قبل عقود كانت صحراء تاكلاماكان في شمال غرب الصين تمثل "فراغا بيولوجيا" حقيقيا، إذ كانت الرمال المتحركة تمتد بلا نهاية، والطقس شديد الجفاف يمنع أي شكل من أشكال الحياة النباتية من الاستقرار.
لكن قصة هذا المكان بدأت تتغير منذ عام 1978، حين أطلقت الصين مشروع الجدار الأخضر العظيم ("Great Green Wall")، المعروف رسميا باسم برنامج حماية الغابات الثلاثة-الشمالية، بهدف مواجهة التصحر وحماية الأراضي الزراعية وسكان المناطق الشمالية من العواقب البيئية القاسية.
التصحر هو تحوّل الأراضي الخصبة إلى أراضٍ صحراوية، وهو من أكبر التحديات البيئية في المناطق الجافة، إذ تسبب الرياح والجفاف وانجراف التربة تدهور الأراضي بشكل سريع.
وصحراء تاكلاماكان، واحدة من أكبر الصحاري وأكثرها جفافا في العالم، وكانت تمتد على أكثر من 95% من المنطقة بالرمال المتحركة، لكن مشاريع التشجير الحديثة أثبتت أن الإنسان يمكنه أن يحوّل هذا "الفراغ البيولوجي" إلى منطقة خصبة.
ووفقا للبروفيسور "يوك يونغ" من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech)، فإن التدخل البشري المكثف ساعد على زيادة قدرة المنطقة على امتصاص الكربون، وتحويلها إلى مصرف كربوني (Carbon Sink)، أي مكان يمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي بدلا من إطلاقه، مما يساهم في مكافحة تغير المناخ. هذه النتائج فتحت الباب لتطبيق تجارب مشابهة في صحارى أخرى حول العالم.
أطلقت الصين مشروع جدارها الأخضر العظيم سنة 1978 بهدف زراعة الأشجار على طول حدود صحراء تاكلاماكان وصحراء غوبي، لتثبيت الكثبان الرملية وتقليل انجراف التربة. ومنذ بداية المشروع، تمت زراعة أكثر من 66 مليار شجرة على طول 2800 ميل (4500 كيلومتر) على حدود الصين الشمالية، مع خطط لزراعة 34 مليار شجرة إضافية في السنوات الـ25 القادمة.
وبحلول عام 2024، أصبح محيط تاكلاماكان مغطى بحزام أخضر من الأشجار، ما ساعد على تثبيت الكثبان الرملية وزيادة الغطاء النباتي من حوالي 10% من مساحة الصين عام 1949 إلى أكثر من 25% اليوم.
وقد أسهم هذا المشروع أيضا في زيادة معدل امتصاص الكربون، إذ إن الأشجار تمتص ثاني أكسيد الكربون أثناء عملية التمثيل الضوئي، ومن ثم تقلل مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
أظهرت دراسة استمرت 25 سنة تقوم على تحليل صور الأقمار الصناعية وملاحظات أرضية للغطاء النباتي، أن نمو الأشجار على أطراف صحراء تاكلاماكان أدى إلى زيادة هطول الأمطار بنسبة 2.5 مرة أثناء الموسم الرطب، مما عزز نمو النباتات وزيادة اللون الأخضر، وزاد من امتصاص ثاني أكسيد الكربون وخفضه من 416 جزءا في المليون في الموسم الجاف إلى 413 جزءا في المليون في الموسم الرطب.
هذه النتائج أظهرت أن المناطق الصحراوية، التي كانت تعتبر "مناطق ميتة بيئيا"، يمكن تحويلها إلى مصارف كربونية حية. ويضيف "يوك يونغ" أن نجاح هذا المشروع على أطراف تاكلاماكان يمثل أول نموذج ناجح يثبت إمكانية تحويل الصحراء إلى مصارف كربونية".
على الرغم من النجاحات، يواجه المشروع انتقادات عدة، إذ يعتمد الجدار الأخضر في كثير من مناطقه على نوعين فقط من الأشجار، مثل البوبلار (poplar) والصفصاف (willow)، مما يجعلها عرضة للأمراض، كما حدث في عام 2000 عندما فقد مليار شجرة بوبلار بسبب مرض في مقاطعة نينغشيا (Ningxia).
ويعزى ارتفاع معدل موت الأشجار إلى غرسها في مناطق لا تتوفر فيها المياه الكافية، مما يجعل التدخل البشري باستمرار شيئا ضروريا، كما أن زراعة أشجار كثيفة في هذه المناطق تستنزف المياه الجوفية اللازمة للنباتات المحلية، مما قد يزيد من تصحر الأراضي في بعض المناطق.
على الرغم من هذه الصعوبات، ألهم مشروع الصين "الجدار الأخضر" مشاريع مماثلة عالميا، مثل الجدار الأخضر الأفريقي (Great Green Wall of Africa)، الذي يهدف لزراعة 8000 كيلومتر من الأشجار لمكافحة التصحر في القارة الأفريقية.
فقصة تاكلاماكان تعلمنا أن التدخل البشري المدروس يمكن أن يحقق نجاحات بيئية غير متوقعة، لكن الاستدامة تعتمد على فهم القدرة الاستيعابية للمنطقة والتنوع البيولوجي، وأن مشروعات كهذه تقدم نموذجا لكيفية مواجهة التغير المناخي وتحويل التحديات الصحراوية إلى فرص بيئية، بشرط الموازنة بين الطموح البشري واحترام الطبيعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة