البروتون من كواركات ترتبط سويا بما يعرف باسم الغلونات، ويُطلق على هذه المكونات الداخلية مجتمعة اسم بارتونات.
عندما تتصادم هذه البروتونات، تتفاعل مكوناتها بشدة مكونة ما يعرف بـ"البحر الساخن" من الكواركات والغلوونات. بعد ذلك، تبرد هذه المكونات لتتجمع في جسيمات جديدة تسمى الهادرونات تخرج من نقطة التصادم.
داخل كل بروتون تعيش الكواركات والغلونات في حالة كمومية شديدة التعقيد والتشابك. لا يوجد كاشف يستطيع تصويرها وهي في مكانها قبل التصادم. كل ما نراه تجريبيا هو الناتج النهائي، أي الجسيمات التي خرجت بعد التصادم.
لذلك يسأل الفيزيائيون: ما هو القياس الأبسط والأصدق الذي يمكنه ربط ما يرونه بعد التصادم بما كان موجودا داخل البروتون قبل التصادم؟ بالتالي، هم بصدد البحث عن أبسط أثر لم يستطع التصادم أن يمحيه.
يشرح الباحث في الفيزياء النظرية في معهد الفيزياء النووية التابع للأكاديمية البولندية للعلوم كشيشتوف كوتاك، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "يمكن للمرء أن يتوقع أن تُفقد بعض المعلومات بسبب عملية التصادم، لأن هناك العديد من الطرق التي يمكن أن تتحد بها البارتونات لتشكيل الهادرونات".
بعبارة أخرى، عندما تتحول المكونات الأولية (البارتونات) إلى جسيمات نهائية (هادرونات)، قد نفقد بعض المعلومات، لأن هناك طرقا كثيرة لخلط المكونات نفسها وإنتاج النتيجة النهائية.
لكن بدلا من التركيز فقط على عدد الجسيمات الناتجة، تقترح الدراسة علينا نهجا ذكيا وهو معرفة عدد الطرق المختلفة التي يمكن أن تنتج هذا المشهد الذي نراه. وكلما زاد عدد الطرق، زادت الإنتروبيا. وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة، يبدو أن النظام في الطاقات العالية يصل إلى أقصى فوضى ممكنة، أو ما يسميه الفيزيائيون "إنتروبيا قصوى"!
يقول كوتاك: "عادة ما يتم عرض البيانات التي تم جمعها بسرعة ترتبط بزاوية التشتت" لكنه اختلف مع هذا النهج المعتاد، واقترح استبدال النظر إلى "من أين خرج الجسيم"، بـ"كم خرج من الجسيمات".
هذا يجعل المقارنة بين التجارب المختلفة أكثر شمولا. هذا النموذج الذي يقترحه كوتاك سبق أن اقترحه بالفعل في دراسة سابقة عام 2024، لكنه أعاد اكتشاف فعاليته مرة أخرى في هذه الدراسة، وطور هو ورفيقه "المقياس" الذي يجعله يعمل.
عندما قارن الباحثان النموذجين المتاحين، نموذج زاوية التشتت السائد في المجتمع العلمي، ونموذج كمية الجسيمات الخارجة الجديد، لتفسير كيفية تكاثر ما بداخل البروتون أثناء التصادم، ببيانات حقيقية من تجارب مصادم الهدرونات والتجارب الأقدم، وجدوا أن أحدهما يفشل في وصف الفوضى عند الأعداد القليلة من الجسيمات، وأن الآخر ينجح في وصف التكاثر عبر نطاق واسع من الطاقات والتجارب.
نجاح الباحثين هنا يكمن في إثبات أن الفوضى في التصادمات تبعت نمطا رياضيا ثابتا مهما اختلفت طاقة التصادم. كما يؤكد كوتاك: "تُظهر نتائجنا بوضوح أن الإنتروبيا عند أعلى الطاقات (أي الإنتروبيا القصوى) تعتمد على العدد"
ويضيف: "وينطبق هذا على جميع البيانات التي حللناها" بمعنى آخر، عند الإنتروبيا القصوى، تتصرف الفوضى تماما كما تنبأت نظريات سابقة، لكن هذه المرة، عبر مجموعة أوسع بكثير من البيانات.
قد يبدو الحديث عن إنتروبيا البروتونات بعيدا عن حياتنا اليومية، لكنه في الحقيقة يمس جوهر فهمنا للطبيعة. فإذا كان البروتون، كأحد أبسط لبنات الكون، في حالة تشابك وتعقيد قصوي، فهذا يعني أن الفوضى ليست عيبا في الطبيعة، بل خاصية أساسية لها يمكن فهمها رياضيا. كما أن هذا الفهم قد يؤثر مستقبلا في شتى المجالات.
على سبيل المثال، يُنظر اليوم إلى الشيخوخة أحيانا على أنها تراكم للإنتروبيا (الفوضى) داخل الخلايا الحيوية والمادة الوراثية. ولعدم فهمنا الكامل لطبيعة تلك الإنتروبيا، نتعامل مع الشيخوخة كأعراض منفصلة. لكن إذا تطور فهمنا لكيفية طرد الخلية للإنتروبيا الزائدة، قد ننتقل من علاج الشيخوخة إلى ما يشبه إدارة النظام الحيوي، مما قد يؤدي لتبني تقنيات تطيل العمر عبر تقليل "الفوضى الجزيئية" داخل الجسم.
حتى القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي يقول إن الإنتروبيا تزداد دائما، وهو ما يسبب ضياع جزء من طاقة الوقود في السيارات كحرارة غير مفيدة. تأتي الأبحاث في مجال "الآلات الحرارية الكمومية" لتحاول استغلال خصائص الجسيمات لتقليل الإنتروبيا المتولدة. هذا قد يعني بطاريات تدوم لأسابيع أو محركات تعمل بكفاءة تقترب من المثالية.
لم تنته مهمة الباحثين بعد، فما أثبتاه قد يواجه المزيد من التحديات والاختبارات العلمية. يختتم كوتاك بالحديث عن خططه المستقبلية: "سيتم دراسة تصادمات الإلكترون والأيون في مركز مصادم الأيونات والإلكترونات، حيث قد تظهر تأثيرات جديدة عالية الكثافة، وسنكون قادرين على اختبار كيفية أداء نموذجنا في ظل هذه الظروف الجديدة"
هذا يعني أن هذا النهج الجديد سيواجه اختبارا جديدا في مناخ أكثر كثافة وتعقيدا. وفي النهاية، يبدو أن ما نراه من شظايا بعد تصادم الجسيمات في المصادم الكبير ليس نهاية القصة، بل مجرد فصل آخر يكشف لنا عن بداية قصة أدق مكونات المادة ذاتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة